loader

وفاة عيسى بن مريم عليه السلام

"دعوا عيسى عليه السلام يَمُتْ ليحيا الإسلام"

Orange Dot "أَلِرسولِنا الموتُ والحياةُ لِعيسى؟" Orange Dot

 بعض الأدلة على وفاة عيسى عليه السلام من القرآن الكريم

Orange Dot بعض الأدلة على وفاة عيسى عليه السلام من الحديث الشريف

 وما قتلوه وما صلبوه وما رفع حيا بجسده إلى السماء.. بل هاجر كما هي سنة الأنبياء

Orange Dot أقوال السلف من العلماء

Orange Dot أقوال بعض العلماء المعاصرين

Orange Dot المراد من نـزول عيسى ابن مريم عليه السلام

Orange Dot انتظروا.. إنا معكم منتظرون                        


"دعوا عيسى عليه السلام يَمُتْ ليحيا الإسلام"

من أغرب العقائد التي راجت بين عامة المسلمين، وأكثرها إساءة للإسلام ولرسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي عقيدة حياة عيسى بن مريم عليه السلام في السماء. فلقد تسربت هذه العقيدة من المسيحية إلى الإسلام ولاقت رواجا، بسبب خطأ استنتاجي آخر وقع فيه بعض العلماء.

إن ثبوت نـزول عيسى في آخر الزمان من الأحاديث الشريفة سوغ هذه العقيدة وبررها. فكان تصورهم صعودَه إلى السماء وحياته فيها فرعًا لتصورهم معنى خاطئًا للنـزول. وبخلاف ثبوت مسألة النـزول، فإن الصعود واستمرار الحياة في السماء لا دليل عليهما لا من القرآن الكريم ولا من الحديث الشريف مطلقا. وقد ظن بعض العلماء أنهم بتمسكهم بحياة المسيح عليه السلام في السماء يدافعون عن الإسلام وعن الحديث الشريف ومصداقيته، ويفتحون المجال لنـزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان. ولكنهم في حقيقة الأمر قد نحتوا هذا الفهم من عند أنفسهم، وأدى هذا الفهم إلى نتيجة عكسية أصبحت خطرا على الإسلام.

ولقد بقي تأثير هذا الخطأ على المسلمين محدودا، حتى جاء وقت غلبة النصارى وانتشار المسيحية تحت ظل الاستعمار الغربي. فكانت حياة عيسى عليه السلام ورفعه إلى السماء هما السلاح الأقوى بيد هؤلاء القساوسة الذين بدأوا بنشر المسيحية. وقد نجحوا في بداية الأمر في استقطاب عدد كبير من الجهلة من المسلمين في الهند خاصة وفي غيرها من البلاد، بإثارة شبهات بالادعاء بأفضلية عيسى عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وكونه إلها حيًّا في السماء، لأنه ليس للبشر أن يعيش في السماء أو أن يخلق أو أن يحيي الموتى! وعندها تحول هذا الخطأ إلى أفعى تريد التهام الإسلام. يقول حضرة المؤسس عليه السلام في هذا الأمر ما تعريبه:
"إن قضية حياة عيسى كانت في الأوائل بمثابة خطأ فحسب، أما اليوم فقد تحول هذا الخطأ إلى أفعى تريد ابتلاع الإسلام... فمنذ أن تمَّ خروج المسيحية واعتبرالمسيحيون حياة المسيح دليلاً كبيرًا وقويًّا على ألوهيته، قد أصبح الأمر خطيرا. إنهم يقدمون هذا الأمر بكل شدة وتكرار محتجين بأنه لو لم يكن المسيح إلهًا فكيف صعد وجلس على العرش، وإذا كان بإمكان بشر أن يصعد إلى السماء حيًّا فلماذا لم يصعد إلى السماء أحد من البشر منذ آدم إلى اليوم...

إن الإسلام اليوم في ضعف وانحطاط،، وإن قضية حياة المسيح هي السلاح الذي حملته المسيحية للهجوم على الإسلام، وبسببها أصبحت ذرية المسلمين صيدًا للمسيحية ... فأراد الله تعالى الآن تنبيه المسلمين لذلك."

(الملفوظات ج 8 ص 337 و345)



لقد أوحى الله تعالى إلى حضرة المؤسس عليه السلام أن عيسى عليه السلام ليس بحيّ، بل مات كغيره من الرسل. فألف عددا من الكتب تناول فيها هذا الموضوع بشكل مفصّل، وساق عشرات الأدلة على وفاة المسيح من القرآن الكريم والحديث الشريف. كما دعا الأمة إلى التخلي عن هذه العقيدة الباطلة دفاعا عن الإسلام ومقام النبي صلى الله عليه وسلم ولكي لا يجعلوا للنصارى عليهم سبيلا. وكثيرا ما كان يقول حضرته مخاطبا المسلمين:
"دعوا المسيح عليه السلام يمت ليحيا الإسلام"، كما كان يقول أيضا "والله لا يجتمع حياة هذا الدين وحياة المسيح بن مريم عليه السلام".

حيث لخص بهاتين الجملتين الخطر المحدق بالإسلام من جراء تلك العقيدة الفاسدة.

 

"أَلِرسولِنا الموتُ والحياةُ لِعيسى؟"

وكما قلنا، فإن مبعث هذه العقيدة ومردَّها هو الفهم الخاطئ لمسألة نـزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان. فتمسَّك البعض بعقيدة الصعود والحياة لأنه يظن أنها السبيل الوحيدة التي من خلالها سيصبح النـزول ممكنا. وكثيرا ما بين حضرته عليه السلام بطلان هذا التصور، كما بيّن المقصودمن هذا النـزول وكيفية تحققه. يقول حضرته عليه السلام في هذا الشأن ما نصّه:
"أيها الناسُ! اذْكُروا شأنَ المصطفى.. عليه سلامُ ربِّ السماواتِ العُلى.. واقرأوا كُتبَ المتنصّرين، وانظُروا صَولتَهم على عِرْضِ سيدِ الوَرى.

فلا تُطرُوا ابنَ مريمَ، ولا تُعينوا النصارى يا وُلْدَ المسلمين. أَلِرسولِنا الموتُ والحياةُ لِعيسى؟ تلك إذًا قِسمةٌ ضِيزَى! ما لكم لا تَرجُون وَقارًا لسيّدِ السيّـدِين؟

أتجادِلونني بأحاديثَ ورَد فيها أن المسيحَ سينـزل، وتنسَون أحاديثَ أُخرى، وتأخُذون شِقًّا وتترُكون شِقًّا آخَر، وتـذَرون طريقَ المحقِّقين؟ ولا يغُـرَّنّكم اسمُ "ابن مريم" في أقوالِ خيرِ الوَرى، إنْ هو إلا فتنةٌ من الله ليعلَمَ المصيبين منكم وليعلَمَ المخطِئين، ولِيجزِيَ اللهُ الصابرين الظانّين بأنفسهم ظنَّ الخيرِ، ويجعَلَ الرجسَ على المعتدين. وقد خَلَتْ سُنَـنُه كمثلِ هذا، فَلْيتفتَّشْ مَن كان من المتفتشين.

لقد كان في إيليا وقصةِ نـزولِه نظيرٌ شافٍ للطالبين. فاقْرَؤوا الإنجيلَ وتَدبَّروا في آياته بنظرٍ عميقٍ أمينٍ. إذ قالت اليهودُ: يا عيسى.. كيف تزعُـم أنك أنت المسيحُ.. وقد وجَب أن يأتيَ إيليا قبلَه كما ورد في صُحُفِ النبيّين؟ قال: قد جاءكم إيليا فلم تَعرِفوه، وأشارَ إلى يحيى وقال: هذا هو إيليا إن كنتم موقِنين. قالوا: إنك أنت مفتَرٍ.. أَتَنحِتُ معنىً منكَرًا؟ ما سمِعنا بهذا في آبائنا الأولين. قال: يا قوم.. ما افْترَيتُ على الله، لكنكم لا تفقَهون أسرارَ كُتُبِ المرسَلين.

تلك قضيةٌ قضاها عيسى نبيُّ الله، وفي ذلك عبرةٌ للمسلمين. ما كان نـزولُ بَشَرٍ من السماء مِن سُـنَنِ الله، وإنْ كان فَأْتُوا بنظيرٍ مِن قرونٍ خالية إن كنتم من المهتدين."

(مرآة كمالات الإسلام، الخزائن الروحانية ج5 ص379- 381)


ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ومن اللافت للنظر أن تشكل وفاة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام أول إجماع للصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن حادثة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم تبين أن الصحابة قد ذهلوا لوفاته صلى الله عليه وسلم واضطربوا اضطرابًا شديدًا، فوقف سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وخطب فيهم معلنا وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مستدلا بالآية الكريمة:
(آل عمران 145)


فأقر جميع الصحابة بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كما أقروا بوفاة كل من كان قبله من الأنبياء دون استثناء.

وليس هذا فحسب، بل إنهم من خلال هذا الإعلان قد أقروا ضمنيًّا بوفاة المسيح عليه السلام خاصة. فقد فسّروا الآية السابقة على أنها إعلان وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، والحق أن لا فرق بينها وبين الآية الكريمة التالية في الألفاظ والكلمات، حيث يقول تعالى:
(المائدة 76)


فأنّى لأحد أن يفهم الآية بشكل مخالف! فهل هنالك ما هو أكثر بيانا من هذا؟

ولم يقتصر إعلان وفاة عيسى عليه السلام على هاتين الآيتين، بل كرره الله تعالى في عدة مواضع. إن القرآن الكريم لم يتكلم عن وفاة نبي أكثر مما تكلم عن وفاة عيسى عليه السلام درءًا للمخاطر التي سيتعرض لها المسلمون جراء عقيدة استمرار حياته في السماء حتى نـزوله آخر الزمان.

 

بعض الأدلة على وفاة عيسى عليه السلام من القرآن الكريم

 

أولاً: قوله تعالى {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (55) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (56)} (آل عمران 55-56)


إن {مُتَوَفِّيكَ} هنا تعني: مميتك. حيث إنَّ فعل التوفي إذا كان فاعله هو الله تعالى أو أحد الملائكة، وكان المفعول به (المتوفَّى) صاحب روح، ولم توجد قرينة صارفة - كالنوم أو الليل- فليس معناه إلا الموت. ولا يوجد أي مثال ينافي هذه القاعدة في القرآن، أو في السنة، أو في كلام العرب. أو في معاجم اللغة العربية؛ فقد ورد في القرآن الكريم فعل التوفي 25مرة. وكان في 23 مرة منها بمعنى الموت. وورد مرتين بمعنى النوم - حيث وردت معه قرينة صارفة- وذلك في الآيتين التاليتين:

الأولى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ..} الأنعام: 61 هنا جاء التوفي بمعنى النوم لوجود القرينة {بِاللَّيْلِ}. والثانية: {الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا.. } الزمر: 43 وهنا جاء التوفي بمعنى النوم لوجود قرينة: {فِي مَنَامِهَا}. وأما عند ذِكر توفّي عيسى بن مريم فلا وجود لقرينة صارفة عن معنى الموت.. وقال ابن عباس:" {مُتَوَفِّيكَ} - آل عمران: 56 - مُمِيتُكَ."
انظر [ البخاري: الجزء 3، كتاب تفسير القرآن - باب {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا ..} المائدة: 103]

وهذه الآية الكريمة تبين في الحقيقة الخطة التي قرر الله تعالى بها أن ينصر نبيه عيسى عليه السلام ويمنع عنه الأذى في حياته وبعد مماته. فقد توعّد اليهودُ المسيح بالقتل والصلب، ومكروا من أجل ذلك، وذهبوا إلى الحاكم الروماني يحضّونه على أن يحاكمه بتهمة التمرد والعصيان على الدولة. وأرادوا أيضا من هذه الخطة أن يصموه بالكذب واللعنة لأن التوراة تصف من يُصلب على خشبة بأنه ملعون.(التثنيه 23:21)

فتضمنت هذه الآية البشارة من الله تعالى للمسيح عليه السلام بأنهم لن يقتلوك ولن يصلبوك، وإنما أعدك بأني سأتوفاك وفاة طبيعية كسائر البشر، وأنني من خلال ذلك سأبطل كيدهم، وسأرفعك وأُبعد عنك اللعنة التي تصوروها والتي أرادوا أن يصموك بها. كما أنني سأجعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. ومَن أوفى بعهده من الله تعالى؟

لقد تحقق هذا النبأ، وبيّن القرآن الكريم ذلك، حيث قال الله تعالى:
{ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (158) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (159)} (النساء 158-159)


أي أن اليهود يدّعون بأنهم قد قتلوا المسيح صلبا، ولكن ما قتلوه وما صلبوه وإنما خُيّل لهم ذلك. وهذا لأن الظروف التي حصل فيها تعليقه على الصليب لم يتسنَّ لهم فيها أن يعلموا إن كان قد قُتل حقيقة على الصليب أم لا. والذي حدث أنه لم يقتل ولم يمت مصلوبا في ذلك الوقت، ولكن الله تعالى قد هيأ له الخطة التي تضمنتها الآية السابقة. وأنه بعد ذلك بوقت طويل قد تُوفي وتَحققَ رفعه مكانة أو قربا من الله على عكس ما أراد اليهود، وتحققت باقي الأنباء المتعلقة بغلبة أتباعه على اليهود.


ثانيًا: قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهيْنِ مِنْ دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ .. * مَا قُلْتُ لهمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي به أَنِ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد} المائدة: 117-118

هنا يسأل الله تعالى عيسى (ع) يوم القيامة عنْ سبب اتخاذ الناس إياه إلها.. فيجيب بأنَّه أمرهم بأنْ يعبدوا الله، وبأنَّه كان عليهم شهيدًا خلال مدة إقامته بينهم، أما وقد مات، فلا علم له بما حصل بعده منْ تأليه له، فكان الله تعالى هو الرقيب عليهم، وهو على كل شيء شهيد.

ولو فرضنا أنَّ عيسى سيبعث منْ جديد فستكون إجابته غير صحيحة؛ إذ إنَّه سيعلم ما الذي حدث بعده، وسيكون عليهم رقيبًا.

وقد استدلّ رسولنا محمد ﷺ بهذه الآية على الموضوع نفسه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله ﷺ فقال:… ألا وإنه يُجاء - يوم الحشر- برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: يا رب أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: "وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد " فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. (البخاري - كتاب التفسير – باب: وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم..)

وقال محمد بن يوسف: ذُكر عن أبي عبد الله عن قبيصة قال: هم المرتدون الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلـهم أبو بكر رضي الله عنه." (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذتْ من أهلها)

وكما هو معلوم، فإن الارتداد في الإسلام حدث بعد وفاة الرسول ﷺ وليس في حياته. وقد فارق الرسول ﷺ قومه بالوفاة، فكان استدلاله بالآية دليلا على تشابه ما سيحدث معه وما حدث لعيسى (ع) الذي ترك قومه بالوفاة أيضا ولم يعلم ما الذي حدث معهم.
فلو قلنا بحياة عيسى (ع) إلى هذا الوقت فإن جوابه بأن ارتداد قومه حصل بعد وفاته يتنافى مع الحقيقة الراهنة، ولا يمكن للنبي أن يكذب. إن هذه الرواية تدل على أن النبي ﷺ وابن عباس (ر) قد فسّروا {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} بمعنى: فلَمَّا أَمَتَّني.

ثالثًا: قوله تعالى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ.. } آل عمران: 144


إن {خَلَتْ} تعني ماتت، ولا تعني هنا مرّت؛ فالآية تتحدث عن الموت، والمعنى: أنَّ محمدًا ﷺ رسول، قد مات مِنْ قبله الرسل جميعا، فلماذا تهربون من المعركة وترتدون على أدباركم بعد سماعكم بموته، أو بقتله؟ فهو كمن سبقه من الرسل سيموت، وهذا لا يدعو إلى التراجع والهزيمة. أمّا لو فرضنا هنا أنَّ {خَلَتْ} تعني: مرّت، لَما كانت هناك قيمة لهذا المعنى. هذا وإنّ كلمة "خَلَتْ" كثيرًا ما جاءت في القرآن الكريم بمعنى ماتت.. وذلك كما في الآيات التالية: 1- {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} البقرة: 142، 2- {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُلُ..} المائدة: 76 ، 3- {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلها أُمَمٌ } الرعد:31 وجاء في لسان العرب: خلا فلان: مات. وفي أقرب الموارد: خلا مكانُ فلان: مات.

رابعًا: قول المسيح (ع) الذي ذكره القرآن الكريم: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} مريم: 34

والنص ذاته جاء عن يحيى (ع) {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} مريم: 16؛ إن المقصود بيوم بعثه حيًّا هو يوم القيامة؛ إذ لا يقول أحد إنَّ يحيى في السماء. ثم إذا كان عيسى (ع) في السماء فإنَّه سيهبط، ولن يُبعث، إذ إنَّ البعث هنا بعث من الموت، بينما يقول البعض إنَّ عيسى حي في السماء، وليس ميتًا. ولو كان هناك صعود له إلى السماء لقالت الآية: "والسلام علي يوم ولدت ويوم أصعد إلى السماء ويوم أنزل ويوم أموت ويوم أُبعث حيًّا." فلو كان قد صعد إلى السماء لكان اليوم يومَ سلام خاصًا به تميز به عن البشر جميعا، وتفوق به على خاتم النبيين محمد ﷺ.

خامسًا: قوله تعالى بخصوص الأرض { فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنها تُخْرَجُونَ} الأعراف: 26

أي أن حياة الإنسان متعلقة بالأرض..فهل المسيح (ع) مستثنى من هذه الآية ؟!!
 

سادسا: قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (21) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (22)} (النحل 21-22)

 ولا شك أن أكثر مَن دُعي إلها من دون الله كان المسيح عليه السلام. كما أن هذه الدعوى هي التي ما زالت حية وما زال من يحملونها يحاولون نشرها ونشر الشرك من خلالها. فهذه الآية تعلن إعلانا صريحا عن موت المسيح وغيره ممن دُعوا آلهة من دون الله دون استثناء، فكيف بأهمهم وأكثرهم شهرة؟

 

بعض الأدلة على وفاة عيسى عليه السلام من الحديث الشريف

من الأدلة على وفاة عيسى عليه السلام من الحديث الشريف نورد ما يلي:

لم يتحدث نبينا ﷺ عنْ موت أحد من الأنبياء وعنْ مدة حياته كما تحدث عنْ موت عيسى (عليه السلام). وليس هذا عبثًا، إنَّما كان لا بد من التأكيد على ذلك لأن أتباع نبي الله عيسى (عليه السلام) أخذوا يؤلّهونه. فكان لا بد من التأكيد على موته، بل وتحديد سن وفاته، وذلك لدحض هذا الاعتقاد ومقدماته. وننقل فيما يلي بعض الروايات عن النبي ﷺ:

أولاً: روي عن رسول الله ﷺ قوله: "إنَّ عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة." وهذا نص لا يحتمل تأويلا في موت نبي الله عيسى (عليه السلام). {تاريخ الفسوي (المعرفة والتاريخ) ج3، ص290 - المعجم الكبير للطبراني: ج2، ص418}

 وهناك الكثير من المراجع ذكرتْ هذا الحديث منها ما جاء في كنز العمال:"..أن عيسى عاش عشرين ومائة سنة ولا أراني إلا ذاهب على رأس الستين.."

ثانيًا: روي عن رسول الله ﷺ قوله: "لو كان موسى وعيسى حيَّين لَما وسِعَهُما إلا اتِّباعي"

نذكر هنا أهم المراجع التي ورد فيها هذا الحديث مرتّبةً حسب أسبقيتها (من الأقدم إلى الأحدث):

1) تفسير البحر المحيط- أبو حيّان الأندلسي: تفسير الآية 65 من سورة الكهف
2) تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء- ابن تيمية: المجلد 1، ص 285/ مكتبة الرشد، الرياض.
3) مدارج السالكين- ابن قيِّم الجوزيّة: الجزء 2: منزلة العلم، ص 476
4) تفسير ابن كثير: ورد هذا الحديث ثلاث مرات:
الأولى في المقدمة، والثانية في تفسير آل عمران:82، والثالثة في تفسير الكهف:82
5) اليواقيت والجواهر- عبد الوهاب الشعراني: الجزء 2، المبحث 32، ص342

ثالثًا: عندما قدِم وفد نجران إلى الرسول ﷺ وناظروه في ألوهية عيسى، قال لهم: "ألستم تعلمون أنَّ ربنا حي لا يموت، وأنَّ عيسى أتى عليه الفناء؟ قالوا: بلَى."

إن مرجع هذا الحديث وبهذا النص حرفيًا هو:
أسباب النزول، للواحدي النيسابوري: سورة آل عمران [دار الإصلاح – الدمّام / ص97 ] و[مؤسسة الحلبي- القاهرة / ص61]

لقد ذكرنا هذا المرجع بإصدارين مختلفين لأنه توجد إصدارات أخرى لهذا المرجع ورد فيها القول : " ..وأن عيسى يأتي عليه الفناء.." فالفرق عن النص السابق هو القول " يأتي" بدلا من "أتى"..ونشير إلى أنه في مراجع هذا الحديث عموما - وهي كثيرة - ورد القول "يأتي" بدلا من "أتى".. وما هذا في الحقيقة إلا تحريف للنص الأصلي للحديث تأثرا بالاعتقاد الذي راج خطأ عن حياة سيدنا عيسى عليه السلام في السماء؛ وهذا ما دفع بالبعض إلى الاعتراض على صحة هذا الحديث والإصرار على القول بأن عيسى (ع) لم يمت بعد.

فيبدو أن أولئك المعترضين قد نسوا أحاديث رسول الله ﷺ التي تؤكد موت عيسى (ع)..وأن أحاديثه ﷺ يجب ألّا يناقض بعضها الآخر. كما أنهم نسوا بأن الحَكَم على كل هذه الأحاديث لهو القرآن الكريم الذي هو قطعيّ الثبوت ويؤكد في الكثير من آياته أن سيدنا عيسى عليه السلام قد مات. 


إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على موت عيسى عليه السلام

أولًا: عندما توفي رسول الله ﷺ لم يُصدّق نبأ وفاته كثير من الصحابة، بل وإن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: "إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي، وإنه – والله – ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعنّ رسول الله ﷺ كما رجع موسى.." ثم جاء أبو بكر الصَّديق (رضي الله عنه) وأعلن وفاته ﷺ مستشهدا بقوله تعالى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ} فسكت الصحابة لما سمعوا أبا بكر، وحزنوا كثيرًا لتيقنهم منْ موت نبيهم.{السيرة النبوية لابن هشام:ج6،تمريض رسول الله في بيت عائشة. }

إن هذه الحادثة تدل على أمرين:
1- لم يخطر ببال أحد من الصحابة وجود عيسى (عليه السلام) حيًّا في السماء، بدليل أنَّ بعضهم تحدث عن رحلة موسى إلى الجبل، ولم يقل أحد منهم: لعل نبينا ذهب إلى السماء. وهذا يؤكد أنَّ الاعتقاد بحياة عيسى جاء متأخرًا، وكان ذلك بتأثير النصارى.

2- لم ينكر أحد من الصحابة على أبي بكر استدلاله بالآية {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُلُ} على موت الأنبياء جميعًا قبل محمد ﷺ. وهذا يؤكد إجماعهم السكوتي على موت الأنبياء جميعًا.

ثانيًا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله ﷺ فقال:… ألا وإنه يُجاء - يوم الحشر- برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: يا رب أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: "وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد " فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم. (البخاري - كتاب التفسير – باب: وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم..)

كما هو معلوم، فإن الارتداد في الإسلام حدث بعد وفاة الرسول ﷺ وليس في حياته. وقد فارق الرسول ﷺ قومه بالوفاة، فكان استدلاله بالآية دليلا على تشابه ما سيحدث معه وما حدث لعيسى (ع) الذي ترك قومه بالوفاة أيضا ولم يعلم ما الذي حدث معهم.
فلو قلنا بحياة عيسى (ع) إلى هذا الوقت فإن جوابه بأن ارتداد قومه حصل بعد وفاته يتنافى مع الحقيقة الراهنة، ولا يمكن للنبي أن يكذب. إن هذه الرواية تدل على أن النبي ﷺ وابن عباس (ر) قد فسّروا {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} بمعنى: فلَمَّا أَمَتَّني.
 


 

وما قتلوه وما صلبوه وما رفع حيا بجسده إلى السماء.. بل هاجر كما هي سنة الأنبياء

وأما القول بأن عيسى عليه السلام رُفع إلى السماء حيًّا، وسينـزل من السماء بجسده المادي في آخر الزمان مع الملائكة بكل قوة، ويغلب الناس، فهو في الحقيقة تصور باطل مأخوذ من عقيدة النصارى وليس بثابت من القرآن المجيد. فما رُفع عيسى ابن مريم إلى السماء حيًّا بجسده، وماأُلقِيَ شَبَهُه على أحد. بل علِّق على الصليب ولكنه لم يمت عليه، وأُوذِي كما أُوذي جميع الأنبياء. وقد تحمَّل عيسى ابن مريم عليه السلام الأذى لبضع ساعات لما عُلق على الصليب، ولما أُنـزل عنه كان في حالة الإغماء الشديد حتى خُيّل لهم أنه مات كما جاء في القرآن المجيد:
... ولكن شُبّه لهم...(النساء 158).. أي شُبِّه الأمر بالقتل والصلب أو شُبِّه المسيح المغمى عليه بالقتيل، ولكنه في الحقيقة كان في حالة إغماء كما أقر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: (... وما قتلوه وما صلبوه...)

لقد رُفِع عيسى ابن مريم عليه السلام بنفس الطريقة التي رُفع بها الأنبياء الآخرون. فقد قال الله عز وجل في شأن إدريس عليه السلام
(ورفعناه مكانًا عليا )(مريم: 58) ونفس المعنى لرفع عيسى عليه السلام في الآية الكريمة:

... إني متوفيك ورافعك إلي...(آل عمران: 56) إذ لا يمكن أن يكون الله محدودًا في السماء حتى يُعتقد بأنه رَفَعَ عيسى إليه في السماء. فليس هنالك ذكر للفظ السماء في الآية. وما تدل عليه هذه العبارة هو أن الله سوف يُفشل خطة اليهود بقتل عيسى عليه السلام على الصليب ليثبتوا أنه (والعياذ بالله) ملعون من الله، وسوف يَرفع درجته ويجعله من المقربين. وقد رُفعت روحه كما رُفعت أرواح الأنبياء الآخرين. وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في الموتى مع يحيى عليه السلام.

(انظر صحيح البخاري، كتاب الأنبياء)


وبعد واقعة الصليب هاجر عيسى ابن مريم عليه السلام من فلسطين إلى البلاد الشرقية (في العراق، إيران، أفغانستان، وكشمير) حيث كانت تسكن معظم القبائل الإسرائيلية المشرّدة التي قال عنها المسيح:

"ولي خِرافٌ أُخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضًا، فتسمع صوتي، وتكون رعيةٌ واحدة وراعٍ واحد."
(يوحنا 10: 16)


وبما أنه كان رسولاً إلى بني إسرائيل حسب نص القرآن الكريم فقد صدَّقه قومه حين وصل إليهم مهاجرًا، وأعطاه الله العزة في الدنيا أيضًا طِبق وعده في القرآن المجيد:

(آل عمران: 46)


وعاش وِفق القانون العام لجميع بني آدم كما قال الله تعالى:

(البقرة: 37)


(المؤمنون:51)


وقد ذكر لنا سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم عمر عيسى ابن مريم عليه السلام فقال: "إن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة، وإني لا أراني إلا ذاهباً على رأس الستين."
(كنـز العمال للمتقي الهندي رقم الحديث 32262)


كذلك فإن القرآن المجيد لا يسمح لأحد أن يصعد إلى السماوات بجسده ثم ينـزل منها. فمن المعلوم أن الكفار طالبوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرقى في السماء وينـزل عليهم كتاباً يقرؤونه دليلا على أنه صعد إلى السماء. ورد قولهم في القرآن:


(الإسراء: 94)


فلو كان الصعود إلى السماء بالجسد ممكناً لبشر، لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأجدر بأن يصعد إليها أمام أعين الكفار ليؤمنوا به. فالأمر الذي لم يُعتبر جائزًا لأفضل الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، كيف جاز لعيسى ابن مريم عليه السلام الذي كان رسولا إلى بني إسرائيل فقط؟ فسيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام أيضاً بَشَر ورسول، وقال الله تعالى مخاطباً سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم:

(الأنبياء: 35)


فكيف يستثني الله عيسى ويخلده دون سيد الخلق أجمعين؟!

 

أقوال السلف من العلماء في إثبات وفاة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام

نستعرض فيما يلي أقوال عدد من علماء السلف في وفاة المسيح عيسى عليه السلام مرتّبةً حسب الأسبقية:

الأول: قال ابن حزم في مسألة عيسى (عليه السلام) "الوفاة قسمان، نوم وموت فقط، ولم يرد عيسى (ع) بقوله {فلما توفيتني} وفاة النوم؛ فصحَّ أنّه إنّما عنى وفاة الموت" [المُحلّى لابن حزم: ج1، كتاب التوحيد، رقم المسألة 41]

الثاني: قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسير الآية { يا عيسى إني مُتَوفِّيك ورافِعُكَ إلَيَّ} (آل عمران: 55)" واْعلَمْ أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله تعالى: {ورافِعُكَ إلَيَّ} هو الرفعة بالدرجة والمنقبة، لا بالمكان والجِهة، كما أن الفوقية في هذه - الآية - ليست بالمكان بل بالدرجة والرفعة."
[التفسير الكبير(مفاتيح الغيب) للرازي: ج8، ص77/ الناشر: دار الفكر ط1: 1401هـ 1981م]

الثالث: وقال الإمام إسماعيل حَقِّي البروسوي في تفسير الآية {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} : {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} أي مستوفي أجلك، ومعناه إني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخِّرك إلى أجل كتبته لك ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم. {وَرافِعُكَ} الآن {إِلَيَّ} أي إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي، وجعل ذلك رفعا إليه للتعظيم، ومثله قوله {إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي} وإنما ذهب إبراهيم (ع) من العراق إلى الشام. وقد يُسمّى الحاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله، وكل ذلك للتفخيم، فإنه تعالى يمتنع كونه في المكان.
[تفسير "روح البيان" للبروسوي: ج2/ ص41 – الناشر: دار الفكر/ بيروت 1980م]

الرابع: يقول الإمام الآلوسي في تفسير الآية {وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل}:
"حكمُ النبي ﷺ حكمُ من سبقه من الأنبياء – عليهم السلام - في أنّهم ماتوا … كأنّه قيل قد خلت من قبله أمثاله فسيخلو كما خلوا… وجملة {قد خلت} مستأنفة لبيان أنّه ﷺ ليس بعيداً عن عدم البقاء كسائر الرسل."
[تفسير "روح المعاني" للآلوسي: ج4/ ص73 - الناشر: إدارة الطباعة المنيرية / مصر]

الخامس: يقول القِنَّوجي في تفسير الآية {وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل}:
"والحاصل أن موته ﷺ أو قتله لا يوجب ضعفاً في دينه ولا الرجوع عنه بدليل موت سائر الأنبياء قبله." وقال القِنَّوجي في تفسير الآية {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي}
" ففي زاد المعاد للحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: ما يُذكر أنّ عيسى رُفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة لا يُعرف به أثر متصل يجب المصير إليه. قال الشامي: وهو كما قال، فإنّ ذلك إنما يروى عن النصارى، والمصرّح به في الأحاديث النبوية أنه إنما رُفع وهو ابن مائة وعشرين سنة. "
[تفسير"فتح البيان" للقِنَّوجي: ج2 (سورة آل عمران) الناشر: المكتبة العصرية/ بيروت 1992م]
 

أقوال بعض العلماء المعاصرين في إثبات وفاة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام

 أدلّة من أقوال علماء القرن العشرين على موت عيسى عليه السلام:

لقد ظل كثير من المسلمين يقول بموت عيسى (عليه السلام) عبر التاريخ الإسلامي، ولم يقتصر ذلك على السلف من العلماء. وقد كثُر القائلون بذلك في العصر الحديث، بحيث رأينا كتبًا تؤلف في هذا الموضوع، وسمعنا فتاوى من كبار المشايخ حول ذلك..وفيما يلي ننقل أقوال بعض علماء القرن العشرين حسب الأسبقية:

أولًا: الأستاذ محمد عبده في تفسيره للآية {إذ قال الله يا عيسى إني متوّفيك ورافعك إليّ ومطهّرك ممن الذين كفروا} قال: الآية على ظاهرها وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده ذلك وهو رفع الروح. [تفسير المنار/ ص317 - ط3 / دار المنار بمصر]
هذا التفسير هو ما قام محمد رشيد رضا بجمعه مما تناثر ووقع في يده من دروس أستاذه "محمد عبده" في تفسير القرآن الكريم.


ثانيًا: قال الأستاذ عبد الوهاب النجّار: لقد اختلف مفسرو القرآن في قوله تعالى {يا عيسى إني متوّفيك ورافعك إليّ ومطهّرك ممن الذين كفروا}.. ثم ذكر النجّار ثمانية أوجه للاختلاف، ثم قال: والذي أختاره أن عيسى (عليه السلام) قد أنجاه الله من اليهود، فلم يقبضوا عليه ولم يُقتل ولم يُصلب، وأن الوجه الثاني وهو: أن المراد من الآية أني مستوفٍ أجلك ومميتك حتف أنفك لا أسلّط عليك من يقتلك. وإن الآية كناية عن عصمته من الأعداء هو الوجه الوجيه الذي يجب أن يصار إليه، لأنه المتبادر من المقام والذي يحقق إحباط الله لتدبير أعدائه كما قال تعالى {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين}. [قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار/ ص423 - ط3/ دار إحياء التراث العربي- بيروت]

ثالثا: كتب الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تفسيره للآية 144 من سورة آل عمران: {وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ } "أي أن محمداً ليس إلا بشرا قد مضت الرسل قبله فماتوا وقُتل بعضهم كزكريا ويحيى ولم يكتب لأحد من قبلهم الخلد. أفإن مات كما مات موسى وعيسى وغيرهما من النبيين، أو قُتل كما قُتل زكريا ويحي، تنقلبوا على أعقابكم راجعين عمّا كنتم عليه؟ [تفسير المراغي، الجزء الرابع ص87 / الناشر مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1946م]

رابعًا: قال الشيخ عبد الله القيشاوي في مناظرته مع القس الفريد نيلسن: "فليس المراد من صعود المسيح ورفعه إلى الله صعوده ورفعه إليه في السماء بجسمه العنصري وهو حيّ كما فهمه المسيحيون وبعض المسلمين" [أفكار المؤمنين في حقائق الدين، للقيشاوي: ج2، ص5/ المطبعة الأمريكانية - بيروت 1939م]

خامسًا: قال محمود شلتوت - مفتي الأزهر الشريف - في فتواه الشهيرة: "ليس في القرآن الكريم، ولا في السنّة المطهرة مستند يصلح لتكوين عقيدة يطمئن إليها القلب بأنَّ عيسى رفع بجسمه إلى السماء، وأنَّه حي إلى الآن فيها، وأنه سينزل منها في آخر الزمان إلى الأرض"
[محمود شلتوت: الفتاوى/ دار الشروق- القاهرة- ط 2004م/ ص65]

وقال محمود شلتوت بأن السيد رشيد رضا قال: "ليس في القرآن نص صريح في أنّ عيسى رفع بروحه وجسده إلى السماء حيًّا.. وليس فيه نص صريح بأنه ينزل من السماء، وإنَّما هي عقيدة أكثر النصارى، وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهور الإسلام بثها في المسلمين"

وقال أيضًا: إن المغفور له الأستاذ الأكبر الشيخ المراغي قد كتب بمناسبة السؤال الذي رفع إليه وكان سببًا في فتوانا، إجابة جاء فيها:" ليس في القرآن الكريم نص صريح قاطع على أن عيسى (عليه السلام) رُفع بجسمه وروحه، وعلى أنه حيّ الآن بجسمه وروحه. وقول الله سبحانه: { إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ } الظاهر منه أنه توفاه وأماته ثم رفعه، والظاهر من الرفع بعد الوفاة أنه رفع درجات عند الله كما قال في إدريس (عليه السلام) {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} وهذا الظاهر ذهب إليه بعض علماء المسلمين فهو عند هؤلاء توفاه الله وفاة عادية ثم رفع درجاته عنده، فهو حي حياة روحية كحياة الشهداء وحياة غيره من الأنبياء.. وعلى ذلك فلا يجب على المسلم أن يعتقد أن عيسى (عليه السلام) حيّ بجسمه وبروحه، والذي يخالف في ذلك لا يُعد كافرًا في نظر الشريعة الإسلامية.
[المرجع السابق/ ص81 - 82]

سادسًا: قال سيد قطب بعد تفسيره للآية {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}

"والنص صريح هنا في موت عيسى وبعثه. وهو لا يحتمل تأويلا في هذه الحقيقة ولا جدالا"
[في ظلال القرآن، سيد قطب: [سورة مريم (19) : الآيات 1 إلى 40] ج4- ص2308/ الناشر: دار الشروق في القاهرة سنة 1424هـ - 2003 م]

سابعًا: قال الدكتور محمد محمود الحجازي في تفسيره لقوله تعالى {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ
الْمَاكِرِينَ* إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ.. } ما يلي:

"مكر الله بهم إذ قال الله يا عيسى: إني موافيك أجلك كاملاً ولن يعتدي عليك معتدٍ أبدًا. فهذه بشارة له بنجاته من مكرهم وتدبيرهم. ورافعك في مكان عليّ، فالرفع رفع مكانة لا مكان، كما قال تعالى في شأن إدريس (عليه السلام): {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (مريم: 57) وكقوله في المؤمنين - {الْمُتَّقِين} - :{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} (القمر: 55)
[التفسير الواضح، للدكتور الحجازي: ج1، ص 236- ط 10/ دار الجيل الجديد- بيروت]

ثامنًا: وقال الشيخ محمد الغزالي: " وظاهر القرآن أن عيسى مات، والقول بأنه حي في مكان ما أو في السماء لا دليل له..وهذا رأي أهل الظاهر عندنا، وهو عندي أرجح من القول بأنه حي الآن. [مائة سؤال عن الإسلام، محمد الغزالي: جواب س 63، ص277/ ط4 - نهضة مصر للطباعة والنشر]


تاسعًا: ذكر الدكتور أحمد شلبي أقوال عددٍ من العلماء الذين قالوا بموت عيسى (ع) نذكرُ منها:

ويقول الآلوسي: إنَّ قوله تعالى {إنَّي متوفيك} معناه على الأوفق: إنَّي مستوفٍ أجلك، ومميتك موتًا طبيعيًا، لا أسلط عليك من يقتلك، والرفع الذي كان بعد الوفاة، هو رفع المكانة لا رفع الجسد، خصوصا وقد جاء بجانبه قوله تعالى {ومطهرك من الذين كفروا} ما يدل على أنَّ الأمر أمر تشريف وتكليف.
[مقارنة الأديان (2) المسيحية، د. أحمد شلبي: مكتبة النهضة المصرية، ط10، 1998م/ ص64]

ومنها أيضًا: ويرى ابن حزم – وهو من فقهاء الظاهر- أنَّ الوفاة في الآيات تعني الموت الحقيقي، وأنَّ صرف الظاهر عن حقيقته لا معنى له، وأن عيسى - بناء على هذا – قد مات.[المرجع السابق]

ومنها أيضًا: ويختم الأستاذ محمد أبو زهرة كلامه بقوله إنَّ نصوص القرآن لا تُلزمنا بالاعتقاد بأنَّ المسيح رفع إلى السماء بجسده.
[المرجع السابق/ ص66]

ومنها أيضًا قول الباحث الأستاذ محمد الغزالي:" أميل إلى أن عيسى مات، وأنه كسائر الأنبياء مات ورُفع بروحه فقط، وأن جسمه في مصيره كأجساد الأنبياء كلها. وتنطبق عليه الآية {إنك ميت وإنهم ميتون} والآية {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل}وبهذا يتحقق أن عيسى مات."
[المرجع السابق/ ص67 - 68]

وبناءً على ما تقدَّم قال الدكتور أحمد شلبي:
ومن رأيي أنَّه خيرٌ لنا نحن المسلمين …أن نرى الرأي الذي يقول إنَّ عيسى مات..وإنه كغيره من الأنبياء لا يحيا إلّا بروحه فقط، حياة كرامة، وحياة رفعة الدرجة. [المرجع السابق، ص68]

 

 

المراد من نـزول عيسى ابن مريم عليه السلام

ما دام القرآن الكريم والحديث يؤكدان أن المسيح الناصري عيسى بن مريم عليه السلام قد مات كما مات جميع الأنبياء وأن الموتى لا
يرجعون إلى هذه الدنيا أبدًا، فلا يجوز أن يُفسر لفظ النـزول الذي قد ورد في الأحاديث عن عيسى ابن مريم بمعنى نـزوله بجسده
المادي من السماء.

ذلك أن أكثر الأحاديث الواردة في شأن الدجال ونـزول المسيح ابن مريم وعلامات ظهوره إنما هي من قبيل الاستعارة والمجاز، ولا يمكن أن تُحمَل على ظاهرها وأكثرها تتطلب التأويل. وإنما المراد من نـزول عيسى ابن مريم هو بعثة رجل آخر من أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم يُشبِه عيسى ابن مريم في صفاته وأعماله وحالاته. وقد ظهر هذا الموعود في قاديان في الهند باسم ميرزا غلام أحمد عليه السلام. فكان هو المسيح الموعود والإمام المهدي للأمة المحمدية الذي وَعَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعثته قائلاً: "لا المهدي إلا عيسى".

(ابن ماجه، كتاب الفتن)


لقد انتظر اليهود أيضًا نـزول إيلياء (إلياس) عليه السلام من السماء ثانية، ليكون نـزوله علامة على اقتراب مجيء المسيح عليه السلام فيهم. ولما جاء المسيح دون أن ينـزل إيليا من السماء، أنكروه محتجين بعدم مجيء إيلياء ثانية من السماء، فقال لهم مشيرا إلى يوحنا (يحيى عليه السلام): هذا هو إيلياء الموعود لكم قبل نـزول المسيح، لأنه يشبه إيلياء في صفاته وحالاته وأعماله. وتكرر ذلك مع المسيح الموعود والإمام المهدي الذي جاء مثيلا لعيسى ابن مريم عليه السلام.وقد ظن كثير من المسلمين أن المسيح نفسه لا بدّ أن ينـزل من السماء، فقد وقعوا في الخطأ ذاته.

 

انتظروا.. إنا معكم منتظرون

لقد ألّف حضرة المؤسس عليه السلام كتابا أسماه "المسيح الناصري في الهند" بيّن فيه كل ما يتعلق بعيسى بن مريم عليه السلام ودلائل نجاته من الموت على الصليب وهجرته إلى بلاد المشرق وإلقائه عصا التسيار في كشمير وموته ودفنه هناك. وقد قدم دلائل على هذا الأمر من القرآن الكريم، والحديث الشريف، والكتاب المقدس بعهديه، وكتب التاريخ والطب وغيرها من الكتب والآثار.

كما أن وفاة المسيح عليه السلام ودلائلها كانت من المواضيع الهامة التي ناقشها حضرته في العديد من كتبه. وبعد أن قدم كل هذه الجهود في سبيل القضاء على عقيدة حياة المسيح في السماء، بين بأن من ينتظرون المسيح عليه السلام لينـزل من السماء سيطول انتظارهم، فقال حضرته عليه السلام ما تعريبه:

"إن فكرة نـزول المسيح الموعود من السماء لفكرة باطلة تماما. اعلموا جيدًا أنه لن ينـزل من السماء أحدٌ. إن جميع معارضينا الموجودين اليوم سوف يموتون، ولكن لن يرى أحد منهم عيسى بن مريم نازلاً من السماء أبدًا، ثم يموت أولادهم الذين يخلفونهم، ولكن لن يرى أحد منهم أيضًا عيسى بن مريم نازلاً من السماء، ثم يموت أولاد أولادهم، ولكنهم أيضًا لن يروا ابن مريم نازلاً من السماء. وعندئذ سوف يُلقي الله في قلوبهم القلقَ، فيفكرون أن أيام غلبة الصليب قد انقضت، وأن العالم قد تغيَّر تمامًا، ولكن عيسى بن مريم لم ينـزل بعد؛ فحينئذ سوف يتنفّر العقلاء من هذه العقيدة دفعةً واحدة، ولن ينتهي القرن الثالث من هذا اليوم إلا ويستولي اليأسُ والقنوط الشديدان على كل من ينتظر عيسى، سواء كان مسلمًا أو مسيحيًّا، فيرفضون هذه العقيدة الباطلة؛ وسيكون في العالم دين واحد وسيد واحد.

وإنني ما جئت إلا لزرع البذرة، وقد زُرعتْ هذه البذرة بيدي، والآن سوف تنمو وتزدهر، ولن يقدر أحد على أن يعرقل طريقها".

(تذكرة الشهادتين الخزائن الروحانية ج 20 ص 67)

 

 


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة