loader
 

«لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» بَيْنَ النُّبُوءَةِ وَخُصُوصِ السَّبَبِ وَذَمِيمِ الْإِطْلَاقِ

 

لَطَالَمَا ابْتُلِيَتِ الْأُمَّةُ بِأَقْوَامٍ يُسِيئُونَ فَهْمَ السُّنَّةِ، فَيَجْعَلُونَ مِنَ الْخَبَرِ الْخَاصِّ حُكْمًا عَامًّا، وَمِنَ النُّبُوءَةِ الظَّرْفِيَّةِ تَشْرِيعًا مُؤَبَّدًا. وَمَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْمُقَرَّرَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ السُّنَّةَ بَيَانٌ لِمَا أَجْمَلَهُ الْقُرْآنُ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، لَا أَنَّهَا تَسْتَقِلُّ عَنْهُ نَسْخًا أَوِ اسْتِدْرَاكًا، فَإِنَّ هِمَّةَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْحَدِيثِ لَوِ انْصَرَفَتْ إِلَى فِقْهِ الْمُنَاسَبَةِ وَظَرْفِيَّةِ الْوُرُودِ التَّارِيخِيِّ، لَفَقِهُوا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الرِّوَايَاتِ لَا تُؤَصِّلُ حُكْمًا بِقَدْرِ مَا تُخْبِرُ عَنْ حَالَةٍ.

وَمِنْ أَظْهَرِ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ، مَا شَاعَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى مَنْعِ تَوْلِيَةِ الْمَرْأَةِ الْحُكْمَ وَالسِّيَاسَةَ الْعَامَّةَ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ.

 

١- نَصُّ الْحَدِيثِ بَيْنَ الْمُنَاسَبَةِ وَالْإِطْلَاقِ:

 

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَّامَ الْجَمَلِ، بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»1.

وَمَدَارُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى الصَّحَابِيِّ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ2. حيثُ يَرْوِي ما سَمِعَهُ مِنَ النَبي صلى الله عليه وسلم في مُنَاسَبَةَ بُلُوغُ خَبَر تَوْلِيَةَ الْفُرْسِ لِبِنْتِ كِسْرَى "بُورَانُ" بِنْتُ شِيرَوَيْهِ بْنِ خُسْرُو بَرْوِيزَ، الَّتِي مَلَكَتْ سَنَةَ 630م / 9هـ. وبين إِدْراكِهِ مُناسَبةِ فِتْنَةِ يَوْمِ الجَمَلِ التِّي اعْتَزلَها لمّا كَانَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحابة تَحْتَ إِمْرَةِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَنتَصِرُون لاجْتهِادها في الخُروجِ للمُطالبةِ بِدَمِ سيدنا عُثمان رضي الله عنه والإخْفاقُ الذي نَجَمَ عَنْهُ خُرُوجُها في تَحْقيقِ القَصاصِ. وَمعلومٌ أنّ هَذَا الرَّبْط بين المُناسَبتَيْنِ هُوَ اجْتِهَادٌ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ فِي تَنْزِيلِ الْخَبَر ِوقِياسَهُ على السّيدة عَائِشة لَا يَنْهَضُ بِهِ حُكْمٌ مُؤَبَّدٌ في تَحْريمِ تَولِيَةِ المَرأة القِيادَةَ السّياسية والمُجتمعيّة، كَما لَا يُوهِنُ اجْتِهَادَ وَرأي أُمّ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي تَأَوَّلَتِ تِلكَ الأحْداث لأخْذِ زِمَامَ المُبادرة في قِيادِتِها الإصْلاحِيّة في النّهي عَنْ مُنكِر جَريمَةِ قَتْلِ خَليفَةَ رَسُول الله والقَصَاصِ مِنَ المُجْرِمين، حَيْثُ كاَنَ رَأْيُها أَنْسَبَ مِنْ حَيْثُ اتِّباعِ الشّريعَةِ بَينْما كَانَ رَأْيُ سَيّدنا عليٍّ أَنْسَبَ في الحّيْطَة والحَذَر ومُراعاة الحِكْمةَ نَظَراً للظّروفِ السّائدَة3

٢-فِقْهُ الْحَدِيثِ فِي ضَوْءِ التَّارِيخِ:

    هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ تَشْرِيعًا عَامًّا يَمْنَعُ الْمَرْأَةَ مِنَ الْحُكْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بَلْ هُوَ خَبَرٌ عَنْ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ، وَهُمْ قَوْمُ كِسْرَى.

وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الأوّل: في سِيَاقُ الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ بِتَمْزِيقِ مُلْكِ كِسْرَى:

 لَمَّا مَزَّقَ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ، دَعَا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ». فَقَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يُمَزَّقَ مُلْكُهُم كُلَّ مُمَزَّقٍ.4

 

ثانيا: ظَرْفِيَّةُ مُلْكِ فَارِسَ الدَّاخِلِيَّةُ:

كَانَتْ مَمْلَكَةُ فَارِسَ يَوْمَئِذٍ فِي اضْطِرَابٍ شَدِيدٍ وَحُرُوبٍ دَاخِلِيَّةٍ، كَمَا يُفَصِّلُهُ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَابْنُ كَثِيرٍ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ4. فَقَدْ قُتِلَ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ، ثُمَّ قُتِلَ ابْنُهُ شِيرَوَيْهِ قُبَاذُ الثَّانِي، ثُمَّ تَوَالَى الْقَتْلُ فِي بَيْتِ الْمُلْكِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ رَجُلٌ يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ، فَاضْطُرُّوا لِتَوْلِيَةِ بُورَانَ. فَكَانَتْ تَوْلِيَتُهَا عَلَامَةً عَلَى زَوَالِ مُلْكِهِمْ وَتَفَكُّكِ دَوْلَتِهِمْ، لَا سَبَبًا لِزَوَالِهِمْ بِذَاتِهَا.فَتَحَقَّقَتْ نُبُوءَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَأْنِهِمْ، وَزَالَ مُلْكُهُمْ.

 

٣-مَوْقِفُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنْ تَوْلِيَةِ الْمَرْأَةِ:

 

لَوْ عُدْنَا إِلَى الْقُرْآنِ لَثَبَتَ إِمْكَانُ أَنْ تُؤْتَى الْمَرْأَةُ حُكْمًا رَشِيدًا. فَقَدْ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا تَدْبِيرَ مَلِكَةِ سَبَأٍ، بِلْقِيسَ، فَقَالَ عَلَى لِسَانِهَا: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ 5،فَأَثْنَى الْقُرْآنُ عَلَى شُورِيَّتِهَا وَحُسْنِ تَدْبِيرِهَا السياسي، وَجَعَلَهَا نَمُوذَجًا لِلْقِيَادَةِ الشُّورِيَّةِ الرَّشِيدَةِ التّي قَادَتْ قَومَها إِلى السّلام بَدَلَ الحَربِ وإلى الهِداية والتَوحِيد بَعْدَ شِرْكٍ وعِبَادَة شّمس. وَلَوْ كَانَ حُكْمُ الْمَرْأَةِ بَاطِلًا فِي ذَاتِهِ لَمَا أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهَا وَأَخْبَرَ بِهِ، بَلْ لَنَبَّهَ عَلَى بُطْلَانِهِ. وَالْقِصَّةُ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ الْعِبْرَةِ التَّارِيخِيَّةِ، بَلْ لِبَيَانِ نَمُوذَجِ الْقِيَادَةِ الرَّشِيدَةِ الحَكيمة، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً.

 

٤- كَيْفَ نَفْهَمُ الْحَدِيثَ إِذَنْ؟

نَفْهَمُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

الأوّلُ أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ قَوْمِ فَارِسَ وَتَحْقِيقٌ لِسِيَاقِ نُبُوءَةٍ بِتَمَزُّقِ مُلْكِهِمْ، وَلَيْسَ تَشْرِيعًا يَمْنَعُ تَوْلِيَةَ الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا. وَالْعِبْرَةُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ إِذَا قَامَتْ قَرَائِنُ النُّبُوءَةِ.

ثَانِيًا: أَنَّ الْفَلَاحَ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْبَقَاءُ وَالِاسْتِمْرَارُ كَدَوْلَةٍ عُظْمَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَقَدْ زَالَ مُلْكُ فَارِسَ فِعْلًا وَتَحَقَّقَتِ النُّبُوءَةُ، فَانْتَهَى الْخَبَرُ بِانْتِهَاءِ مُتَعَلَّقِهِ.

ثَالِثًا:  أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَمْنَعُ الْمَرْأَةَ الْكُفْأَةَ مِنْ تَوَلِّي الْمَنَاصِبِ وَالْخِدْمَاتِ الْعَامَّةِ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ كَفَاءَةٍ وَرُشْدٍ، كَمَا هُوَ ثَابِتٌ مِنْ سِيرَةِ بِلْقِيسَ، وَكَمَا يَشْهَدُ التَّارِيخُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِفَلَاحِ أَقْوَامٍ وَلَّوا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً.

فَالتَّارِيخُ يَشْهَدُ بِـ "زَنُوبِيَا" مَلِكَةِ تَدْمُرَ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي حَكَمَتِ الشَّامَ وَسَاسَتْها بِالْحِكْمَةِ والشّجاعة، وَبِمَلِكَةِ الْإِنْجِلِيزِ "فِيكْتُورْيَا" الَّتِي لَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ عَنْ إِمْبَرَاطُورِيَّتِهَا فِي أَزْهَى عُصُورِ بَرِيطَانْيَا، وَبِـ "تَاتْشَرَ" الْمُلَقَّبَةِ بِالْمَرْأَةِ الْحَدِيدِيَّةِ الَّتِي أَنْقَذَتِ اقْتِصَادَ بَرِيطَانْيَا، وَبِـ "مِيرْكِلَ" الَّتِي قَادَتْ أَلْمَانْيَا وَأُورُوبَّا لِسِتَّةَ عَشَرَ عَامًا بِاقْتِدَارٍ.

فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِ الْخَبَرِ الْخَاصِّ عَنْ نَازِلَةِ فَارِسَ حِينَ تَمَزَّقَ مُلْكُ كِسْرَى بَعْدَ تَمْزِيقِهِ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ، حُكْمًا عَامًّا مُؤَبَّدًا يَمْنَعُ نِصْفَ الْأُمَّةِ مِنْ خِدْمَةِ مُجْتَمَعِهَا مع ثُبوتِ قَرائِن وشَواهِد دَور المَرأة ونَجاحَاتِها.

وَأمّا تَعْمِيمُ أَبِي بَكْرَةَ لِحَدِيثِ رَسُولِ الله r والرّبط بَيْنَهُ وبَيْنَ نَازِلَةِ حَادِثَةِ الْجَمَلِ فاجْتِهَادٌ مِنْهُ ولَا يَنْهَضُ حُكْمًا مُؤَبَّدًا.

وأخيراً أقول إنّ مَعْرِفَةَ مُناسَبة الحَديثِ من المَقاماَت المُعتبرة قطعاً6، والجَهْلُ بَمقامِ الكَلامِ يُوقِعُ في الغَلَط كالذّي يقع فيه دعاة تَحريم وِلايَةَ المَرأَةَ مَناصِبَ الريّاسَة والوَزارَة تأصيلاً من الحديث، كما أنّ معَِرفَة سِياقَ سَبَبَ وُرُودِهِ تُعينُ على إدْراكِ المقصود، ثم عَرضُ الرّواية على القُرآن الكَريم كمَنْهج ٌأصيلٌ للفَهْم ِوإزَالَةِ التّعارُضِ والوَهْمِ كما أَرْشَد إليه سيدنا المسيحُ المَوعود عليه الصّلاة والسّلام7، ولذلك نَفْهَمُ في قِراءَةِ الأحمديّة حديث " لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" سبَب وُرُودِه ِومُناسَبتَهُ الذي يُخَصّصّه بذلك القَوم ِوفي ذلك الظّرف في سِياقِ تحقق النّبوءَة عن مُلك قوم فارس وقتئذِ، ولا يُعمّم على كُلّ امرأةٍ في كُلّ العُصُور إلى يَوم ِالقِيامَة.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

جَمَال أَغْزُول

حُرِّرَ بِتَارِيخِ: 30 شُتَنْبَرَ 2026

 

مراجع:

·       1- صحيح البخاري، كتاب الفتن والمغازي

·       2- فتح الباري لابن حجر العسقلاني ج14.

·       3- بداية الخلافات في الإسلام للإمام بشير الدين محمود أحمدt.

·       4- البخاري، كتاب المغازي ح: 4424

·       5- القرآن الكريم، سورة النمل:33

·       6- اللُّمَعُ في معرفة أسباب وُرود الحديث، للسيوطي.

·       7- سفينة نوح، المسيح الموعودu

       

 


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

خطب الجمعة الأخيرة