loader
 

الهجرة: بحث عن الأمن والسلام في سبيل إرساء الأمن والسلام



لم تكن الهجرة النبوية بهدف إنشاء دولة، ولا جزءا من مخطط للانتقام من المكيين الذين ساموا المسلمين سوء العذاب وقتَّلوهم واضطهدوهم، بالترصد لهم ومهاجمة قوافلهم. ولكن سلوك المشركين وعدوانهم أديا إلى هذا. فلو لم يواجه المشركون النبي صلى الله عليه وسلم بالقوة لما دافع عن نفسه بالقوة، ولبقي مواطنا في مكة، ما دام هو وأصحابه يمارسون دينهم بحرية.

كانت الهجرة ببساطة هجرة بحثا عن الأمن والسلام؛ أشبه بلجوء سياسي أو ديني، ليمارس النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون دينهم بحرية.
كانت خوفا من أن يظلم المسلمون أنفسهم كونهم مستضعفين، فيتورطوا في السيئات ويتخلوا عن إيمانهم، ببقائهم تحت الاضطهاد، فيبوءوا بجهنم وسوء المصير، كما يقول تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } (النساء 98)

وبوصول النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين من قبله، وبإسلام غالبية أهل المدينة، نشأ مجتمع يحتاج إدارة وقيادة وتنظيما، فخرج إلى الدنيا أول دستور مدني يساوي بين المواطنين باختلاف أديانهم وخلفياتهم، ويعطي لكل ذلك حقه، وهو ميثاق المدينة، الذي عدَّ الجميع من مسلمين وغيرهم "أمة واحدة من دون الناس"، أي كيانا سياسيا وواحدا. ونظَّم العلاقة مع اليهود والمشركين في المدينة، وأعطى لليهود حقهم في الحفاظ على كياناتهم القبلية وعلى قوانينهم الخاصة وشريعتهم، بشرط أن يشاركوا في شؤون الدفاع، وألا يشن أي فريق في المدينة الحرب على أحد منفردا. وهكذا تجسد سلام الإسلام في وضع دستور يحفظ الأمن والسلام، ويتيح الحرية وبخاصة الحرية الدينية للجميع.

ولكن الظالمين لاحقوهم، وهددوا أهل المدينة بسبب أنهم آووا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومنعوهم من زيارة البيت الحرام، وراسلوا عبد الله بن أبي بن سلول. ثم كانوا يرسلون سراياهم للقيام بعمليات إرهابية، من قبل ومن بعد، بالهجوم على أطراف المدينة كهجوم كرز الفهري على مواشي المسلمين والتي سميت بدرا الأولى، ثم محاولة قتل من يجدونهم من المسلمين وحرق النخيل كما في "غزوة السويق" بعد بدر الكبرى. وما حدثت بدر الكبرى إلا لأنهم كانوا يختالون بأن يمروا من أطراف المدينة ومن حولها، ليستفزوا المسلمين، وليهاجموا عندما تتاح لهم الفرصة. فأذن الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالقتال – بعد أن كان محظورا عليهم لأنهم مواطنون في كيان آخر وهو مكة، ولا يحق للمواطن أن يرفع السلاح في وجه الكيان الذي يعيش فيه، بل يمكن أن يهاجر فقط وفق تعاليم الإسلام. فالثورة والتمرد على الدول والحكومات والكيانات محرم حتى لو كان ذلك بسبب الاضطهاد الديني- لأنهم ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق، وهذا لكي يضمنوا لهم ولغيرهم الحرية الدينية والحفاظ على الصوامع والبيع والكُنُس قبل أن يضمنوها لأنفسهم ولمساجدهم:

{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج 40-41)

 وكانت قوافلهم مسلحة أيضا، لأنها كانت تحمل ثروة قريش كلها. فلما بلغ الأمر حده، وكانت هناك قافلة وجيش يحومون قريبا من المدينة، أخرج الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم من بيته وأمره بالتحرك، فخرج في سرية من ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، لكي يعلم المشركون أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يهابونهم، ثم بعد خروجه أخبر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم سيشتبكون مع المشركين، سواء القافلة أو الجيش، وسينتصرون، فودَّ المسلمون أن يكون الاشتباك مع القافلة، ولكن الله تعالى جعله مع الجيش، ليحقق آية نصر للمسلمين على المشركين المتغطرسين المجرمين:

{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } (الأَنْفال 6-9)

وهكذا فإن القرآن الكريم يشهد أن النبي لم يخرج لقطع الطريق واغتصاب القافلة -كما فُسِّر الأمر خطأ- ولم يخرج الجيش المكي بعد أن علم بهذا، بل واضح أن الجيش والقافلة كانا خارجين يتربصان بالمسلمين.

وبقي المشركون يحاولون اجتثاث المسلمين والقضاء عليهم، وكانت لهم جولة في أُحُد، تعلَّم خلالها المسلمون درس الطاعة، وأدركوا أنهم ينتصرون بقوة الله وفضله، لا بما لديهم من قوة ولا بشجاعتهم، ثم اجتمع المشركون في غزوة الأحزاب يريدون القضاء على المسلمين وإبادتهم، وشهدت الغزوة خيانة بني قريظة، فأنزل الله نصره، وعوقب أئمة الخونة الذين أتاحوا للمشركين أن يتسللوا من خلال حيهم ليهاجموا المسلمين ويدخلوا المدينة من حيث كان يجب أن يدافعوا هم عنها. ورفض بنو قريظة حكم النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يتمكن من عدو إلا عفا عنه، وارتضوا بحكم سعد بن معاذ الذي حاكمهم وفق توراتهم، وقضى بقتل قادتهم ومقاتليهم، فأتاح النبي صلى الله عليه وسلم العفو لمن أراد أن يستعفي منهم، بل قبل شفاعة كل من أراد أن يشفع لأي منهم، ولكن فئة صغيرة رفضت طلب العفو من النبي صلى الله عليه وسلم كبرا وغطرسة، فنالوا عقابهم.

ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم يريد العمرة، لأنه ليس من حق قريش أن تمنع أحدا منها، فكان صلح الحديبية، الذي عدَّه الله تعالى فتحا مبينا، وهذا لأن الإسلام ينتشر في وقت الصلح والسلام، لا في وقت الحرب وانعدام الأمن، فبدأت الوفود تفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتسلم، حتى انتشر الإسلام في جميع أنحاء الجزيرة العربية. ولكن قريشا تمسكت بحقدها وخيانتها، وأغرت بني بكر الذين كانوا في حلفها للهجوم على بني خزاعة الذين كانوا في حلف النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا فقد نقضوا العهد. فكان فتح مكة بالسلم دون قتال، بعد أن رأى المشركون أن المسلمين قد تعاظمت قوتهم وقويت شوكتهم زمن السلام، وكان هذا آية عظيمة على أن الله تعالى مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن آلهتهم لا تضر ولا تنفع، فأسلموا هم أيضا، ثم نالوا العفو من النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يكونوا يشكون أنهم سينالونه منه:

 {يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟  قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ:  اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ} (سيرة ابن هشام)

ثم عندما أصبحوا قوة لا يستهان بها، كانت غزوة حنين، التي أعجبوا فيها بكثرتهم، وقالوا إننا لن نغلب من قلة، فشتت الله جيش المسلمين الضخم، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه بضعة عشرات من الصحابة، وانتصروا أخيرا، وهذا ليتعلموا درسا هو أن الله تعالى هو الذي كان ينصرهم وهو متعهد بنصرهم فيما لو قوتلوا لأجل الدين، بشرط الطاعة الكاملة والالتزام، وأن قوتهم لن تفيدهم فيما لو نسوا هذه الحقيقة أو تجاهلوها.
ثم عندما فكر طغاة العالم من الفرس والروم بأن عليهم القضاء على هذه الدولة الناشئة -التي تسبب في قيامها وتقويتها الظلم والعدوان من المشركين بادئ الأمر- حطَّم الله هذه الإمبراطوريات وجعلها ميراثا للمسلمين. ثم عندما استقر القرار للمسلمين وبدأ الإسلام ينتشر بين الناس، قامت دول وإمبراطوريات لهم ثم فنت ثم قامت غيرها، ولكن الإسلام بقي في صعود، وعندما كان المسلمون يضعفون، وكان أعداء الإسلام كالصليبيين يهاجمون، أدى هذا إلى فنائهم في النهاية وانتشار الإسلام بين العرب المسيحيين بسبب ما رأوا ممن ظنوهم إخوانهم في الدين.
وصحيح أن الإسلام لا يستهدف إنشاء دولة، ولو سارت الأمور بسلام لما نشأت للمسلمين دولة المدينة أولا، ولكن كان من قدر الله تعالى أيضا أن يقدِّم النبي صلى الله عليه وسلم نموذج الحاكم الصالح هو والخلفاء الراشدون من بعده، كما قدَّم نموذج المواطن المضطهد الصالح عندما كان في مكة، وهذا ليكتمل تطبيق شريعة الإسلام، ليجد الناس نماذج عملية. 

وعلى كل حال، فلو لم يعارض المشركون النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا مستحيل وفق سنة الأنبياء- لدبَّر الله تعالى له أن يحكمهم بإرادتهم. لا لأنه يريد ذلك، ولكن لأن الله تعالى يريد إظهار هذا النموذج ليكتمل الدين، وليستطيع المسلمون أن يتبعوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم سواء كانوا محكومين أو حاكمين. ولكن من الخطأ الظن أن الإسلام يطلب منهم أن يحكموا ليعيشوا الإسلام ويطبقوا شريعته، بل يقول إنكم لو وصلتم للحكم، فواجبكم العدل:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } (النساء 59)

وهكذا فكلما كان هناك سلام، انتشر الإسلام، وكلما انتصر المسلمون على معتدين أقاموا العدل والأمن والسلام، ونهوا عن قتال الآخرين بسبب أنهم كفار ما داموا يلقون إليهم السلام، ولم يتحركوا لأجل مكاسب أو أطماع دنيوية كما كانوا من قبل هم وغيرهم من الشعوب التي تقاتل لأجل الغزو والمغانم، بل حذرهم الله تعالى من هذا:

{أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } (النساء 95)

وهكذا فقد أثبت الله تعالى أنه غالب على أمره وإن كان أكثر الناس لا يعلمون، وأن هذا الدين الذي أقامه، سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وسيدخل كل بيت بعز عزيز أو بذل ذليل، وقد قيض الله له في زمن الضعف هذا الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام، الذي جاء في وقت ضعف المسلمين، لتظهر آية مكية جديدة، ينتصر فيها المسلمون رغم الضعف، وينتصرون في بدر من القرون (ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر قرنا هجريا) عندما يكونون أذلة، كما نصرهم من قبل:

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (آل عمران 124)

ثم ليقيم الله تعالى من بعده الخلافة الراشدة ثانية، ويحقق وعده كما حققه أول مرة:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} (النور 56)

إلى أن يشهد العالم بصدق الإسلام، ولا يملك الكذابون والمزورون اتهامه بأنه قد انتشر بالقوة، أو أنه مشروع سياسي لإقامة دول وإمبراطوريات، أو أنه يستهدف القضاء على الكافرين ومعاقبتهم على كفرهم. والمؤسف أن بعض المجرمين يشاطرونهم هذا الرأي ويتبعهم الجهلة من المسلمين فيه، مما جلب السمعة السيئة للإسلام. ولكن هذا كله سيزول، وسيبقى وجه الإسلام ناصعا ساطعا نقيا، وتتبدد غيوم الكذب والتزوير، ويشهد الإسلام عصرا ذهبيا جديدا قريبا، بإذنه تعالى. 


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

خطب الجمعة الأخيرة