loader
 

السؤال: سؤالي هو اذا كان الادعاء بان الاسلام هو دين الله وكامل بكل شرائعه واحكامه لماذا لم يحرم الرق في الاسلام؟ حسب الشرع المسلم يستطيع شراء وبيع العبيد والجواري في يومنا هذا اذا سمح والي البلد كما هو الحال في موريتانيا. هل هذا يعني ان الله موافق على التعامل بالرق الى يوم الدين؟

لم يبح الإسلام بيع الرقيق مطلقا، ولكن المسلمين كانوا يشترون الرقيق الذين كانوا منتشرين في العالم نتيجة لممارسات الدول والشعوب والإمبراطوريات الموجودة في ذلك الوقت، وعلى رأسها الإمبراطورية البيزنطية المسيحية، لغرض تحريرهم الفوري أو من خلال نظام المكاتبة الذي هو نظام تأهيل ينتهي بتحررهم ليكونوا في النهاية قادرين على كسب عيشهم وعلى الاندماج في المجتمع. أي أن العبد الذي يدخل المجتمع المسلم يكون قد خطا نحو الحرية؛ إما فورا أو بعد فترة من الوقت، ومنذ اليوم الأول فقد أصبح مصان الكرامة وله كل الحقوق الإنسانية، وينبغي على سيده أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس وأن يكلفه بما يطيق من العمل ولو ضربه فيتحرر تلقائيا بحكم القضاء الإسلامي.

والاسترقاق محرم في الإسلام من أول يوم، ويكفي أن نتذكر أن الفقه الإسلامي الذي تفرع وفصّل في كثير من المسائل الواقعية والافتراضية لا يوجد فيه أدنى أثر لعملية تحويل حر إلى عبد، بل وقد قيد الإسلام أخذ الأسرى من العدو (الذين يعتبرهم الإسلام لأول مرة في تاريخ البشرية أسرى وليسوا عبيدا) إلا عند نشوب معركة طاحنة، حيث يقول تعالى:

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (الأَنْفال 68-69)

وعند انتهاء المعركة يقرر الإسلام أن مصير هؤلاء الأسرى محصور في أمرين هما إما الإطلاق منّا دون مقابل أو مقابل فدية، ولا يجوز استرقاقهم أو بيعهم، حيث يقول تعالى:

{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد 5)

وفي النهاية فإن الشريعة الإسلامية الكاملة تعاملت مع هذا الوضع الشاذ الذي لم يكن الإسلام مسئولا عنه بصورة عظيمة مبهرة. وقد قضى الإسلام على الفوارق بين البشر وأرسى مبدأ الأخوّة الإنسانية الحقيقية، وأتاح للعبيد أن يترقوا لأعلى المراتب في المجتمع الإسلامي، وكان من كبار الصحابة من كانوا سابقا من العبيد كبلال وصهيب وسالم وغير ذلك الكثير، كما كان منهم الكثير من كبار التابعين وكبار العلماء بعد ذلك. وفي مصر مثلا أصبح المماليك هم الملوك وأصبح الانتماء إلى سلالتهم مثار فخار وشرف وعزة.

وفي المقابل نرى الشعوب المسيحية قد ارتكبت في القرن الخامس عشر إلى أوائل القرن العشرين أكبر كارثة استعباد في تاريخ البشرية في العالم الجديد. وحتى بعد تحرير العبيد فلم يكن هناك برامج لتأهيلهم أو الاعتناء بهم فأصبحوا عرضه للفقر والمرض والجريمة. ولأن عملية التحرير كانت قرارا سياسيا محضا ولم تكن تتضمن تعليما وتكريسا لمبادئ العدالة والمساواة بين البشر فلم تزل من المجتمعات المسيحية الفوارق ولم يعرفوا الأخوّة الإنسانية، واستمرت معاملتهم إلى فترة طويلة بعنصرية وبكثير من التمييز؛ فلم يحصل العبيد في أمريكا على حقوقهم إلا قبل أربعين عاما تقريبا مع بقاء روح العنصرية البغضية تبرز بين حين وآخر مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمسيحية وتستخدم رموزها من الصليب والصليب المعكوف وغير ذلك.
أما في الإسلام فإن العنصرية تتناقض تماما مع تعاليم الإسلام ولايمكن أن يكون المسلم مسلما حقيقيا أو يستخدم شعارات الإسلام إذا كان عنصريا، ولم يتواجد في تاريخ الإسلام كله حركات كهذه تستند إلى الدين.
تميم أبو دقة


 

خطب الجمعة الأخيرة