loader
 

الأحمدية والانتصار لمالك ابن أنس ومخالفة المالكية..! تاريخ النشر: 14-8-2025

الأحمدية والانتصار لمالك ابن أنس ومخالفة المالكية..!

 

 بقلم الأستاذ: جمال أغزول

‏14‏/08‏/25

لطالما استوقفني أثناء الحوارات الفكرية والدعوية في مناسبات مختلفة موقف المالكية استنكارهم قول المسلمين الأحمديين بوفاة عيسى عليه السلام رغم ثبوته الصريح من القرآن الكريم والحديث والآثار.. وكم تزداد حيرتي برؤية إصرارهم على إنكار كل هذه الأدلة الصريحة الواضحة وتأويل قوله تعالى: "يا عيسى إني متوفيك" إلى معانٍ مخالفة لظاهر اللفظ دون أن يأتوا بقرينة صارفة له. وإذا كان هذا هو حال الخاصة منهم من ذوي العلم والثقافة فإن العوام يغلب عليهم الاستعجال والتسرع في رفض كل ما يتعارض مع مسلّماتهم الموروثة، وغالبا ما يعادونها كما في المأثور عن سيدنا علي كرّم الله وجهه عن طبائع الناس وأمزجتهم القائل: "المرء عدو ما يجهل".

ومع أنّ الحوار مع الفقهاء وطلبة العلم وإن كان يُفترض به أن يركّز أساساً على الأدلة الثابتة من القرآن الكريم والسنة وإجماع الصحابة الكرام، لكن للأسف سرعان ما يحيد البعض عن هذا المسار بسبب التعصب للمذهب دون حجة واضحة إلا عند قلّة ممن تحرروا من ذلك ، أما من يتملّكهم التعصّب فسرعان ما تأخذ الحميّة أهبتها في الظهور في نقاشهم أو يصدر عنهم مسعى الإنكار والاتهام بالمخالفة للعقيدة ولإجماع الأمة والمذهب، مما يجعل الحوار معهم أكثر صعوبة...

ومع ذلك فإن بعض الحالات تُحدثُ تحوّلاً عند النّظر والتأمّل والإصغاء وسرعان ما تذوب شكوكها وهواجسها عند توفر القصد والنية في ابتغاء الحق ورضا الله تعالى. إذ لعلّ الله تعالى يجعل فيما يظهر من ظاهر الخلاف نقاطا مستترة تؤدي إلى فتح آفاق جديدة نحو مزيد من الحوار، والذي يمكن أن يقود إلى مراجعات فكرية وعقدية أكثر انفتاحا وأكثر تسامحا ضمن دائرة الإسلام، ثم تصالحٍ مع التراث ضمن تنوع مشاربه واجتهاداته، وانتقاء أحسن ما هو زاخر به.

كم سيكون مفيدا لو انفتحت المذاهب على بعضها بعضا في حوار هادئ مثل النهج الذي تنهجه الجماعة الإسلامية الأحمدية التي سعت بلا كلل أو ملل إلى بناء قنوات تواصل مباشر مع كل الأديان والفرق في جو من المحبة وقبول الرأي الآخر بهدف الوصول إلى فهم مشترك يقود إلى الحق، إذ لا ضرر في أن يحاور كل مذهب وفرقة وفكر الآخر ويقبل أحسن ما لديه، وهي صفة لازمة أوجبها الله تعالى لعباده المؤمنين كما في قوله تعالى:

{ ٱلَّذِینَ یَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمۡ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ} الزّمر:19

وكيف لا يتحقق لنا هذا المستوى من الحوار ونحن نشترك جميعا في الإيمان بالقرآن الكريم ونتوجه نحو قبلة واحدة بمكة المكرمة، نتبع نبيا تشريعيا واحداً هو محمد المصطفى خاتم النبيين، ونغترف كلنا من إناء خالد أبد الدهر وهو هدي الكتاب والسنة.

فإذا تحقق هذا التواصل فسوف يكون مكسبا عظيما للأمة يبرز أثره في آفاق العالم الإسلامي على سبيل التقريب والوحدة العالمية بدل خطاب إذكاء التفرقة وفتاوى التكفير والتحريض المذهبي السافر الذي يؤدي إلى الصراعات وسفك الدماء ..

أثناء تواصلي مع المالكية كثيرا ما كنتُ أواجه تعصّب أحدهم فأستشهد له بمأثورات إمام مذهبه الإمام مالك ابن أنس إمام دار الهجرة الذي تحدث عن وفاة عيسى عليه السلام، كنتُ أبدأُ أولاً بتقديم الأدلة القرآنية الكريم والحديث الشريف ثم الآثار الثابتة الواضحة. وغالبا ما كانت ردود أفعال هؤلاء مختلفة. فالمتعصبون يميلون للهروب من النقاش دون الخوض في العمق الذي قد يؤدي بهم إلى الاعتراف بالحقيقة، أما من لديهم رغبة في التحقق ولكنهم يفتقرون للعلم الكافي فينتظرون من يحقق لهم هذه المسائل، أو يحثونك على طرحها وتوجيهها إلى علمائهم وخوض غمار المناظرة معهم. وهذا المطلب قد لا تتوفر له أرضيته ميدانيا للظرف العام ولا يمكن تقدير ما يمكن أن يترتب عليه، فضلا عن ترتيبات الضمانات الأمنية الشخصية ومدى ما تسمح به حدود الحريات في الفضاء العام من المناقشات العلنية.

ولعل أبرز الوقائع والأمثلة التي أثارت تفكيري عن العقلية المنفتحة هي أثناء زيارتي لمكتب الاستعلامات بالإدارة العامة للأمن الوطني في حوار ودي مع المسئول المختص في تتبع فكر الجماعات الدينية بالمملكة والذي يعمل على تحيينها والتعرف على شواخصها..

ومع أن اللقاء كان ودياً ومحترما ويعكس مهنية وكفاءة عالية وثقافة متزنة وحرصا عاما على تمثّل توجه الدولة على احترام التنوع الفكري وخصوصيات حرية الفكر والضمير لجميع المواطنين في حدود القانون، غير حوارنا تركّز بداية بعد التعارف والقضايا التعريفية التي قادتني للانضمام للجماعة الإسلامية الأحمدية.. ثم بالانتقال للحديث عن عقيدة وفاة المسيح وهي محور رئيسي من معتقدات الجماعة الإسلامية الأحمدية التي يرتبط بها كثير من المفاهيم الكبيرة الأخرى كماهية نزول المسيح، وصدق المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وما بعدها من مفاهيم أشراط الساعة.. المهم أن هذه العقيدة في جماعتنا صارت عنوانا بارزا يدركه كل من له لمحة عن الجماعة، وبالضد منها كانت عقيدة حياة عيسى ورفعه الجسماني ونزوله بذاته كعقيدة معلومةً من الدين بالضرورة لدى المالكية خصوصا والمسلمين عموما، حيث تم استغلالها وترويجها بصورة كبيرة لصدّ ما يسمونه زورا "بالقاديانية". ولظنّهم أنّ هذا النهج العقيم سيحصّن فكرهم من أي تشويش أو يصون هذه العقيدة للحيلولة دون تواصل أو تلاقٍ في أرضية حوار ديني مع الأحمديين لكشف حقيقتها!

 ففي خضم الحديث شعرتُ بأنّ المسئول بدأ يظهر اهتماما وإصغاءً لما أثير أمامه من معطيات جديدة خاصة من مذهب مالك رحمه الله عن وفاة المسيح، ولا غرو أن الفضل في ذكر هذه المسألة يعود لكتابات سيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام الذي ذكرها ضمن سياقات شواهد الآثار التي عضّد بها بيان القرآن الكريم وأثبت من خلالها بطلان مزاعم الإجماع على حياة المسيح عليه السلام مثل كتاب البراءة، وأيام الصلح، وإتمام الحجة، ومكتوب أحمد..حيث كانت هذه النقاط وتحقيقها وتتبعها في كتب التراث وتوثيقها وذكرها في مناسبتها لها أهميتها عند الإحالة والمطالبة بالمصادر..وهي التي ساهمت في إثارة فكر المسئول وكأنّ لسان حاله يتساءل في حيرة: أيُعقل أن يخالف المالكية مالكاً فتنتصر له الأحمدية موافقةً كما أسمعُ من هذا الأحمدي!؟..

وظنّي به أنه قد تكشّف له ما كان مجهولا في مذهبه، وإلى تراجع بعض الأفكار المسبقة لديه عن عقائد الجماعة التي يظنها البعض بعيدة كل البعد عن عقيدة أهل السنة في مسالك الفهم و التفسير .

لقد أثمرت تلك المناقشة بفضل الله تعالى عن فرصة لاحقة بإهدائه كتابا تعريفيا بعقائد الجماعة الإسلامية الأحمدية وتفاصيل مبانيها وأصولها وأدلتها الجامعة بعيدا عن الكتابات المضللة التي تعتمدها بعض الجهات لحصرها داخل صورة فرق ضالة مارقة، وبفضل توفيقه تعالى فقد نجحت أن أبرز في هذا اللقاء جمال انتمائي للأحمدية مع خلق المواطنة في تناغم لا اضطراب فيه، ولحظة إيجابية انعكس فيها روح الاحترام المتبادل رغم حالة الاختلاف الفكري إلى سلام ووفاق وتعايش وصداقة..

 ومن خلال هذه التجربة يتضح أنّ الحوار المنفتح غير المتشنج إذا ما تمّ استثماره استثماراً حسناً بنّاءً بأخلاق راقية قادر أن يذيب بعض الأحكام المسبقة وتقليص الفجوات بين الأطراف المتباينة فكريا، فتعزيز التعارف بين الأفكار والعقائد والمذاهب يساهم في تخفيف التوترات المذهبية التي غالبا ما تنجم عن الجمود الفكري والانغلاق الروحي ما يغيّر الأحكام الجاهزة والمسبقة لتتضح فكرتها وتتضح معالمها وينفّس المشاحنات المذهبية بين الأتباع التي يفرضها واقع الانغلاق المذهبي الذي تتقوقع فيه بعض المذاهب الدينية ومؤسساته !.كما أرى أنّ التشجيع على القراءة المباشرة لمصادر الفكر الآخر يساعد على إزالة التحيّزات والإشاعات ويعيد رسم صورة التعايش والتفاهم المشترك.

وعلى هذا الأساس فلا سبيل لأتباع المذاهب المختلفة إلا الحوار في بيت الإسلام دون تكفير، فدائرة الإسلام وفق تعريف النبي صلى الله عليه وسلم تسع كل من نطق بالشهادتين مهما اختلف في الفروع أو التفسيرات، ولأنّ الحوار داخل إطار الإسلام يجب أن يرتكز أساسا على احترام التعددية والابتعاد عن التكفير وبالتالي يمكن للانفتاح الفكري أن يشكّل أداةً فعّالةً لتضييق الفجوات وتعزيز الوحدة وحماية المجتمعات من التشرذم والصراعات الطائفية التي تهدد استقرار الأوطان، كما يجب أن يكون هذا المبدأ مدعاة تشجيع الحكومات ودوائرها الأمنية وليس مدعاة قلقها وتوجسها من أي جماعة دينية.

ما لا يعرفه كثير من المالكية عن أثر مالك :

  يُعتبر جَامِعُ "الْعُتْبِيَّة" لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي الذي توفي في القرن الثالت الهجري 255ه، مرجعاً أصوليا مهماً وأحد أبرز مصادر المذهب المالكي، ويُعرف بالمستخرجة لأنه اعتمد على استخراج فقه مالك ابن أنس بسند سماعي متصل من خلال تلامذته، حيث أنّ العتبي كان تلميذاً لابن حبيب وقد اعتمد في كتابه على جمع  ما سمعه من ابن القاسم وأشهب، وابن نافع عن مالك وذلك وفق تسلسل مضبوط في تلقي العلم.

حظيت المستخرجة باهتمام كبير من فقهاء المالكية في الأندلس وشمال أفريقيا الذين أدرجوها ضمن مصنفاتهم إما اختصاراً أوشرحاً وتبويباً، ومن بين هؤلاء: عبد الله بن محمد الأعرج الشَذوني المتوفى سنة (309ه) وهو أحد صغار تلامذة العتبي، وكان أهل المغرب يقدّرونه ويقصدونه فقام بتبويب مستخرجة العتبي على تبويب المدوّنة للإفادة منها، وقام الشذوني بتبويب كتاب المستخرجة ليوافق تبويب المدوّنة مما عزّز اهتمام علماء المالكية بهذا المصدر، فاستمروا في تدريسه وتهذيبه وتبويبه، بالإضافة إلى توجيه مسائله وشرحها وتعليلها.

ومن أبرز الأعمال التي أسهمت في تطوير الكتاب ما قام به يحيي بن عمر الكندي المتوفى سنة (ـ289هـ) الذي اختصر "المستخرجة" تحت اسم "المنتخَبَة"، ثم جاء عبد الله بن فتوح البنتي الذي توفي سنة(462ه)، ليقوم باختصار آخر لها، كما هذّبها مجموعة من العلماء منهم إبراهيم بن شِـنظير، وأبو محمد بن أبي زيد القيرواني الذين ساهموا في تعميق أثرها في التراث الفقهي المالكي.

 واقع تجربة:

لطالما التقيت أو تحاورتُ مع طلبة أصول الدين الذين يصرّونُ على اعتقاد حياة النبي عيسى ورفعه بجسده إلى السماء، ليتبيّن لي أنّ كثيراً منهم يجهل ما ورد في كتب مذهبه عن الإمام مالك حول وفاة المسيح. ويعود ذلك في نظري إما لنقص الاطلاع في القضايا التي يناقشونها، أو ربما كتمان المعلومات من قبل شيوخهم. ورغم ذلك، كنتُ أعذرهم في هذا النّقص، خاصّةً أنّ جلّ تركيزهم يكون على المختصرات في مذهبهم و التعمّق في مباحث محددة تتعلّق بالفقه، دون أن يمارسوا الاستقصاء الكامل لأقوال الإمام مالك في التفسير والفقه، نظراً لتشعّبها وكثرتها.

يقرأ هؤلاء الطلبة عادة الموطأ وبعض النوادر لأبي يزيد القيرواني، أو يطالعون مختصر ابن الحاجب ومختصر خليل وغيره من المختصرات التي لا تغني عن الإلمام الكامل بتفاصيل المذهب المالكي وأقوال مالك المتنوعة. فقد ورد في كتب المحدثين مثل الدار قطني أنّ للإمام مالك ما يقارب الأربعين ألف مسألة فقهية، وقيل إنّ فتاويه وآثاره جُمعت في ألف جزء. غير أنّ هذا الكمّ الكبير من العلم يندر أن يحيط به كبار فقهاء المذهب سوى المتعمّقين في دروبه من ذوي المصنفات والتأليفات ذات الصلة بكتب المالكية، او الباحثين الذين يشتغلون في إعداد الرسائل الجامعية المعنية بفقه مالك وآثاره في التفسير نظرا لحاجتهم إلى الرجوع إلى المراجع الموسّعة.

ولذلك أوجه كلامي لأولئك الطلبة المالكية الذين لم يدركوا أهمية "جامع العتبية" ولم يقفوا على تحقيق مكانته في مذهبهم، أدعوهم إلى التعرّف على هذا المرجع الذي يجمع أقوال مالك ويعكس علمه لعلّ الله يفتح بيننا وبينهم بالحق وهو خير الفاتحين..

مكانة "جامع العتبية" لدى المالكية وأئمة الفقه والأصول:

يُعدُّ "جامع العتبية" أحد أبرز المراجع في دراسة الفقه المالكي وأحد أبرز الركائز الأساسية لتطبيقاته العملية، ويُنظر إليه كأوّل الكتب في سلسلة أمهات الفقه المالكي، كما يحظى بتقدير واسع من قبل علماء المذهب المالكي وغيرهم، نظراً لما يحتويه من آراء فقهية وأحكام شرعية ذات أهمية بالغة. كما يعتبر مصدرًا جوهرياً لفهم كيفية تطبيق الفقه في المجالات الدينية العملية وهو ضمن قائمة أهم كتب الفقه المالكي مرجعية التي تتضمّن:

1-           المدوّنة السّحونية : نسبةً إلى سحنون بن سعيد الذي عاش في القرن الثالث الهجري وتأتي بعد موطأ مالك.

2-           الواضحة لعبد المالك بن حبيب المتوفى عام 237ه.

3-           العُتبية أو المستخرَجَة لمحمد ابن أحمد العُتبي المتوفى عام 255ه.

4-           الموازية أو كتاب ابن المواز، نسبة للفقيه المالكي محمد ابن إبراهيم بن المواز المتوفى عام 269ه

 وقد امتدح الإمام ابن حزم الظاهري العُتبية قائلا:

"ومنها المستخرجة من الأسمعة وهي المعروفة ب "العتبية" ولها عند أهل أفريقية القدر العالي والطيران الحثيث." (رسائل ابن حزم)

وفي السياق ذاته، أثنى عليها الفقيه أبو الوليد ابن رشد الذي قام بشرحها واختصارها في كتابه "البيان والتحصيل" موضحاً أنّ من لم يتفقّه منها فلا يُعدّ من الراسخين في الفقه:

"كتاب قد عوّل عليه الشيوخ المتقدمون من القرويين والأندلسيين، واعتقدوا أنّ من لم يحفظه، ولا تفقّه فيه كحفظه للمدوّنة وتفقُّهه فيها بعد معرفة الأصول، وحفظه لسنن الرسول صلى الله عليه وسلم فليس من الراسخين في العلم، ولا من المعدودين فيمن يشار إليه من أهل الفقه" (البيان والتحصيل، ابن رشد)

أثر مالك وشهرته في ضوء كتب التراث الإسلامي:

وإلى الجانب الفقهي، يعود تفسير الامام مالك وأثره إلى فقه أهل المدينة من الصحابة والتابعين حين فسّر معنى "التوفي" في قوله تعالى : يا عيسى إني متوفيك بمعنى الاماتة الصريحة، وهو المعنى الذي يتفق مع فهم ابن عباس رضي الله عنه كما ورد في صحيح البخاري. ومما نقل عن الامام مالك من تلامذته سماعا:

(قال مالك: مات عيسى) .. وهو أثرٌ مشهورٌ عنه وليس بمغمور فقد ذُكر أيضا في كتب  الأصول والتفسير و شُروح الحديث، وهذا الرأي نقله كبار العلماء كابن رشد في كتابه "البيان والتحصيل"، وابن عطية في تفسيره "المحرّر الوجيز"،وابن الحجّاج القُشيري في شرحه لصحيح مسلم تحت عنوان: "الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم"، ومحمد الأمين الهرري في كتابه "شرح ُمرشد ذوي الحِجا والحاجة إلى حلّ وفكّ معاني ومباني سُنن ابن ماجه"،وكذلك ابن عبد البرّ في كتاب "التمهيد"، وابن عاشور الفقيه المالكي في تفسيره "التحرير والتنوير" والذي عدّ هذا الأثر راجحا صحيحا معتبرا موافقا لمذهب كبار الصحابة واستدل على ذلك بتحقيق دلالة لفظ "التوفي" بمعنى الموت الحقيقي كما ننقله هنا للبيان والمثال:

(وَقَوْلُهُ: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ظَاهِرُ مَعْنَاهُ: إِنِّي مُمِيتُكَ، هَذَا هُوَ مَعْنَى هَذَا الْفِعْلِ فِي مَوَاقِعِ اسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّ أَصْلَ فِعْلِ تَوَفَّى الشَّيْءَ أَنَّهُ قَبَضَهُ تَامًّا وَاسْتَوْفَاهُ. فَيُقَالُ: تَوَفَّاهُ اللَّهُ أَيْ قَدَّرَ مَوْتَهُ، وَيُقَالُ: تَوَفَّاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ أَيْ أَنْفَذَ إِرَادَةَ اللَّهِ بِمَوْتِهِ، وَيُطْلَقُ التَّوَفِّي عَلَى النَّوْمِ مَجَازًا بِعَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الْأَنْعَام: ٦٠]- وَقَوْلِهِ- اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢] . أَيْ وَأَمَّا الَّتِي لَمْ تَمُتِ الْمَوْتَ الْمَعْرُوفَ فَيُمِيتُهَا فِي مَنَامِهَا مَوْتًا شَبِيهًا بِالْمَوْتِ التَّامِّ كَقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ- ثُمَّ قَالَ- حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا فَالْكُلُّ إِمَاتَةٌ فِي التَّحْقِيقِ، وَإِنَّمَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا الْعُرْفُ وَالِاسْتِعْمَالُ، وَلِذَلِكَ فَرَّعَ بِالْبَيَانِ بِقَوْلِهِ: «فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى»، فَالْكَلَامُ مُنْتَظِمٌ غَايَةَ الِانْتِظَامِ، وَقَدِ اشْتَبَهَ نَظْمُهُ عَلَى بَعْضِ

الْأَفْهَامِ. وَأَصْرَحُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ آيَةُ الْمَائِدَةِ: «فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ الْوَفَاةَ الْمَعْرُوفَةَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ عِلْمِ مَا يَقَعُ فِي الْأَرْضِ، وَحَمْلُهَا عَلَى النَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيسَى لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ رَفْعَهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَنَامَ وَلِأَنَّ النَّوْمَ حِينَئِذٍ وَسِيلَةٌ لِلرَّفْعِ فَلَا يَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِذِكْرِهِ وَتَرْكُ ذِكْرِ الْمَقْصِدِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى الرَّفْعِ عَنْ هَذَا الْعَالَمِ إِيجَادُ مَعْنًى جَدِيدٍ لِلْوَفَاةِ فِي اللُّغَةِ بِدُونِ حُجَّةٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّهَا وَفَاةُ مَوْتٍ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ «قَالَ مَالِكٌ: مَاتَ عِيسَى وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً» قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي «الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ»:

"يُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ: مَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ".

ابن عبد البرّ أيضا تناول هذا الموضوع في كتابه "التمهيد" حيث نقل أثر مالك ضمن سياق شرح رواية السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ومناجاته السيدة فاطمة الزهراء عن دنو آجله على رأس الستين ووفاة المسيح عن عمر العشرين ومائة" وأشار إلى أن الإمام مالك وافق مذهب من قال بوفاة عيسى استدلالا بحديث عائشة، حيث ينقل عن مالك:

"وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ مِنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْعُتْبِي قَالَ مَالِكٌ كَانَ عِيسَى بن مَرْيَمَ يَقُولُ يَا ابْنَ الثَّلَاثِينَ مَضَتِ الثَّلَاثُونَ فَمَاذَا تَنْتَظِرُ قَالَ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً قَالَ أَبُو عُمَرَ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ عِيسَى صَلَوَاتُ الله عليه وسلامه مات وأنه تَوفّي مَوت "  (التمهيد لابن عبد البرّ ج14،حديث حاد وثلاثون)

 

وبناء على هذه المصادر والآثار، يتضح بما لا يدعو مجالا للشك موقف الامام مالك حول وفاة المسيح عليه السلام ، وعلى الرغم من مخالفة المالكية المتأخرين لهذا الاعتقاد في المجمل، فإن هذه الشواهد والنصوص والمراجع تعدُّ خير دليل على صدق وفاة عيسى عليه السلام التي أكّدها سيدنا المسيح الموعود عليه السلام باعتبارها عقيدة أصيلة في الإسلام حيث سلّط الضوء على هذا المبحث بأسلوب مفصّل في معرض بيانه وفاة المسيح ابن مريم بناءَ على القرآن الكريم والحديث والآثار..

بعض أقوال حضرة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في ضوء كتبه في الإحالة لعقيدة مالك ابن أنس:

يقول حضرته عليه السلام :

" فإن العالم الكبير في الحديث والقرآن والإمام مالك وهو التقيّ أيضا قد قال بأنّ عيسى قد توفي وكذلك الإمام ابن حزم الذي جلالة شأنه غنية عن البيان كان يؤمن بأن المسيح قد مات"   (كتاب البراءة ص 325 )

ويقول أيضا : " ولأجل ذلك ذهب الأئمة الأتقياء إلى موت عيسى، وقالوا إنه مات ولحق الموتى كما هو مذهب مالك وابن حزم والإمام البخاري وغير ذلك من المحدثين وعليه اتفق جمع أكابر المعتزلين.."  ( مكتوب أحمد ص39 )

وفي موضع آخر يقول حضرته :

"وقال مالك: مات ، إذن فالإمام مالك يقول بموت المسيح وهذا هو مذهب ابن حزم أيضا، فالمالكيون وأيضا ابن حزم والمعتزلة معنا في هذه القضية.." 

(الملفوظات ج1 ص 433 )

وكذلك قوله:

"ثم إذا كانت وفاة عيسى ثابتة قطعا من آيات القرآن الكريم وجاء في صحيح البخاري في تفسير هذه الآيات بأنها تعني الإماتة، ويعتقد كبار الأئمة مثل الإمام مالك وابن حزم هذه العقيدة، فلماذا ينشأ الافتراق والتناقض في عقائد الإسلام بغير حق؟ إن معارضينا لا يردّون على ذلك بشيء إلا الخداع والخيانة.." (أيام الصلح ص123 )

وفي إبطال مزاعم الإجماع على حياة عيسى ذكر عليه السلام مالكا كإمام عظيم متّبع فيقول:

" ولإبطال الإجماع يكفي انسحاب شخص واحد فقط ناهيك عن إمام عظيم كالإمام مالك رضي الله عنه الذي يُقدّر عدد أتباع قوله بعشرات الملايين فهو يقول بوفاة عيسى صراحة ومع ذلك يقول هؤلاء بأنه قد تمّ الإجماع على حياته، الخجل الخجل الخجل..! "(إتمام الحجة ص78)

كلمة أخيرة لابد منها...

أتوجّه إلى الإخوة المالكية الكرام أينما وُجدوا، داعياً إياهم إلى إبراز عقيدة الإمام مالك في  موت المسيح ابن مريم عليه السلام وعدم حياته، حتى يُعرف مذهبه على وجهه الصحيح بعد أن أوضحناه بجلاء في هذه المقالة، ففكّروا أينا أقرب إلى نهج إمام دار الهجرة وأيُّنا انتصر له وأيُّنا خالفه وناكفه؟!

فالحق بعد ثبوته أحقُّ أن تتبعوه، ورحم الله مالكياً استمع مقالتنا فوعاها فاتّبع أحسنها وانتقل إلى غيرها من المسائل الخلافية مع عقيدة الأحمدية بعد أن تبيّنت له عقيدة إمام مذهبه في وفاة المسيح. أدعوه أيضا التأمل فيما جاء به سيدنا الإمام المهدي والمسيح الموعود ميرزا غلام أحمد القادياني عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام ففيه انتصار لإمام مذهبكم وشرف له ، وأنّ كل ما قيل لكم أنه مدعاة كفرنا وضلالنا فتغرير وبهتان لا يثبت، إذ نحن مستعدون لإثبات عقائدنا متفرقة في أصول وكتابات فضلاء مذهبكم ومذهب أهل السنة من السلف والخلف كمفهوم خاتم النبيين، والنبوة الظلية، واستمرار الوحي غير التشريعي وغيرها..!.

 فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم والله الهادي إلى سبيل الرشاد، وصلى اللّهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وهذه أبيات في سياق هذه الدعوة للتأمل:

نظرنا في المذاهب فما رأينا ...كمذهب مالكٍ للناظرينا
ومذهبُه اتبّاعٌ لا ابتداعٌ ...   كما اتّبع الكريمُ الأكرمينا

وعندي كلُّ مجتهد مصيبٌ ... ولكن مالكاً في السّابقينا

وقد دلّ الدليلُ على صوابٍ ... يقولُ به لدى المتحققينا

 

مراجع هامشية:

المستخرجة لجامع العتبية

رسائل ابن حزم

التحرير والتنوير لابن عاشور

التمهيد لابن عبد البرّ

د. أمينة مزيغة في ترجمتها للعتبي صاحب المستخرجة المنشور في الموقع الرسمي للرابطة المحمدية لعلماء المملكة المغربية.

كتاب البراءة

كتاب مكتوب أحمد

أيام الصلح

الملفوظات ج1                  

إتمام الحجة

بقلم :جمال أغزول

باحث في الفكر الإسلامي والأديان المقارن

المملكة المغربية   

حرر بتاريخ: 2025-8-2

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       

  


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

خطب الجمعة الأخيرة