loader

القول الفصل في ولادة عيسى من غير أب من كلام الحَكَم العدْل

 جاء في القرآن الكريم، في سورة مريم، ذِكْر ولادة يحيى وعيسى عليهما السلام كمعجزتين. فزكريا كان شيخا هرما خارت قواه، وامرأته كانت عجوزا عقيما لم تنجب في شبابها؛ فالبشرى بولادة يحيى رغم انعدام الإمكانية الأنثوية ظاهريا عند أمه، والضعف الشديد للعنصر الذكوري عند أبيه هو معجزة بلا شك. أما مريم عليها السلام فقد كان حملها بالمسيح معجزة عظيمة أيضا؛ لأنها لم تكن قد تزوجت ولم يمسسها بشر. ولذلك استعجب كلٌّ من زكريا ومريم عليهما السلام من هاتين المعجزتين اللتين جاءتا خلافا للعادة، وجاء الرد من الله تعالى أن حدوث هاتين المعجزتين هيِّن على الله تعالى:
{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} (مريم 9-10)
{ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} (مريم 22)

ويقول حضرة الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام مؤكدا على هذه الحقيقة القرآنية الواضحة؛ والتي هي ولادة عيسى ويحيى بمعجزة إلهية، ومبينا أن ارتباط القصتين يجعل كلًّا منهما معضِّدة وموضحة للأخرى:
ومن عقائدنا أن عيسى ويحيى قد وُلدا على طريق خَرْقِ العادة، ولا استبعادَ في هذه الولادة. وقد جمع الله تلك القصتين في سورة واحدة، ليكون القصةُ الأولى على القصة الأخرى كالشاهدة. وابتدأ مِن يحيى وختَم على ابن مريم، لينقُل أَمْرَ خرق العادة من أصغر إلى أعظم. (مواهب الرحمن، ص 45)
وفي معرِض التأكيد على أن كليهما ولدا بمعجزة، ثم كلاهما توفيا دون أن يتركا نسلا، يبين حضرته أن ولادة المسيح الموعود في الأمة الإسلامية واستمرار نسله إشارة على أن الخير كان في الأمة وهو دائم إلى يوم القيامة في السلسلة المحمدية، حيث يقول:
وكان تولُّدُ يحيى من دون مسّ القوى البشرية، وكذلك تولُّدُ عيسى من دون الأب وموتُهما بدون ترك الورثة علامةً لهذه الواقعة. وأما المسيح المحمدي فله أب ووُلْد من العنايات الإلهية، كما كُتب أنه "يتزوج ويولد له" من الرحمة، فكانت هذه إشارة إلى دوام السلسلة المحمدية وعدم انقطاعها إلى يوم القيامة. (مواهب الرحمن، ص 49)
ويؤكد حضرته على معجزة ولادة المسيح دون أب في مواضع كثيرة، منها قوله:
سيقول الذين لا يتدبّرون إن عيسى علم للساعة: {وإنْ من أهل الكتاب إلا لَيُؤْمِنَنَّ به قبل موته} (1)، ذلك قول سمعوا من الآباء، وما تدبّروه كالعقلاء. ما لهم لا يعلمون أن المراد من العلم تولّده من غير أبٍ على طريق المعجزة. (الاستفتاء، ص 62)
أما لماذا كانت هذه المعجزة؛ أي خلق الله عيسى دون أب، فقد أوضح حضرته أن هذا سببه ما قاله الله تعالى في القرآن الكريم:
{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ} (الزخرف 62)
والمقصود بالساعة التي جاء المسيح علْما لها هي القيامة بعد الموت، إضافة إلى معنى آخر وهو ساعة انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم. فبخصوص كونه علْما للقيامة فهذا لأنه كانت فرقة من اليهود، وهم الصدوقيون، كانوا ينكرون القيامة، فخلق الله تعالى عيسى دون واسطة أب ليبين لهم أنه قادر على البعث بعد الموت؛والذي هو خلق جديد دون تناسل ودون وسائط وأسباب معروفة دنيوية. وهي آية مستمرة لكل من ينكر القيامة. ويقول حضرته مبينا ذلك:
فاعلم أنه تعالى قال: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ}، وما قال إنه سيكون علمًا للساعة، فالآية تدل على أنه علم للساعة من وجه كان حاصل له بالفعل، لا أن يكون مِن بعدُ في وقت من الأوقات. والوجه الحاصل هو تولُّده من غير أب، والتفصيل في ذلك أن فرقة من اليهود .. أعني الصدوقين .. كانوا كافرين بوجود القيامة، فأخبرهم الله على لسان بعض أنبيائه أن ابنًا من قومهم يولد من غير أب، وهذا يكون آيةً لهم على وجود القيامة، فإلى هذا أشار في آية: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ}، وكذلك في آية: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ}، أي للصدوقين. (حمامة البشرى، ص 159)
أما فيما يتعلق بالمعنى الثاني؛ الذي هو ساعة انتقال النبوة من بني إسرائيل ومجيء النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول حضرته:
وما كان له أب من بني إسرائيل إلا أُمّه، وكذلك خلَقه الله مِن غير أب وأومى فيه إلى ما أومى. وكان ذلك آيةً وعِلْمًا لليهود وإخبارًا لهم في رمزٍ قد اختفى، وإرهاصًا لظهور نبينا خير الورى (الخطبة الإلهامية، ص 25)
ويقول حضرته أيضا:
فأولُ ما فعل لهذه الإرادة هو خلق عيسى من غير أب بالقدرة المجردة. فكان عيسى إرهاصًا لنبينا وعَلَمًا لنقل النبوة، بما لم يكن من جهة الأب من السلسلة الإسرائيلية. وأما يحيى فكان دليلا مخفيا على الانتقال، فإن يحيى ما تولّد من القوى الإسرائيلية البشرية، بل من قدرة الله الفعّال. فما بقي لليهود بعدهما للفخر مَطرَحٌ، ولا للتكبر مَسرَحٌ. وكان كذلك ليقطع الله الحِجاجَ، وينقّص التصلفَ ويسكّن العَجاجَ. (مواهب الرحمن، ص 46)
ويؤكد حضرته أنَّ خلْق المسيح من غير أب ليس خارجا من السنن الإلهية، حيث يقول حضرته:
إنْ قيل إنّ المسيح قد خُلق من غير أب من يد القدرة، وهذا أمر فوق العادة... قلنا إنّ خَلْق إنسانٍ مِن غير أب داخلٌ في عادة الله القدير الحكيم، ولا نسلِّم أنه خارج من العادة ولا هو حريٌّ بالتسليم (فإن الإنسان قد يتولّد من نطفة الامرأة وحدها ولو على سبيل الندرة، وليس هو بخارج مِن قانون القدرة، بل له نظائر وقصص في كل قوم وقد ذكرها الأطبّاء من أهل التجربة. نعمْ، نقبل أن هذه الواقعة قليلة نسبةً إلى ما خالفها من قانون التوليد... ولا شك أن هذه الواقعة نادرة نسبة إلى الطريق المتعارف المشهور... (الخطبة الإلهامية، حاشية ص 26)
أما الذي يدعي أن خلق المسيح من غير أب مخالف للسنن فهو يسيء إلى الله تعالى، ويريد أن يحدَّ قواه وقدراته، ويدعي تعسُّفا الإحاطة بسننه تعالى، فيقول حضرته في ذلك:
وللهِ تصرّفاتٌ في مخلوقه بالأسباب ومن دون الأسباب ويعلمها أولو النهى. بل هذا كاللُّب وذاك كالقشْر، فلا تقنع بالقشر كالقَدريّة، واطلُبْ سرَّ أقداره ليُعْطَى.
إنّ الله يفعل ما يشاء، ولا تُدْركه الأَبْصار، ولا تحدّه الآراء، ولا يحتاج إلى مادةٍ وهَيُولَى. وإنّه قادرٌ على أن يشفي المرضى من غير دواءٍ، ويخلق الوُلْدَ مِنْ غَيْرِ آباءٍ، ويُنْبِت الزّرع مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْقَى. وما كان لدواءٍ أن ينفع من غير أَمْر ربّنا الأَعْلى. يودع التأثيرَ فيما يشاء، وينزع عما يشاء، وله الأمر في الأرض والسماوات العُلَى. ومن لم يؤمن بتصرفه التّام، ولم يعرف أمره الذي لم يَأْبَه ذرّةٌ من ذرّات الأنام، فما قدَره حق قدره، وما عَرفَ شأنه وما اهتدى. ومَن ذا الذي حَدَّ قوانينَ قدرته، أو أحاط علمُه بِسُنّته؟ أتعلم ذلك الرجل على الأرض أو تحت الثرى؟ (مواهب الرحمن، ص 6)

أما القول بأن ولادة عيسى من غير أب تدعم ألوهية المسيح، فهذا ليس صحيحا، لأنها ليست أمرا تفرد به المسيح، والله تعالى ذكر أن للتولُّد من غير أب مثيل، بل مثيل أقوى وهو آدم، الذي تولَّد دون أب أو أم، أما الصعود والنزول من السماء فهو الذي ليس له مثيل من سنن الله. فلو كان الصعود والنزول حقا، لذكره الله تعالى وذكر مثيله في سننه.
وإذ قالت النصارى إن عيسى ابن الله بما تولّد من غير أبٍ، وكانوا به يتمسّكون، فأجابهم الله بقوله: {إِنَّ مَثَلَ عيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (1)، ولكنا لا نرى جوابَ خصوصيةِ رفعِ عيسى ونزوله في القرآن، مع أنه أكبر الدلايل على ألوهيّة عيسى عند أهل الصُّلبان. فلو كان أمر صعود عيسى وهبوطه صحيحًا في علم ربّنا الرحمن، لكان من الواجب أن يذكر الله مثيل عيسى في هذه الصفة في الفرقان، كما ذكر آدم ليبطل به حُجّة أهل الصلبان. فلا شك أن في ترك الجواب إشعار بأن هذه القصّة باطلة لا أصل لها وليس إلا كالهذيان. أتعلمون أيّ مصلحة منعت الله من هذا الجواب؟ وقد كان حقًّا على الله أن يجيب ويجيح زعم النصارى بالاستيعاب. (الاستفتاء، ص 64)

وفي النهاية، وبعد كل هذه البينات، فإنه من المستغرب أن يعتقد مسلم يؤمن بالقرآن الكريم وآياته البينات- ناهيك عن إيمانه بالمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام- بعقيدة تخالف صريح القرآن مخالفة تامة. فشخص كهذا لا يكون مسلما حقا، وهذا ما أكده حضرته حول القائلين بولادة المسيح من أب خاصة، حيث قال حضرته:

"إنما إيماننا وعقيدتنا هي أن المسيح - عليه السلام - كان بدون أب، وأن الله تعالى يملك القدرة كلها. وأما الطبيعيّون الذين يحاولون أن يثبتوا أن المسيح كان له أب فقد ارتكبوا خطأً كبيرًا، وإلهُ مثلِ هؤلاء إله ميت، ولا يمكن أن يُستجاب دعاء القوم الذين يظنون أن الله تعالى لا يقدر على أن يخلق أحدًا بدون أب، وإن هؤلاء عندنا خارجون عن الإسلام". (جريدة "الحَكم" 24 يونيو/ حزيران 1901)

أما الذي يخالف صريح قول المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام ويعارضه، فهو ليس أحمديا في الحقيقة، ولو ادعى ذلك. فما معنى أن يؤمن بالمسيح الموعود ثم لا يقبل بحكمه؟
يقول الخليفة الأول حضرة مولانا نور الدين القرشي رضي الله عنه حول هذا الأمر:

"إن بعض الأمور التي تختلفون عليها قد حكم فيها حضرة المرزا المحترم، فمن يخرج على حكمه لا يكون أحمديا" (كتاب:حضرة المولوي نور الدين، لظفر الله خان)

وعن الجدال والتفلسف في بعض الأمور التي يُظن بأن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام لم يحكم بها، فقد بين رضي الله عن أنه لا يحق للأحمدي أن يقول بها أو أن يكتب حولها دون إذن من الخليفة؛ إنْ كان يدَّعي بالفعل الإيمان بالمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام والاتباع للخلافة، وعليه أن يثق بأن الخلافة قادرة على طرح هذه القضايا وتوضيحها في وقتها، ولكنها لا تتصرف إلا بتحريك الله تعالى وبأمره، حيث يقول:

"وأما عن الأمور التي لم يحكم فيها (حضرته عليه السلام)، فلستم في حلٍّ من أن تتفلسفوا فيها بغير إذني. فضعوا أقلامكم وكفوا ألسنتكم عن مثل تلك الأمور إلى أن يطرقها الخليفة، أو إلى أن يظهر خليفته. وعلى هذا، لا تحاولوا أن تسهبوا في بحث أمور سكت عنها إمامنا وقائدنا، وإلا فإن جميع كتاباتكم سوف تكون بلا جدوى. وليس لكم أن تحتجوا بعذركم الواهي بأنكم اضطررتم أن تستعملوا أقلامكم لأني لم أستعمل قلمي. أقرأوا إذن كتبي: نور الدين، تصديق البراهين الأحمدية، فصل الخطاب، إبطال ألوهية المسيح، وسوف تدركون أنني أعرف جيدا كيف أكتب. إنني مقيد فقط بحكمة الله تعالى. نعم. إن الله تعالى هو الذي يكبح جماحي.(كتاب:حضرة المولوي نور الدين، لظفر الله خان)

3-2-2015


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة