السؤال: ارجو شرح الاية من سورة التوبة(انما النسي زيادةٌ في الكفر يضل به الذين كفرو)
قال الله تعالى : { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (التوبة: 36-37)
كان من عادة العرب قبل الاسلام الامتناع عن الحرب في الأشهر الحرم : رجب ،ذو القعدة ، ذو الحجة ، ومحرم ، حتى يتنسى لهم القيام بأعمال كالعمرة والحج بحرية وسلام وعند مجيء الإسلام أبقى على هذه العادة الحسنة التي هي سبيل للسلم والصلح نظرا لكونها من شعائر النبي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.. وقوله تعالى{ فلا تظلموا فيهنّ أنفسكمْ} أي لا تنتهكوا حرمة هذه الأشهر بالقتال فيها..
والمقصود بقوله تعالى{ إنما النسيء زيادة في الكفر}أي أنّ التغيير والتلاعب في هذه الأوقات التي يحرم فيها الحرب والقتال جرم كبير إذ كانت العرب تبدّل في هذه المواقيت بتأخير أو تأجيل الشهر إلى شهر آخر للتنصّل من قيود السلم التي تحول بينهم وبين خوض أعمال الغزو والغنائم.
جاء في التفسير الصغير لسيدنا الخليفة الثاني رضي الله عنه:
النَّسِيء: إسم من "نسأ" بمعنى أخَّرَ أو أرجأ أو أجَّلَ. يقولون "أنسأ الله أجله" أي أخَّرَ الله موته أي أطال في عمره. يقول العرب: "بايعه بنسيئة" أي باع له وأخَّرَ له دفع الثمن. لذا فإن كلمة "نسيء" تعني التأخير أو التأجيل وتعني كلمة "النَّسِيءُ": التأخير أو التأجيل؛ شهر كانت العرب في الجاهلية تؤخِّره حيث كانوا يؤخرون المحرم (وهو من الأشهر الحرم التي يُحرم فيها القتال) إلى صفر ليقاتلوا فيه لأنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهرٍ حُرُمٍ (وهي ذي القعدة وذي الحجة والمحرم) لا يغيرون فيها لأن معاشهم كان من الغارة؛ تأخير وقت الحج وهي عادة أخرى كانت للعرب في الجاهلية؛ تأجيل سداد الدين أو تأخير وقت دفع الثمن لشيء ما (موسوعة لين وأقرب الموارد).
{تشير هذه الآية كما ذُكر تحت شرح الكلمات إلى عادة قديمة من عادات العرب. إذ كان يبدو أحيانًا أن الشهور الحرم الثلاثة المتعاقبة ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم بالنسبة لهم فترة طويلة لا يستطيعون أن يمتنعوا خلالها من جميع حملاتهم العدوانية. ولكي يحرروا أنفسهم من قيود الشهور الحرم، كانوا أحيانًا يعتبرون أحد الشهور الحرم شهرًا عاديًا ويستبدلونه بتحريم أحد الشهور العادية. وقد أدانت الآية هذا التصرف باعتباره تحايلاً وتدخلاً في حرمة الحياة التي تضمنها هذه الشهور الأربعة. وكان الإجراء المتّبع لتأجيل حرمة شهر من الشهور كما يلي: عندما يعود الحجيج من منى في شهر ذي الحجة بعد القيام بمراسم الحج، يقوم رجل من ذوي النفوذ من بين الجموع، وكعادة العرب يقول: ”أنا الذي لا يُرد له قضاء“. وحينئذ يطلب منه الجموع أن ينقل حرمة الشهر التالي.. أي المحرم.. إلى الشهر الذي يليه.. أي شهر صفَر. وبهذا تُنقض حرمة الشهر الذي حرمه الله بغير أية عقوبة. ولم يكونوا العرب يلجأون إلى هذا الخداع كل عام، وإنما كلما كان ذلك يلائمهم ويتفق مع مصالحهم. وقد أدان القرآن هذا الإجراء باعتباره بدعة فاسدة، ودليل يدل على عدم جدارة الوثنيين العرب بالثقة، فلأنهم لا يحافظون على ما قضى به الله تعالى، فلا يُتوَقع منهم أن يحافظوا على عهودهم مع المسلمين.}
(التفسير الصغير، تفسير سورة التوبة)