loader

شتان بين الأحمدية والحياة

كثيرا ما تخرج علينا بعض الأصوات التي تدعي الحياد، وتحاول أن تساوي قناتنا الإسلامية الأحمدية بقناة الحياة المسيحية، وترمي القناتين بالتعصب والدعوة إلى الكراهية والبغض بين الأديان، وخلق احتقان قد يفضي إلى انفجار لا يحمد عقباه.

وإن كانت بعض الأصوات التي تخرج تكون لمسلمين بدافع النفاق والمداهنة، إلا أن هذه الأصوات غالبا ما تكون من جانب المسيحيين، الذين قد يجدون في مساواتنا بقناة الحياة ومن ثم قذفنا وقذفها، وسيلة قد يظنونها ناجعة لتبرير هجومهم علينا وتنفير الناس عنا وحجب صوتنا عن الناس أو تشويهه أو التشويش عليه. وبهذا أيضا فهم يجتذبون المداهنين والمنافقين من المسلمين، بل وقد يصنعون جبهة أو جوقة موسيقية تعزف ألحانا تطرب القلب، وتجمع الجانبين على حب "الحياة الحُلوة" والانغماس في شهواتها. والعجيب أن أحد القساوسة قد كتب متمنيا أن يتم تشكيل جوقة موسيقية كهذه على غرار جوقة أنشأها أحدهم في لبنان.

ولكن يبدو أن هذا الشخص لا يدرك أن هذه الجوقة موجودة بالفعل وذات انتشار واسع. ولا يسعنا إلا أن نعترف بأنها تشكل جبهة قوية ومتماسكة وذات سطوة، وتمتلك عددا كبيرا من القنوات التي تزدحم بها الأقمار العربية، ويعمل فيها الجانبان من المسلمين والمسيحيين بانسجام وحب وتفاهم لكي يقدموا للجمهور ما لذ وطاب من الأغاني الماجنة المترافقة بالمشاهد الفاضحة. فحب الحياة والتلذذ بملذاتها هو مما لا يختلفون عليه.. فلِمَ الخلاف والاختلاف.. وليهنأ الجميع بهذه الحياة التي تفتح أذرعها للمندفعين نحوها!

وقناة الحياة في واقع الأمر هي بمنزلة الأم التي تنجب هذه القنوات "الحياتية" الماجنة وتغذيها، وهي وكل القنوات التي على شاكلتها، إنما تسعي لإكمال دائرة انغماس الناس في ملذات الحياة الدنيا وصدهم عن الإله الحقيقي رب العالمين. ومن العجيب أن يختار القائمون على القناة اسم "الحياة" لها، فسبحان الله الذي جعلهم يلخصون هدفهم بأنفسهم ويكشفون عن نياتهم المنحصرة في الانغماس في هذه الدنيا الدنية واكتسابها! أوَليس من العجيب أيضا أن يذكر القرآن الكريم "الحياة" في كل المواضع البالغة سبعة وستين موضعا في معرض الذم ، ويصفها فيها كلها إلا واحدا بالدنيا! فأين هذه القناة ودعوتها من جوهر الدين الحق الذي ارتضاه الله تعالى للعالمين؟ وهل يعرف هؤلاء القائمون على هذه القناة شيئا عن الدين أو يهتمون به، أم أن الحياة الدنيا هي أكبر همهم ومبلغ علمهم؟ فجوهر ما تدعو إليه هذه القناة هو أن تؤمن بفداء المسيح ومن ثم تنطلق لتنعم بهذه الحياة الدنيا بدون ضابط أو رابط أو رقيب أو حسيب، ودون الحاجة إلى عبادات وصلوات. أي آمن بما تدعوك إليه قناة الحياة ثم انطلق إلى الحياة! ولست بحاجة بعد ذلك إلا أن تتنقل من قناة حياتية ماجنة إلى أخرى مما تزدحم به الأقمار العربية وغير العربية.

أما قذف الحياة ظاهريا ومساواتها بنا من هذه الأصوات الحياتية فلا ينبغي أن يغتر به أحد، فهذا في الحقيقة ينسجم مع النهج التزويري الدجالي الذي تمارسه هذه القناة والقائمون عليها. وليست هذه المساواة والقذف من قبل هؤلاء، على ما يبدو، إلا من قبيل تقديم قربان فداء بريء لأجل هدف نبيل مزعوم. فلتُلعن قناة الحياة كي نتخلص من القناة الإسلامية الأحمدية.. ولا عجب في هذا عند من ارتضوا أن يتم تقديم الإله البريء ليكون قربانا يلعن ويحمل إثم الخاطئين المجرمين ويقذف في الجحيم! قد يكون من الصعب تخيل هذا .. ولكن هذا ليس غريبا على هذه العقلية التي شوهتها النظرية البولسية المسيحية القائمة على الدجل والكذب والخداع.

وعودة إلى مسألة المساواة.. فهي بلا شك أكذوبة ساذجة لا يقبل بها عاقل.. فهل يستوي الأعمى والبصير أو الظلمات والنور أو الخبيث والطيب!

وفي الحقيقة فإننا وهذه القناة نقف على طرفي نقيض.. فلا تشابه بيننا وبينها في منهج أو وسائل أو أهداف. ولكي تتضح الصورة لعله من المفيد عقد المقارنة في بعض الجوانب. فقناة الحياة هذه والقائمون عليها يعتقدون أن الإسلام دين فاسد مزور مزيف، وأنه لا بد من اجتثاثه وإزالة آثاره عن البلاد العربية التي كانت تنتشر فيها المسيحية من قبل. كما يدعون إلى إنشاء كيانات مسيحية مستقلة وإلى ثورات وهيجانات ضد النظم الحاكمة. أما نحن فنعتقد أن رسالة المسيح في أصلها رسالة حق وأن المسيحية، وإن تعرضت للتحريف، إلا أنها ما زالت تحمل في طياتها آثار الدين الحق وبقايا من الوحي الكريم الطاهر الذي قد يهدي المسيحيين إلى الصراط المستقيم. ونرى أنه يحق للمسيحية الوجود ولا نرى وجوب اجتثاثها وإزالتها. ولا نؤلب المسلمين ضد المسيحيين، بل ندعو إلى المساواة بين جميع أفراد المجتمع بغض النظر عن ديانتهم، ونقول بأن عدم التمييز على أساس الدين هو منهج إسلامي راسخ.

كذلك فنحن نؤمن بسيدنا المسيح عيسى بن مريم عليه السلام نبيا مكرما، ونؤمن بكل الأنبياء الذين وردوا في الكتاب المقدس، ونرى أنهم كانوا جميعا أطهارا أخيارا معصومين، بينما ترى قناة الحياة أن المسيح هو الوحيد النقي الطاهر والبقية كانوا خطائين منغمسين في الخطايا، يستسيغون الكذب ويرتكبون أفظع الجرائم الأخلاقية. بل هم مع دعواهم تلك لم يبرئوا المسيح بنفسه من المفاسد الأخلاقية وإن ادعوا عصمته. وفي نفس الوقت فهم ينعتون نبينا وسيدنا محمدا المصطفى صلى الله عليه وسلم بأسوأ الصفات ويسبونه ويشتمونه ويسيئون إليه بما يدمي قلوب المسلمين ويوجعها.

ونحن ندافع عن الكتاب المقدس، وندعو المسيحيين إلى نبذ ما لا يليق به من التحريفات والإضافات الدخيلة عليه، ونقدر كل ما جاء فيه من الحقائق ومن بقايا الوحي الإلهي، بينما ترى قناة الحياة أن القرآن الكريم كتاب فاسد لا سبيل للاستفادة منه ولا يهدي إلا إلى المفاسد والعنف والقسوة حسب زعمهم!

ونحن ندافع عن قدوسية الله تعالى الذي له الأسماء الحسنى وننزهه عن الضعف والعجز، وندعو الناس إلى الإيمان بهذا الإله القدير الذي له ملك السموات والأرض، والذي هو غالب على أمره وهو يجير ولا يجار عليه، ولا يستطيع إنسان أو مخلوق أن يمسه بسوء، بينما تدعو الحياة إلى إله ضعيف عاجز مغلوب على أمره لا سلطان له في هذه الأرض ولا مشيئة، هذا الإله الذي أوذي من الناس وقُتل وصُلب ولُعن ودخل الجحيم لأجل خطايا البشرية، ومع ذلك يدَّعون أنه هو الله رب العالمين!

والمتابع لقناتنا يعرف أننا نسمح للمسيحيين فيها بالتعبير عن أرائهم، ونعطي الفرصة لهم ولكبار قساوستهم وعلمائهم للدفاع عن معتقداتهم، وذلك في جو من المحبة والألفة والصداقة التي اعترف بها المسيحيون بأنفسهم. ونحن لا نتبع التزوير ولا التحريف و لا الأساليب الدنيئة أو الشتم أو السب أو القذف، ولا نذكي الكراهية ولا ندعو إليها، بل ندعو إلى المحبة والتفاهم والانسجام. بل إن قناتنا لعبت دورا هاما في إزالة الاحتقان والكراهية الذي خلقته قناة الحياة ومثيلاتها في المجتمعات العربية التي وجدت نفسها أمام سموم هذه القناة وخَبَثها وأمام صمت مطبق وسكوت منسق من جانب الهيئات والمؤسسات الإسلامية. فزال ما في قلوب المسلمين من ضيق، وأخذوا يتابعون باهتمام وروية.

أما قناة الحياة فهي قناة لصوت واحد ساخر شاتم مزور، ولا تتيح المجال للرأي الآخر. وهي تنقل بعض الأقوال منزوعة من سياقها أو محرفة، وتوهم المشاهد أن هذه الأقوال هي عقيدة المسلمين جميعا. علما بأن كثيرا من هذه النقاط هي مدار انتقاد شديد من المسلمين أنفسهم، ولعل هؤلاء قد اطلعوا عليها وجمعوها وعرفوها بسبب هذا الانتقاد. ولكنهم يخفون هذا كله، ويحاولون تقديم صورة مشوهة للإسلام ولنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم في قالب من الحقد والضغينة البادية في أفواههم وتعبيرات وجوههم ولغة أجسادهم. ويظهر بوضوح أن هذه القناة لا تستهدف المحبة أو السلام والانسجام، ولا تحاول تقديم ما قد يعتقدون بأنه الحقيقة، بل لعلها لا تستهدف إلا الإساءة إلى مشاعر المسلمين من ناحية، وتثبيت المسيحيين على المسيحية من ناحية أخرى من خلال نسج الأكاذيب حول الإسلام الذي قد يجتذبهم إذا ظهر لهم بصورته الناصعة.

والحق يقال إن قناة الحياة قد أسهمت من خلال حملتها المسعورة في دفع المسلمين إلى البحث الحثيث عن أي صوت يرد عليها، وبهذا قد نبهت الناس إلى أهمية البحث عنا والعثور علينا. وبتصدي قناتنا لهذه القناة وبقيامها برسالتها النقية الساطعة، فقد أصبح جليا أن السحر قد انقلب على الساحر، وأصبحت قناة الحياة وبالا على من أنشأوها. فبدلا من تشويه صورة الإسلام اتضح الوجه الحقيقي للمسيحية المحرفة. والذين أبطنوا فرحهم ونشوتهم بهجومها اللاذع على الإسلام، وظنوه لقمة سائغة أو ميتا لن تقوم له قائمة، أدركوا بأنهم قد أيقظوا عملاقا نائما. فأصبحت الأصوات ترتفع للتخلص من هذه الظاهرة بمجملها، وإن كانت الثمن مهاجمة قناة حياتهم ظاهريا، تلك التي ظنوها ستكون رأس الحربة التي ستمزق صدر الإسلام. فسارعوا إلى الادعاء مجددا بأنهم دعاة وئام وانسجام، وأن قناتنا هي التي تشكل خطرا على المجتمعات الوادعة الوسنانة، وألبوا الحكومات والهيئات علينا، وفي نفس الوقت، استمروا في دعم قناة حياتهم والتصفيق لها في السر والعلن.

وللأسف فقد استجابت بعض الجهات إلى هذه الدعوات، فضيقوا علينا وحاولوا أن يوصلوا لنا رسالة أنهم سيقبلون بنا إن التزمنا بأن نكون في جوقتهم من محبي "الحياة الحُلوة"، وأن نقتدي بهم ونهتدي بخطواتهم. وأزالونا من الأقمار العربية وأبقوا على القنوات الحياتية، بل ووضعوا قناة الحياة نفسها تحت مسمى جديد في أحد الأقمار ومن ثم أزالونا.. فعجبا لحال هؤلاء!! ولكنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.. ولئن أزالونا من أقمارهم فلن يستطيعوا حجب قناتنا .. ولن يستطيعوا ثنينا عن القيام بواجبنا أو دفعنا للتنازل عن مبادئنا. فمن واجبنا نشر الإسلام العظيم وإبراز صورته الناصعة النقية للعالم. ومن واجب إخواننا المسيحيين علينا أن يطلعوا على الحقائق التي حاول قساوستهم حجبها عنهم زمنا طويلا. ولا بد لهم أن يدركوا التباعد الكبير بين العقائد المسيحية الحالية وبين الكتاب المقدس الذي لا يدعم هذه العقائد. وينبغي أن يطلعوا على الخرافات والقصص الفاسدة التي أدخلت على هذا الكتاب وأساءت إلى الله وأنبيائه وإلى الأبرار والصديقين. ينبغي أن يطلع العالم على رسالة الإسلام العظيم وعلى شخصية الرسول الأعظم الأكرم صلوات الله وسلامه عليه وسيرته المطهرة. وينبغي أن يتنور هذا العالم بنور القرآن العظيم الذي تشرق بنوره الظلمات ويصلح به أمر الدنيا والآخرة. فمن ذا الذي سيشعر بالضيق من قناتنا إلا الذي هو عدو الحق والذي يريد للعالم أن ينغمس في الجهالات والظلمات والمفاسد؟

وفي النهاية، نقول لمن يهوون وضعنا مع قناة الحياة في بوتقة واحدة أنكم صدقتم بغير قصد في وصفكم لقناة الحياة وقذفكم لها، وكذبتم في وصفكم لنا وقذفكم.. فما قلتم يصح في حقها ولا يصح في حقنا. ولئن رغبتم أن تجدوا أمرا مشتركا بيننا فلن تجدوا إلا عنصرا واحدا فقط؛ ألا وهو أنها ساهمت بشكل غير مباشر في خدمة رسالتنا؛ التي هي إظهار الحقيقة، ولكن دون قصد منها. فمن جانب كانت تكذب على الإسلام وتشيع هذه الكذبات فيجد المتابعون الأجوبة عليها عندنا، فيطلعون على جمال الإسلام ونصاعته، ومن جانب آخر كانت تؤكد على العقائد الفاسدة للمسيحية المحرفة، التي كنا نؤكد على فسادها وندعو إلى نبذها، فيتضح للناس صدقنا وموضوعيتنا. فالحمد لله وحده الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين، وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. ولن تستطيع الدنيا أن تقف في وجه رسالتنا، التي هي رسالة الإسلام العظيم في زمن بعثته الثانية، والتي ستتكلل بالنصر المبين إن شاء الله تعالى.


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة