loader
 

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله. هل هناك تفسير للآية الكريمة: "وعلى الذين يطيقونه فدية" مختلف عن تفاسير أهل السنة والجماعة

قال تعالى : {... وَعَلَى ٱلَّذِینَ یُطِیقُونَهُۥ فِدۡیَةࣱ طَعَامُ مِسۡكِینࣲۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَیۡرࣰا فَهُوَ خَیۡرࣱ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ } (البقرة:185)

الجواب باختصار: "يطيقونه" أي الذين يؤدي بهم الصوم إلى العناء الشديد بسبب ضعفهم نتيجة لمرض دائم أو مؤقت. فمعلوم أن المرضى في معظم الحالات لو صاموا فلن يموتوا، ولكنهم سيعانون بشدة مما يجعلهم غير قادرين على الاستفادة من الصيام الذي هدفه أن يكون الإنسان واعيا متيقظا مهتما بالتقوى، وأن تُشحذ فيه القوى الروحانية والرغبة للقيام بالعبادات والتقرب إلى الله تعالى. فإذا حالت المعاناة الجسدية دون ذلك، وأفقدت الإنسان قواه أو أصبح في حالة لا يقدر فيها على ممارسة حياته بصورة طبيعية، بسبب المرض الشديد، فهؤلاء ينبغي ألا يصوموا، ويجب ألا يقولوا إننا نطيق ونقدر ولن نموت! ويظنوا أنهم سيؤجرون على هذه المشقة. فالله تعالى قد لخص الأمر بقوله: 
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة 186)
فالمشقة إن وجدت أحيانا بسبب الحر الشديد مثلا أو لظروف معينة فليست هي المقصودة من الصيام.

وقد تناول سيدنا الخليفة الثاني رضي الله عنه تفسير الآية من منظور اجتهادي راجح عن اجتهادات المفسرين التقليديين فقال:

{وعندي أن أطاق يطيق من باب الإفعال، ومن خصائص هذا الباب سلب المعنى العادي وإعطاء المعنى المضاد فيعني قوله تعالى (الذين يطيقونه).. الذين سُلبت قوتهم وضاعت ولا يطيقون ..الصوم.. فلهم ألا يصوموا ولكن ما داموا يتركون الصوم بمحض الاجتهاد الذي فيه احتمال الخطأ، وليس بمرض ظاهري وإنما بناء على خوف متوقع، لذلك عليهم أن يُكفّروا عن هذا الخطأ الاجتهادي بتقديم طعام كفدية إن استطاعوا ذلك. وهناك معنى آخر فتحه الله علي.. ذلك أن الضمير في (يطيقونه) يعود على الصوم، والمراد أن الذين مرضهم شديد وسفرهم شاق .. عليهم (عدة من أيام آخر).. فيكملون ما فاتهم من صيام في أيام أخر، ولكن المصابين بمرض عادي بسيط أو عند  الذين خرجوا لسفر غير شاق غير صائمين فعليهم أن يقدموا طعام مسكين فدية.. ذلك لأنه من المحتمل أن يكونوا مخطئين في ترك الصوم، ويظنون أنهم مرضى ولكنهم الله ليسوا في مرض يعفيهم من الصوم، أو يظنون أنهم على سفر ولكنهم ليسوا عند الله في سفر. وما دام قرارهم معرّضا لاحتمال خطأ في كل حال.. فيجب على هؤلاء إذا كانوا قادرين على الصوم أن يكملوا عدة أيام الصيام الفائتة في أيام أخر .. ذلك فضلا عن أن يطمعوا مسكينا حتى يكون كفارة لخطأ محتمل من جانبهم. لا تُسقط عنه - أما إذا كان الضمير في (يطيقونه) راجعا إلى (فدية طعام مسكين) كما قال الــشـاه ولي الله الدهلوي.. فليس المراد من الفدية صدقة الفطر، وإنما يكون قولـه تعـالى (فدية طعام مسكين) متعلقا بقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر) والمعنى: وإن كان قد رُخص للمريض والمسافر بالصيام في أيام أخرى.. ولكن مَنْ كان في سعة وقادرا على إطعام شخص فليطعم مسكينا فدية لتركه الصوم أياما من رمضان. أما إذا لم يكن عنده القدرة على إطعام مسكين فلا معنى ولا مجال لأداء فدية لصيام رمضان. وإذا كان المانع مؤقتا وزال فيما بعد فلا بد أن يصوم، فالفدية الصوم الفائت، وإنما هي فدية لأنه لم يستطع بسبب عذر شرعي . أن يشترك في العبادة مع سائر المسلمين في هذه الأيام المباركة. فالأعذار على نوعين: عذر مؤقت وعذر دائم، ويجب أداء الفدية بشرط القدرة عليه سواء كـــــان العذر مؤقتا أو دائما. أما إذا زال العذر ولو بعد سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات فعليه أن يصوم أيضا، وإن أدى الفدية.. اللهم إلا إذا كان عذر المرض مؤقتا مـــــن قبل.. وكان ينوي الصوم عندما يسترد صحته غدا أو بعد غد.. ولكـــن تدهورت أكثر. وهذا هو مذهب الإمام المهدي والمسيح الموعود إذ كــان يــؤدي الفدية دائما للأيام الفائتة في رمضان وبعد ذلك يصوم أيضا؛ وهذا ما كان ينصح به الآخرين (الملفوظات شرح الكلمات: ٣ ص ٥٦٣). وكلمة (الذين) في قوله (وعلى الذين يطيقونه يمكن أن تكون بدلا من الفئتين: إما من المذكورين في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام)، أو صحته 

المذكورين في قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر). ولو اعتبرناها بدلا من (الذين آمنوا فالمعنى أن الذين يُعانون صعوبة بالغة في الصيام لضعفهم ويقعون بسببه في مشقة شديدة عليهم ألا يصوموا، بل يعطوا فدية طعــــام مــسكين. وإذا اعتبرناها بدلا من فمن كان منكم مريضا أو على سفر) فالمراد أن المرضى والمسافرين الذين يقدرون على أداء الفدية عليهم أن يؤدوها إلى جانب الصيام في أيام أخرى فمن الأمراض والأسفار ما يكون ترك الطعام فيه اجتهادا مشتبها. وقد ورد في الأحاديث أن بعض المشتبهات تندرج تحت المحارم.. لأن الذي يصل إلى حد المشتبهات يتدرج إلى المحارم أيضا (البخاري، البيوع). فإذا كان سفرهم أو مرضهم من الأمور المشتبهة المشكوك فيها، فعليهم أن يؤدوا الفدية، ويستفيدوا من هذه الرخصة، فلا يصوموا في أيام رمضان وإنما يصومون الأيام الفائتة في فرصة أخرى. قوله تعالى (فمن تطوع خيرا فهو خير (له أي أن الذي يعمل الحسنات ببشاشة له) وشوق، ولو تكلّفًا في بادئ الأمر ومع شعور بثقل على نفسه، فسوف يرى أن هذه الحسنة تأتي له بنتائج جيدة. فالتطوع في اللغة العربية يعني أن يُثقل الإنـسـان على نفسه ويتكلف الطاعة المفردات). فالله ينبه هنا إلى أن الإنسان إذا لم يقدر على العمل الحسن بانشراح الصدر .. فعلى الأقل يُكره نفسه عليه ويُظهر بشاشة في وجهة ولو تكلّفا، ولو فعل ذلك فتح ا الله له طرق الخير والبركة، أي أنه يرتقي في الحسنات حتى يصل إلى مقام يصبح فيه فعل الخير غذاء لروحه، ويسهل عليه تلبية النداء إلى أعمال الخير بمثل ما يسهل على المؤمنين الكمل. إلا أن هناك معنى آخر للتطوع وهو أن يتبرع المرء بعمل ما لم يُلزم به. صرح بذلك الإمام الراغب في كتابه الشهير (المفردات). وبناء على هذا فالمعنى أن الذي يقــوم بأعمال الخير نافلة فهذا خير له. لقد أمرنا بالصوم في شهر رمضان وإطعام مسكين كفدية.. ولو زاد أحد على ذلك احتسابا الله فله ذلك.. يمكنه أن يطعم مسكينين بدلا من مسكين واحد كفدية أو يصوم رمضان وأيضا يطعم مسكينا ثوابــا واحتسابًا، أو يصوم أياما أخرى علاوة على صوم رمضان، فكل هذه أعمال يثاب صاحبها، ويمكن لأي مؤمن أن يشترك فيها قدر المستطاع لينال بها رضوان الله. وقوله تعالى (وأن تصوموا خير لكم.. يفسره البعض: لو صمتم فهو خير لكم. ولكن هذا المعنى غير صحيح، وإلا لقيل وإن تصوموا) بدلا من (وأن تصوموا) وإنما المعنى الصحيح لو أدركتم وعرفتم فإن الصيام خير لكم. أي أننا مهدنا لأمر ذي بركات وخير كثير .}

(من التفسير الكبير ج 2)


 

خطب الجمعة الأخيرة