loader
 

السؤال: متى يكون المحظور واجباً؟
وماتفسير الآية 151من سورة الأنعام؟

الممنوع شرعا لا يكون واجبا  مباحا بالضرورة إلا فيما انعقد دليل إجازته مؤقتا بالاضطرار إليه بما يدفع به الانسان هلاك نفسه ومثاله قوله تعالى:

{وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَیۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَیۡهِۗ وَإِنَّ كَثِیرࣰا لَّیُضِلُّونَ بِأَهۡوَاۤىِٕهِم بِغَیۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِینَ} الأنعام :120

 أما تفسير قوله تعالى :

{قُلۡ تَعَالَوۡا۟ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَیۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡـࣰٔاۖ وَبِٱلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنࣰاۖ وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَوۡلَـٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَـٰقࣲ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِیَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُوا۟

ٱلۡفَوَ ٰ⁠حِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ}

جاء في التفسير الصغير لحضرة الخليفة الثاني بشير الدين رضي الله عنه  :

"لقد قدَّم القرآن الكريم فيما سبق الأوامر والنواهي في شريعة الإسلام المتعلقة بثمار الأرض ولحوم الحيوانات إزاء ما وضعه الإنسان من قوانين، وهنا يقدم وصايا ومحظورات عامة. ومما يجدر ملاحظته أن ما جاء من وصايا  بعد قوله تعالى ]تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ[ هي الأمور التي يطالبنا الله تعالى القيام بها وليست تلك التي يحرِّمها علينا، لذا فهي على العكس من  الأوامر المنهي عنها في الآية الكريمة. لقد ذُكرت الوصايا بوضوح متضمنةً أيضًا ما يقابلها من محظورات. فمن ناحية استخدمت الآية كلمة ]حَرَّمَ[ ومن ناحية أخرى أتبعتها بوصايا موجبة وبهذا جمعت الآية الكريمة بين كل من الوصايا والمحظورات وجذبت انتباه القارئ للأمرين معًا.

ومن الممكن ترتيب الآية بشكل آخر فتنتهي الجملة الأولى منها بقوله تعالى ]مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ [أي يكون الجزء الأول من الآية الكريمة هو ]قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ[، ثم الجملة التالية تبدأ بـ ]عَلَيْكُمْ[ أي تكون بقية الآية ]عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[.

لقد جاء ترتيب الوصايا في الآية الكريمة بشكل رائع يلفت الانتباه، حيث تبدأ الأوامر بقوله تعالى ]تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ[. وكلمة "رب" في اللغة العربية تعني "الخالق و المُدبِّر والمُرَبِّي" (انظر سورة الفاتحة الآية2) ولقد جاء ترتيب الوصايا في الآية الكريمة مراعيًا كون الله تعالى"المُدبِّر والمُرَبِّي". فالوصية الأولى هي ]عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا[ تتعلق بالمرَبِّي الأعظم أي الله تعالى. أما الوصية الثانية فهي تخص المربي الأصغر أي الوالدين، وكلمة "إِحْسَان" تُوضح أن رعاية الوالدين المقصودة في قوله تعالى ]وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[ يجب أن تكون على أفضل وجه، فكلمة "إِحْسَان" تعني لغويًا: "القيام بالشيء على أتم وجه".

ثم تأتي بعد ذلك التوصية بأولئك الذين يُدبر أمرهم ويربون بواسطة المربي الأصغر -الوالدين- أي الأولاد، ولقد أُمر الوالدان بحسن رعاية وتربية أولادهم كما يشير إلى ذلك قوله تعالى ]وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ[. في حقيقة الأمر إن مَن يُهمل تربية أولاده مخافة الفقر فهو فعليًا يقتلهم. وإذا كان على الأولاد أن يحسنوا رعاية والديهم، فبالمثل يجب على الوالدين أن يحسنوا تربية أولادهم. والضمير في قوله تعالى ]نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ[ يعود على الوالدين، أما في قوله تعالى ]وَإِيَّاهُمْ[ يعود على الأولاد، ولقد جاء الحديث إلى الآباء أولاً قبل الأولاد ليلفت الانتباه إلى حقيقة أن عطاء الله تعالى للآباء يؤكد على أنه سبحانه وتعالى سوف يُعطي الأبناء أيضًا.

الوصية التالية جاءت في قوله تعالى ]وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ[. "الفواحش" جمع "فاحشة"، ومن معانيها: الزِنا (انظر سورة النساء الآية 16) وهو شكل آخر من قتل الأولاد. إن الرجل الذي يرتبط بعلاقة آثمة مع امرأة أخرى غير زوجته لا يدمر ذريته فحسب بل إنه يهمل زوجه أيضًا مما يؤثر قطعًا على قدرته على إنجاب الأطفال من زواج شرعي. كذلك أطفال الزنا  الذين ينجبهم الرجل من امرأة غير زوجته لا يعتد بهم ولايعتني بهم حقًا. وقوله تعالى ]مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [المتعلق بالفواحش يشير على الترتيب إلى العلاقة مع المومسات والعلاقات السرية مع نساء غير الزوجة.

بعد تناول العلاقة مع الوالدين والأبناء يأتي الحديث عن العلاقة مع الزملاء والأصدقاء وهو ما أشار إليه قوله تعالى ]وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ[. هذه الوصية تتطلب منا أن نعامل أصدقاءنا وزملاءنا وأفراد مجتمعنا بالعدل والإنصاف. إن كلمة ]وَلَا تَقْتُلُوا[ لا تعني فقط النهي عن إزهاق أرواح الآخرين بالفعل، بل تفيد أيضًا النهي عن محاولة الاعتداء عليهم أو إلحاق الأضرار بهم أو مقاطعتهم..إلخ. (انظر معنى: قتل – البقرة: 62 وآل عمران: 155 والنساء: 158)

وقوله تعالى ]إِلَّا بِالْحَقِّ[ عند معرض الحديث عن القتل يعني أن لا تقتلوا شخصًا إلاَّ إذا اقترف جرمًا يستوجب القصاص منه بالقتل. فعلى سبيل المثال إذا ارتكب شخصٌ جريمة القتل فإنه يُقتل عقابًا على جريمته بأمر من السلطات المسئولة فقط، وكذلك عند مقاطعة شخص فإن هذا يتم بأمر من الأشخاص أو السلطات المسئولة عن ذلك أيضًا، وليس من حق أي أحد أن يأخذ القانون بيده هو. "

(التفسير الصغير)


 

خطب الجمعة الأخيرة