loader
 

السؤال: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته لقد سمعت تفسيرا للسيد هاني طاهر يخص الاية 20 من سورة النمل الخاصة بقصة الهد هد و قال عليه انه رجل و ليس طير و يذكر الله تعالى في الايه بسم الله الرحمن الرحيم / و تفقد الطير / هنا بيت القصيد الطير و ارجوا التوضيح شكرا

جاء في التفسير الكبير:
التفسير: أمر سليمان عليه السلام قادته وجنوده بالمثول أمامه، فلما تفقّدَهم وجد أحد قادة كتيبة العلماء غائبًا وكان اسمه "الهُدهُد". فثار سليمان غضبًا لغياب قائده في ذلك الوقت الحرج الذي كان يتأهب فيه لمحاربة بلد آخر. فظن أن هناك مؤامرة تحاك ضده، فقال: ما لي لا أرى الهدهد أم أنه قد غاب وهرب؟ فإني سأعاقبه عقابًا شديدًا أو سأقتله إلا إذا أتاني بعذر واضح يبرر غيابه.
يظن المفسرون أنه كانت في جيش سليمان عليه السلام كتائب طيور حقيقية، وكان الهدهد - هذا الطير الذي يصيده الأطفال بالنبلة - أحد القادة. وبهذا الجيش القوي خرج سليمان لفتح بلاد اليمن (معالم التنـزيل، والطبري)
فأولاً: كل إنسان عاقل يدرك أن ما يقوله المفسرون لا يدل على كون الهدهد قائدًا، بل يؤكد غباء سليمان - والعياذ بالله - مع أن أنبياء الله تعالى لا يكونون أغبياء. فمن المستحيل أن يخرج إنسان عاقل لفتح بلاد اليمن بجيش من الحمائم والزغاليل والعصافير والهداهد والسمان والحجل. والحق أن التغلب على مثل هذا الجيش لا يتطلب جيشًا بل عند وصول خبره إلى البلدة سيخرج الأطفال بالنبال إلى الشوارع، ويجعلون اليوم يوم عيد لأهلها كلهم إذ يهيئون لهم شواءً لذيذًا من لحوم الطيور. أفستكون هذه حربًا أم مسابقةً لصيد العصافير والطيور؟ بقراءة هذه القصص الخرافية التي ذكرها المفسرون في تفاسيرهم يضطر المرء لتصديق ما قاله تيمورلنك بأن فرقة العلماء ينبغي وضعها في مؤخرة الجيش، إذ يستهينون بالحرب بهذا الشكل المخزي.
والأغرب من ذلك أن سليمان عليه السلام - الذي قالوا عنه أنه لم يرضَ أن يدوس نملة واحدة تحت قدمه عمدًا - يمتلئ غيظًا ليهدّد الهدهد الذي لا عقل له وحجمُه بحجم العصفور: (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ). فمن المحال أن يتوقع نبي من الطيور ما يتوقعه المرء من أذكياء الناس. إن القرآن الكريم بين أيدينا، فمتى ورد فيه أن الطيور تبلغ من الذكاء والعقل بحيث إن بعضها إذا ارتكب خطأً فعلى المرء أن يستلّ سيفه ويقول له: سأضرب عنقك أو لتأتيني بعذر مقبول؟ أو هل رأيتَ أحدًا من جيرانك قابضًا على الهدهد وهو يضربه بالعصا ويقول له: لماذا أكلتَ غلالي؟ وإذا رأيت شخصًا كهذا أتعدّه من العقلاء أم من المجانين؟ فثبت أن المفسرين الذين قالوا أن سليمان قال هذا الكلام لطير الهدهد إنما نسبوا الغباء إلى سليمان عليه السلام، إذ يقول هنا صراحة (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، وهذا يعني أن طير الهدهد هذا كان يعرف الأدلة والبراهين مثل سقراط وأبيقراط وأفلاطون، ولذلك توقع منه سليمان أن يقدم أدلته على براءته.
ثانيًا: يخبرنا القرآن الكريم أن سليمان كان يملك جنود الجن والإنس والطيور، ولكن الغريب أنه لا يفكر إلا في الهدهد من بين كل الجيش، فيقول: ما لي لا أرى الهدهد؟ إن الدول في الدنيا لا تقبل عند التعبئة أي إنسان قامته أقل من خمسة أقدام، ولكن سليمان عليه السلام يقوم بتعبئة عجيبة حيث يقبل طير الهدهد في جيوشه! والأغرب من ذلك أنه لم تكن في جيشه أي كتيبة خاصة بالهداهد بل فيه هدهد واحد فقط! فما الحكمة من اصطحابه؟ وما هو العمل الذي سينجزه؟
وثالثًا: يعلن القرآن الكريم أن الهدهد قال كذا وكذا، مع أنه يتحدث هنا عن معرفة سليمان منطق الطير، فكان المفروض أن تُذكر هنا معجزة سليمان عليه السلام، ولكنهم يذكرون هنا معجزة الهدهد التي هي في الحقيقة أكبر من معجزته عليه السلام.
ورابعًا: أن الهدهد ليس من الطيور السريعة الطيران حتى يقال أنه طار كل تلك المسافة الطويلة، بل الحق أنه عادةً يموت في المنطقة التي يولد فيها. بينما يتضح من القرآن أن الهدهد طار من الشام إلى مُلك "سبأ" لأكثر من ثمانمئة ميل دون انقطاع، ثم عاد إلى سليمان بخبرهم. وهذا يعني أنه كان أسرع من الطائرات، وأن المعجزة هي للهدهد لا لسليمان، مع أن المفسرين يريدون هنا بيان معجزة سليمان عليه السلام.
خامسًا: وقد أرى الهدهد معجزة أخرى حيث كان يعلم من دقائق الشرك والتوحيد ما لا يعلمه اليوم المشايخ أيضًا. فانظر كيف يبين أسرار التوحيد العالي إذ يقول (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ).
ثم إن مشايخ اليوم يرون جيرانهم يأتون أعمالاً وثنية ولا ينهونهم، ولكن انظر إلى غيرة الهدهد الدينية حيث يطير في كل حدب وصوب ليخبر سليمان بما يأتيه الناس من أعمال الشرك وعبادة الأصنام.
سادسًا: ثم إن الهدهد خبير بالأمور السياسية أيضًا حيث يقول لسليمان عليه السلام: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ).. أي أن عند ملكة "سبأ" كل ما يحتاج إليه الملِك. وهذا يعني أن الهدهد قام بفحص خزائنها ومؤسساتها، فلذلك ذكر في تقريره أنها تملك كل ما هو ضروري للحكم.
سابعًا: ثم إن الهدهد يعلم جيدًا الشيطان ومكائده إذ يقول من كان الشيطان وليه نشأت في قلبه أفكار سيئة. بل الحق أن الهدهد يعلم النتائج الوخيمة للأفكار السيئة أيضًا حيث يقول: (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ).. أي أن الشيطان قد صدّهم وأبعدهم عن سبل قرب الله سبحانه وتعالى من جراء أفكارهم السيئة. إذًا، فإن الهدهد لم يكن مجرد طير بل كان عالمًا كبيرًا. يا ليتنا نجد هدهدًا واحدًا مثله لنطرد جميع المشايخ من وظائفهم ونعينه مفتيًا للبلاد.
ثامنًا: إن الهدهد كان يعلم جيدًا كيف يجب أن يكون عرش الملوك حيث يقول لسليمان عليه السلام: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ).. أي أن ملكة سبأ تملك عرشًا عظيمًا ولكنك لا تملك مثله. وكأنه يُغريه بذلك بالهجوم على الملكة.
إن هذه الأمور كلها تدل دلالة واضحة على أن هذا الهدهد لم يكن طيرًا، بل كان إنسانًا. ذلك لأن القرآن يعلن صراحة أن أمانة الشرع لم تحملها الملائكة ولا السماوات ولا الأرض، إنما حملها الإنسان وحده (الأحزاب:73)، وأنه وحده الذي يعلم أسرار شريعة الله تعالى. إن الملائكة تعلم جانبًا واحدًا من الأشياء وهو جانب الخير، أما الإنسان فيعلم الجانبين، جانب الخير والشر، وينظر إلى الأمور كلها. وما دام هذا الهدهد واقفًا على أسرار الشريعة فثبت أنه كان إنسانًا لا طيرًا، لقوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ) حيث بين تعالى صراحة أن لا أحد من الخلائق يحمل أسرار الشرع سوى الإنسان.
ومن الناس من يقول: إذا كان الهدهد إنسانًا لا طيرًا، فلماذا قال سليمان عليه السلام لأذبحنه؟
فاعلم أن الذبح في العربية يعني القتل والفتك أيضًا (تاج العروس). كما قال الله تعالى في القرآن الكريم عن فرعون: (يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ)(القصص:5).. أي أنه كان يقتل أبناء بني إسرائيل. فلو جاز للمفسرين اعتبار الهدهد طيرًا لورود لفظ الذبح في حقه، فلم لا يجوز اعتبار أبناء بني إسرائيل طيورًا لورود الذبح في حقهم أيضًا؟
ثم اعلم أنهم إذا أطلقوا اسم شيء على شيء لمشابهة بينهما وصفوا المشبَّه بكلمات تناسب المشبَّه به، وهو مما يفضي على الكلام جمالاً وبهاءً. فمثلاً إذا شبّهتَ إنسانًا بالأسد، فتقول إنه يزأر كالأسد، ولا تقول إنه يغنّي كالأسد. وبالمثل لما استعمل القرآن الكريم لفظ الهدهد لهذا الإنسان استعمل له كلمة الذبح أيضًا تزيينًا للكلام، وإن كان هذا قائد جيش.
وهناك سؤال آخر يثار هنا: لماذا سمى القرآن الكريم هذا الشخص هدهدًا؟
لقد سبق أن أجبتُ على هذا السؤال من قبل من الناحية العقلية، إلا أنني أبين المراد منه. عندما نتصفح كتب بني إسرائيل لمعرفة ماهية الهدهد ولنرى ما إذا كان فيهم إنسان بهذا الاسم، نكتشف أنه كان في اليهود في زمن سليمان عليه السلام أناس كثيرون اسمهم "هُدَد". والحق أن الاسم العبراني "هُدَد" تحوَّلَ إلى الهدهد في العربية شأنه شأن أبرهام الذي صار إبراهيم، ويسوع الذي صار عيسى، وموشي الذي صار موسى في العربية. ولا غرابة في ذلك مطلقًا، خذوا مثلاً مدينة "لكهنؤ" الهندية، فإن أحد العرب عندما ينطقها سينطقها: "لاكهناءو". وبالمثل إن القرآن الذي نـزل بالعربية عندما ذكر اسم "هُدَد" العبري جعله الهدهد.
والتاريخ يبين لنا أن "هُدَد" كان اسم العديد من الملوك الأدوميين، ومعناه: الجلبة الكبيرة. والهدُّ في اللغة العربية أيضًا يعني الصوت الغليظ (الأقرب). ويبدو أن بني إسرائيل كانوا يسمون الطفل الغليظ الصوت هُدَدًا أو هُدهُدًا. وقد أُطلق اسم "هُدَد" على الملك الأدومي الثالث الذي ألحقَ الهزيمة بقوم مَدْين، وأيضًا على الملك الأدومي الأخير (الموسوعة اليهودية، تحت: Hadad). وكان الهدهد اسم أحد أبناء إسماعيل عليه السلام أيضًا.
وقد ذكر الكتاب المقدس (في الملوك الأول 11: 14) أحد أمراء الأسرة الأدومية وكان اسمه هُدَد، وكان قد فرّ إلى مصر خوفًا من القتل العام الذي أمر به يوآب.
وورد في الموسوعة اليهودية أن لفظ "هُدَد" إذا ورد في العهد القديم خاليًا من أي صفة أو فعلٍ فيعني أحد أفراد الأسرة الأدومية. (تحت كلمة: Hadad)
باختصار، إن الهدهد تعريب للكلمة العبرية "هُدَد".
الحق أن ولوع المفسرين بجعل تفاسيرهم شيقة قد دفعهم لنسج هذه الخرافات. فمثلاً هناك حيوان معروف باسم الضب، ولكنه اسم لرئيس قبيلة عربية أيضًا - كما يُسمَّى عندنا بعض الهندوس "ببغاء" - وهذا الرئيس العربي حضر مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم مرة وأنشد قصيدة في مدحه صلى الله عليه وسلم. ثم تحول هذا الحادث الحقيقي فيما بعد إلى خرافة في كتب الوعاظ، حيث ورد فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي في مكان، فخرج ضب من جحره وألقى قصيدة في مدحه صلى الله عليه وسلم. فالذين جعلوا هذه الحقيقة الواقعة خرافة فليس صعبًا عليهم أن يحولوا إنسانًا اسمه الهدهد إلى طير اسمه الهدهد.
ثم يقول المفسرون أن ما دل سليمان عليه السلام على غياب الهدهد هو أنه كان في سفر في برية لا ماء فيها، فحان وقت الصلاة، فأراد الوضوء فلم يجد ماء، فقال لأصحابه: أين الهدهد؟ اطلبوا منه أن يبحث عن الماء. ذلك لأن الهدهد هو الذي كان يدلهم على الماء كلما احتاجوا إليه. فبحثوا عن الهدهد ولم يجدوه. فاستشاط سليمان عليه السلام غضبًا وقال: حينما يأتي الهدهد (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ). (روح المعاني)
ولكن البعض الآخر قد اختلف مع هؤلاء المفسرين وقال إن الواقع أن سليمان عليه السلام كلما سافر أظلته أسراب الطيور، وفي أحد الأيام وصلت الشمس إليه من خلال ثغرة كانت في هذا الظل، فرفع بصره وعلم سبب الثغرة وهو أن الهدهد كان قد ترك مكانه. (القرطبي)
إذًا، فمن عادة المفسرين نقل حكايات خرافية في تفاسيرهم. مع أن كل ما في الأمر هو أن لفظ الهدهد الوارد في القرآن الكريم تعريب لاسم "هُدَد" العبري، والمراد منه أحد أمراء الأسرة الأدومية الذي كان قائدًا في جيش سليمان عليه السلام. كانت الأسرة الأدومية من أعداء سليمان وكانت تعيش خاضعة لمُلكه، فلما فقد سليمان قائده الهدهد ظن أنه ربما خانه وذهب إلى الأعداء للتآمر عليه، فأعرب سليمان عليه السلام عن قلقه وغضبه.
وقد يكون الهدهد رئيس قبيلة عربية، إذ يخبرنا الكتاب المقدس أن أحد أبناء إسماعيل عليه السلام كان يسمى الهدهد. ومن الثابت تاريخيًا أن القبائل العربية كانت مقيمة في الطريق المؤدي من فلسطين إلى اليمن. وكان العرب واليهود يعادون بعضهم بعضًا، ورغم أن العرب خضعوا لملك سليمان إلا أن العداء لم يزُل من القلوب، فلما وجد سليمان عليه السلام أحد الرؤساء العرب غائبًا أوجس منه خِيفة فثار وغضب. وبما أن منطقة اليمن التي كان سليمان عليه السلام قد خرج بنيّة الهجوم عليها كانت بلدًا عربيًا فالأقرب إلى القياس أن الهدهد كان أحد الرؤساء العرب.

نقله


 

خطب الجمعة الأخيرة