loader
 

رأيٌ في لغة المسيح الموعود عليه السلام ..«3» نظرة في شعر المسيح الموعود عليه السلام..

رأيٌ في لغة المسيح الموعود عليه السلام ..«3»

نظرة في شعر المسيح الموعود عليه السلام..

بقلم: د. أيمن فضل عودة

لم تكن قصائد المسيح الموعود عليه السلام -لنا الأحمديين- مجرد شعر يُقرأ فحسب، بل كان لها أثر كبير في صقل هُويتنا الإسلامية الأحمدية، وغرس حب الله والنبي محمد -صلى الله وسلم- وحب خادمه الصادق  سيدنا أحمد المسيح الموعود -عليه السلام- في نفوسنا، كما كان لها الأثر العميق في ترسيخ الفكر الإسلامي الأحمدي في قلوبنا وعقولنا ووجداننا. فمنذ نعومة أظفارنا نشأنا ننشد هذه القصائد العذبة، نرددها ونتغنى بها في الاحتفالات والمناسبات المختلفة، وفي بيوتنا العامرة بحب الدين والإسلام والأحمدية؛ والفضل في كل هذا بعد الله تعالى، يعود للمربين والمبشرين الأفاضل، وآبائنا وأمهاتنا الذين لم يألوا جهدا في تعليمنا إياها وحثّنا على حفظها.

وإنّي وقد شارفت على نهاية العقد الخامس من حياتي، لا يمكنني أن أنسى تلك اللّحظات، حين كنت في منتصف العقد الأول من عمري والتي كان بها أبي الفاضل، الأستاذ فضل عودة -أطال الله في عمره- يجمع تلاميذ المدرسة الأحمدية في بيتنا، مشرفا على تحفيظهم هذه الأشعار وتدريبهم عليها، تحضيرا لإنشادها في مناسبات الجماعة المختلفة، كيوم المسيح الموعود ويوم المصلح الموعود ويوم الخلافة. 

كما لا يمكنني أن أنسى ذلك الجهد الجبار الذي قام به مولانا المبشر المربي الأحمدي الأستاذ محمد حميد كوثر -حفظه الله- خلال مكوثه في الكبابير إماما ومربيا وزعيما للجماعة في الديار المقدسة، في تعليم النشأ الجديد التعاليم الأحمدية والفكر الأحمدي، مُوليا القصائد الأحمدية اهتماما كبيرا، يحثّ فيها الأولاد والبنات، كبارا وصغارا، جماعات وفرادى، على حفظها وإنشادها في كل مناسبة من مناسبات الجماعة. وقد بلغتْ هذه المسألة قمّتها في إبّانه حين أصبحت القصائد الأحمدية هذه تُقرأ من على منصة الاحتفال السنوي العالمي للجماعة في لندن في عهد الخليفة الرابع -رحمة الله عليه- الذي أولاها أهمية كبرى لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الاحتفال السنوي العالمي إلى يومنا هذا. 

ونظرا لاهتمام مولانا محمد حميد كوثر الكبير في هذه القصائد، فقد جمعها لنا في كتاب خاصّ أسماه القصائد الأحمدية، ليصبح هذا الكتاب كتابا أساسيا في البيت الأحمدي في الكبابير، يتناوله الكبير والصغير للتغني بقصائد المسيح الموعود عليه السلام. فجزاه الله عنا خير الجزاء! 

وأما عَليّ شخصيا، فقد كان لهذه القصائد بالإضافة إلى كل ما ذكرت، أثر بالغ في بثّ حب الشعر العربي واللغة العربية في نفسي، لما فيها من شعر يضاهئ معلقات الشعراء الأفذاذ، وبلاغة تبلغ النفس في معانيها وتراكيبها، جاءت ظلا لبلاغة القرآن الكريم. الأمر الذي كان له دور كبير في إثارة فضولي ودفعي إلى الاهتمام بالشعر العربي، مما حدا بي في نهاية الأمر إلى دراسة الشعر على أصوله من علمي العروض والقافية وما يكتنفهما من علوم أخرى ذات الصلة بها.

وقد كانت من بين أولى القصائد الأحمدية التي تغنيت بها في صغري، القصيدة التي مطلعها: «بمطلع على أسرار بالي»، والتي نشرها المسيح الموعود عليه السلام كجزء من كتابه (التبليغ)، إلى جانب قصيدته الشهيرة «يا عين فيض الله والعرفان» التي خصّها المسيح الموعود عليه السلام لمدح سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، وجذّرت في  كياننا حب الإسلام وعظمته.  

وفي هذه القصيدة «بمطلع على أسرار بالي» لطالما استوقفني - لغة ونحوا - بيت من أبياتها، نشر في كتاب «القصائد الأحمدية» على النحو التالي:

فإنْ حربًا فحربٌ مثل نار               وإنْ سلمٌ فسلمٌ كالزلال 

فهكذا حفظتُ هذا البيت وتغنيت به طوال سني عمري، وعلق في ذاكرتي بهذا الشكل من التشكيل النحوي.

وما استوقفني فيه هو اختلاف التشكيل بين صدر البيت وعجُزه في الكلمات (حربًا) و (سلمٌ) الأولى، وتساءلت: لماذا هذا الاختلاف في التشكيل على الرغم من أن التركيب واحد لا اختلاف فيه؟ فرجعت إلى كتب النحو أستشيرها في حل هذه المسألة اللغوية. ولما كان كتاب «النحو الوافي» عمدتي الأساسي في النحو، وجدته يَفْصل في هذه القضية بقول فصل يُغني عن أي بحث إضافي. وإليكم ما وجدته.

تندرج هذه المسألة تحت باب: حذف كان واسمها معًا مع بقاء خبرها؛ أو حذفها مع خبرها وبقاء اسمها، ليقول النحو الوافي ما يلي عن حذف (كان):

«وأما حذفها مع اسمها دون خبرها فجائز وكثير بعد "إنْ" و"لوْ" الشرطتين، فمثاله بعد "إنْ": المرء محاسَب على عمله؛ إنْ خيراً يكن الجزاءُ خيرًا، وإن شرًّا يكن الجزاء شرّا؛ فالأصل: المرء محاسب على عمله؛ إن كان العمل خيرًا يكنْ الجزاء خيرًا، وإن كان العمل شرًّا يكن الجزاء شرًّا؛ فقد حذفت (كان) مع اسمها... - وأما حذفها مع خبرها دون اسمها فجائز - مع قلته، بالنسبة للحالة السالفة - بعد: "إنْ" و"لو" الشرطيتين أيضاً؛ فمثاله بعد "إنْ": المرءُ محاسَبٌ على عمله؛ إنْ خيرٌ فخيرٌ وإن شرٌّ فشرٌّ. الأصل: المرء محاسب على عمله؛ إن كان فى عمله خيرٌ فجزاؤه خيرٌ، وإن كان فى عمله شرٌّ فجزاؤه شرٌ ... ».  [النحو الوافي (1/ 584- 585)]

وعن هذا التركيب: «إن خيرٌ فخيرٌ» يستطرد النحو الوافي ويقول:

«في مثل هذا التركيب يصح في الاسمين بعد "إنْ" أربعة أشياء، رفعهما معا، نحو: إن خيرٌ فخيرٌ، أي: إن كان في عمله خيرٌ فجزاؤُه خيرٌ. ويصح نصبهما معا، نحو: إن خيرًا فخيرًا، على تقدير: إن كان عمله خيرًا فهو يلاقي خيرًا. ويصح نصب الأول ورفع الثاني، نحو: إن خيرًا فخيرٌ، أي إن كان عمله خيرًا فجزاؤُه خيرٌ. ويصح رفع الأول ونصب الثاني، نحو: إن خيرٌ فخيرًا، أي: إن كان في عمله خيرٌ فالجزاءُ يكون خيرًا.... وهذا الوجه أضعف الأربعة لكثرة الحذف فيه، ولكنه قياسي كالثلاثة الأخرى.

ومن الممكن التخفيف والتيسير والاختصار بمعرفة الأوجه الأربعة دون احتمال العناء في الإعراب التفصيلي لكل حالة، فيكفي أن يقال إنّ الاسمين يجوز رفعهما معا، أو نصبهما معا، أو رفع الأول ونصب الثاني، أو العكس، إذ الغرض من الإعراب التفصيلي هو الوصول إلى سلامة النطق، وصحة الضبط المؤدي إلى صحة المعنى المراد. وهذا يتحقق بمعرفة القاعدة الإجمالية التي ذكرناها، والاقتصار عليها». [النحو الوافي (1/ 584)]

وعليه، يتضح لنا سبب الاختلاف بين صدر البيت وعجزه في البيت المشار إليه؛ فاختلاف التشكيل بالنصب فالرفع في الكلمات (حربا) و(سلم) الأولى، وارد وصحيح ويكون على التوجيه التالي:

صدر البيت- فإن حربًا فحربٌ مثل نار: جاء نصب كلمة (حربًا) على حذف كان مع اسمها وبقاء خبرها، ليكون التقدير: فإن كانت نيتُّك حربًا فجزاؤك حربٌ مثل نار. على اعتبار (حربًا) خبر كان المحذوفة مع اسمها، و(حربٌ) خبر للمبتدأ المحذوف (جزاؤك).

عجُز البيت- وإن سلمٌ فسلمٌ كالزلال: جاء رفع (سلمٌ) الأولى على حذف كان مع خبرها وبقاء اسمها، ليكون التقدير: إن كان في نيتك/ في إرادتك سلمٌ فجزاؤك سلمٌ كالزلال. وهنا تكون سلمٌ الأولى اسم كان المحذوفة مع خبرها، فشبه الجملة المقدرة (في نيتك/ في إرادتك) هي خبر كان المحذوفة. و(سلمٌ) الثانية هي خبر لمبتدأ محذوف (جزاؤُك).

ومما نقلناه من النحو الوافي يتضح لنا ما هو أبعد من ذلك، أنّ كلّا من صدر البيت وعجزه يحتمل أربعة إمكانيات للتشكيل على النحو التالي:

صدر البيت:

1: فإن حربًا فحربًا، على تقدير: فإن كانت نيتُك حربًا، فيكون جزاؤُك/ فتلاقي حربًا...

2: فإن حربًا فحربٌ، على تقدير: فإن كانت نيتُك حربًا فجزاؤُك حربٌ...

3: فإن حربٌ فحربٌ، على تقدير: إن كان في نيتك حربٌ فجزاؤك حربٌ...

4: فإن حربٌ فحربًا، على تقدير: إن كان في نيتك حربٌ، فيكون جزاؤُك/ فتلاقي حربًا...

وكذلك عجز البيت: وإن سلمٌ فسلمٌ/ وإن سلمٌ فسلمًا/ وإن سلمًا فسلمًا/ وإن سلمًا فسلمٌ. على نفس التقديرات المذكورة أعلاه.

وبالأخذ بعين الاعتبار كل هذه الإمكانيات للتشكيل وإذا أدخلنا علم الإحصاء والاحتمال في هذه المسألة، أو تفكرنا فيها مليّا؛ لوجدنا هذا البيت يحتمل ستَّ عشرة إمكانية للتشكيل، وكلها صحيحة جائزة. إذ أمامنا شطران من البيت، وكل واحد منهما يحتمل أربع إمكانيات للتشكيل، فتكون المحصلة = (42)= (16) فليتفكر بها القارئ الكريم.

وعليه، نقول نظرا لجواز هذه الأوجه كلها، وفي كونها شاهدا على اتساع اللّغة ومرونتها:

«قل: فإن سلمًا فسلمٌ كالزلال. وقل: فإن سلمٌ فسلمٌ كالزلال. وكله صحيح فصيح جائز». 

وليكن شعارنا دائما: يسّروا ولا تعسّروا، وسّعوا ولا تضيّقوا، بشّروا ولا تنفّروا؛ ففوق كل ذي علم عليم!!!

 

 

  


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

خطب الجمعة الأخيرة