السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته!
لقد تلقيت منكم، أيها الأعزاء، إجابة على سؤالي الذي أرسلته حول الزواج المؤقت. شكرًا لكم.
نحن نعلم يقينًا ونؤمن بأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يأمر صحابته أبدًا بأي عمل غير شرعي يتجاوز أحكام القرآن.
لكن لدي سؤال آخر: ما هو الحكم الشرعي بشأن ما ورد في الروايات التاريخية المذكورة في كتب التفسير والحديث، بأن حضرة علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، الذي كان عالمًا بأحكام القرآن والسنة، والذي منحه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المقام الرفيع بلقب "باب العلم"، عندما أُرسل إلى اليمن في السنة العاشرة من الهجرة، قام بتوزيع الغنائم، ووفقًا لمعنى الحديث، دخل في علاقة جنسية مع إحدى الجواري؟
ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، ثنا روح بن عبادة، ثنا علي بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا، فأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له. فقال: يا بريدة تبغض عليا؟". فقلت: نعم. فقال: "لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك". انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عبد الجليل قال: انتهيت إلى [ص: 392] حلقة فيها أبو مجلز، وابن بريدة، فقال عبد الله بن بريدة: حدثني أبي بريدة قال: أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط. قال: وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا. قال: فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا. قال: فأصبنا سبيا. قال: فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابعث إلينا من يخمسه. قال: فبعث إلينا عليا، وفي السبي وصيفة من أفضل السبي. قال: فخمس وقسم، فخرج ورأسه يقطر، فقلنا: يا أبا الحسن، ما هذا؟ فقال: ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي، فإني قسمت وخمست فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صارت في آل علي، ووقعت بها. قال: فكتب الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ابعثني. فبعثني مصدقا، فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدق. قال: فأمسك يدي والكتاب فقال: "أتبغض عليا؟" قال: قلت: نعم. قال: "فلا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة". قال: فما كان من الناس أحد بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي من علي. قال عبد الله بن بريدة: فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث غير أبي بريدة. تفرد به بهذا السياق عبد الجليل بن عطية الفقيه أبو صالح البصري; وثقه ابن معين وابن حبان، وقال البخاري: [ص: 393] إنما يهم في الشيء بعد الشيء.
ما هو الحكم الشرعي في هذا الأمر؟
شكرًا لكم مقدمًا على الإجابة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته!
ليس فيما صدر عن سيدنا علي رضي الله عنه ما يخالف أحكام الشريعة .. ثم إن كل ما تفيده الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى خالد ابن الوليد لأخذ الخمس وفق ما أمر الله تعالى به في التنزيل:
{وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَیۡءࣲ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا یَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ یَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ} الأنفال:41
حيث كان الخمس يقسم إلى خمسة أسهم: لله وَلِلرَّسُولِ، وَلِقَرَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِلْيَتَامَى ، وَلِلْمَسَاكِينِ ،وَلِابْنِ السَّبِيلِ، ويشمل ذلك كل ما يغتنم في الغزوات الدفاعية من متاع مادي .و,إذا أخذ علي كرم الله وجهه أمةً من هذا السبي كملك لليمين فكيف يلام على أمر أباحه الله تعالى له في الشريعة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * ﴾ المؤمنون: 30- 32
ثم إن الاسلام قد أجاز للمسلمين الزواج من السبايا والسراري اللائي يقعن في الأسر نتيجة الحروب التي تثار ضد الاسلام لحماية أخلاق الرجال والأسيرات من الفساد، وقد وضع الاسلام ضوابط لهذه العلاقة الزوجية ومنها التأكد قبل اقامة علاقة معهن أنهنّ لسنا ذوات حمل مستبرئات أرحماهن كيلا تختلط الأنساب..
وقد وهم الراوي أن عليا قد وقع على الجارية من غير استبراء أو غلا وطمعا في الغنيمة مما يخالف أحكام الاسلام وهذا كله باطل ومما لا ينبغي اتهام سيدنا علي رضوان الله عليه به مع مكانته وفقهه بأحكام الدين وقرابته .. ولعل ما يستفاد من هذه الروايات التي اتيتم على ذكرها وجوب حسن الظن ووجوب التبيّن، لأن هذا الصحابي الذي أبغض عليا على فعله وصنيعه إنما صدر عنه هذا الشعور بوهمه لأنه رآه أخذ من المغنم فظن أنه غالّ، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ أقلّ من حقه في الخمس مما يتوجب له من نصيب مفروض في حق آل محمد صلى الله عليه وسلم أحبّه وزال بغضه له. أما استنكار اصطفائه سبيئة واستحلالها فلظنّه أنه استحلها متسرعا من غير استبراء،وهذا كله من الظنون التي زالت عند عرض الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم. اذ لو أحسن الظن لرجّح أن تكون وصيفته تلك بكراً أو حاضت عقب صيرورتها ثم طهرت مما يبيح زواجه منها كأمة.
الحقيقة أن هذه الروايات تحتوي درسا في النهي عن اضمار أو اظهار البغض للصحابة وسوء الظن بهم ،ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بولاية علي ويوليه مهمات شريفة :{ من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه} و{أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها}و {أنت مني بمنزلة هارون من موسى وذلك في مناسبات مختلفة للرد على مطاعن زلات الحاسدين والمنافقين الذين يشكونه للنبي صلى الله عليه وسلم .