loader
 

السؤال: ما هي عقيدة الولاء والبراء ؟
وما معنى اية قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُؤا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً) (الممتحنة: من الآية4)
هل يجب بغض اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار فقط من اجل دينهم ؟
ولماذا البغض ؟

الولاء مَصدرُ وَليَ وله معان كثيرة تدخل في معنى القرب والمحبة والنّصرة، والبراء بمعنى المُزايلة والمباعدة عن الشيء ظاهرا أو باطنا..

وفي ضوء هذه المعاني كان الإسلام يوجب ولاء وبراءا بمعناه الصحيح الذي يحثُّ المسلم أن يحب ما يحبه الله ورسوله من الفضائل والمحامد الإيمانية وبغض ما يبغضه الله ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان.. ورد في الحديث عن النبي ﷺ  : { إنّ أوثق عُرى الإيمان أن تحبّ في الله وتبغض في الله} (مسند أحمد)..

 لقد التبس على أدعياء السلفية معنى الولاء والبراء إلى مسلك التنطّع والتشدد بما يتعدى الضوابط التي وضعها القرآن الكريم والنبي ﷺ والذي يتحدد فيه موقف المسلم من الكافر من حيث كونه مسالما أو محاربا، غير أنّ هؤلاء زعموا أنّ الإسلام يوجب البراء من المخالفين كلهم وإظهار العداوة لهم بالجوارح واللسان بل والتضييق عليهم في الطرقات بل وجواز الكذب والتجهّم في وجوههم لعلّة المخالفة في الدين حتى يقبلوا الاسلام وهذا التأصيل لعقيدة الولاء والبراء باطل كما يقدمونه،ولا يقبله الإسلام الذي نصّ في آيات كثيرة على مبدأ الحرية الدينية وعدم الإكراه في الدّين كمبدأ شرعي ثابت..

الحقيقة أنّ الإسلام علّل النهي عن موالاة فئة المعتدين المحاربين من أهل الكفر دون سواهم براءة من مظاهرتهم ومناصرتهم على المسلمين بما يظهر أو يصدر منهم من ظلم وعدوان وفسوق وعصيان، وهذه جملة من الشواهد القرآنية في نقض تصور الولاء والبراء المنحرف لدى هؤلاء :

 الدليل1-قال تعالى:

{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} الممتحنة: 9-10

يقول سيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في ضوء هذه الآيات :

{أي منعكم الله سبحانه وتعالى من محبة المسيحيين ولكن لا تعتقدوا من هذا المنع أنه عز وجل منعكم أيضا من أن تبرّوهم وتُنصفوهم وتشفقوا عليهم، كلا! بل من لم يقاتلكم ولم يخرجكم من دياركم سواء أكان يهوديا أم مسيحيا، فأحسنوا إليه وأشفقوا عليه وأنصفوه والله يحبُّ المنصفين،ويقول عز وجل {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي أنّ الله تعالى لم يمنعكم من الرحمة والصداقة إلا مع الذين قاتلوكم في دينكم وأخرجوكم من بلادكم وظاهروا على إخراجكم فصداقتهم حرام لأنهم يريدون القضاء على الدين، ولا يخفى عليكم أن معنى التولي هو الصداقة في اللغة العربية بتعبير آخر هي المودة وحقيقة الصداقة والمودة الأصلية هي النصح والشفقة، فيجوز للمؤمن أن يصادق مسيحيا أو يهوديا أو هندوسيا ويشفق عليه وينصح له ويحسن إليه ولكن لا يمكن له أن يحبّه (أي حب الرضى وانشراح الصدر والولاية الذي يكون للمؤمنين) إنّ هذا فرق دقيق فاذكروه} (نور القرآن).

الدليل2: قوله تعالى:

 

{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} التوبة: 6

إذ يوصي الله تعالى المؤمنين أن يجيروا المشركين المسالمين وحمايتهم وإبلاغهم مأمنهم تمييزا لهم عن المعتدين المحاربين، إذ لو كان الله تعالى شرّع إظهار العداوة لهم بالقول والجوارح لعلة كفرهم ومخالفتهم للمسلمين لما أوجب التوصية بحسن معاملتهم.

الدليل 3:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} (الممتحنة:1-3)

واضح جداً أن هذه الآيات الكريمة تحذّر المسلمين من موالاة الكافرين المعتدين الذين عزموا إخراج النبي ﷺ وصحبه، وتنهاهم عن مودّتهم والصلة بهم على حساب أسرار ومصالح جماعة المؤمنين كما حصل مع حاطب ابن أبي بلتعة الذي أفشى أسرار المسلمين بدافع تغليبه صلته بقرابته على آصرة الإيمان والاسلام .

الدليل 4 :

{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} براءة:114

حيث يخبرنا الله تعالى أنّ علّة براءة إبراهيم عليه السلام من أبيه بما تبيّن له كونه من أعداء الله تعالى ورسله ومن زمرة الظالمين أيضا ..إذ لو لم يكن عدوا لله تعالى ورسوله لما تبرّأ منه.

وفي ضوء ما سبق بيانه فإن معنى قوله تعالى :{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُؤا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً) (الممتحنة: من الآية4)

أي قد جعلنا لكم في مثال إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم الظالمين إذ لم يوالوهم بدافع تغليب آصرة القرابة على الدين بل أعلنوا لهم أنّ عداوتكم وبغضاءكم التي بدت بيننا وبينكم بسبب توحيدنا وإيماننا وكفرنا بعبادتكم الأوثان لن يثني عزيمتنا لترك عبادتنا الله تعالى وجبرنا على ما أنتم عليه من باطل نبرأ منه.

أما الأمثلة من السنة النبوية في نقض تصور الولاء والبراء المغلوط على سبيل المثال لا الحصر فنذكر إكرام النبي ﷺ  لوفد نجران من النصارى الذين باهلهم في شأن بنوة وألوهية المسيح حيث أحسن وفادتهم وأذن لهم بالصلاة في المسجد النبوي على طريقتهم نحو المشرق ( راجع سيرة ابن هشام، فَصلْ صلاتهم إلى المشرق) ،فلو كانت المخالفة الدينية وحدها توجب العداوة والبغضاء لما باذرهم النبي ﷺ  بهذا الإكرام والسماحة مع أنه عليه الصلاة والسلام قد خالفهم في مذهبهم وأفحمهم في دعاويهم العقائدية.

الحق أن المسلم حين ينطلق من معنى الولاء والبراء وفق الحدود التي رسمتها الشريعة وسنن النبي ﷺ  لا يمكن أن يكون مفهومه للحب في الله والبغض فيه دافعا لظلم أو حقد أو شر أو تعصب بل وازعا للشفقة على أهل الشرك والكفر وما هم عليه من حال  إشفاق السليم المعافى من السقيم وفي هذا يقول سيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في بيان دقيق لمعانى الحب والبغض في الله وولاية المؤمنين والبراءة من حال الكافرين دون إسفاف أو شطط:

{ يعلمنا القرآن الكريم أن نحب الأبرار والأخيار ونشفق على الفاسقين والكفار، يقول الله عز وجل { عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريصٌ عليكم} ومعناه يا أيها الكفار، إنّ هذا النبي ﷺ  شفيقٌ لدرجة لا يتحمّل أن يرى مشقتكم ويتمنى أن تنجوا من هذه البلايا، ثم يقول عز وجل {لعلّك باخعٌ نفسَك ألاَّ يكونوا مؤمنين} أي هل ستُهلك نفسك من هَمِّ أنهم لا يؤمنون؟ والمقصود منه أنّ شفقتك وصلت لدرجة تكاد عندها تهلك من همّهم، ويقول عزّ وجل في موضع آخر { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} أي أنه لمن صفات المؤمنين أنهم ينصح بعضهم البعض بالصبر والمرحمة، فيتناصحون بالصبر على الشدائد والشفقة على خلق الله تعالى، والمراد هنا من المرحمة هي الشفقة كما يستخدمها العرب، ومطلوب تعاليم القرآن الكريم الحقيقي هو أن الحب- ما ليست حقيقته إلا التحلي بصبغة المحبوب لا يجوز إلا لله تعالى والصالحين بل هو حرام شديد الحُرمة، كما يقول الله تعالى {والذين آمنوا أشدُّ حُبّاً لله}، ويقول عز وجل { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم} أي لا تحبوا اليهود والنصارى وكذلك لا تحبوا مَن لا يتسم بالصلاح، ويعتقد الجهلة من المسيحيين أنّ عند قراءة هذه الآيات أنّ الله تعالى أمر المسلمين ألا يُحبّوا المسيحيين وغيرهم من أصحاب الأديان الأخرى، ولا يفكرون في أنّ كل كلمة تُستخدَم في محلها المناسب، ولا يمكن تصوّر الحب مع الفاسقين والكافرين دون الأخذ عن فسقهم وكفرهم. فما أجهل من علّم المؤمن أن يحب أعداء دينه، وقد كتبنا مراراً أنّ معنى الحب هو أن يرضى المحب عن قول المحبوب وفعله وعاداته وأخلاقه ودينه ويفرح منه ويأخذ من أثره، ولا يمكن أن يصدر هذا من المؤمن أبداً تجاه الكافر. نعم، من الممكن أن يُشفق المؤمن على الكافر وأن يؤدي كل واجباته تجاهه وأن يحزن على أمراضه الجسدية والروحانية، كما أمرنا الله عز وجل غير مرّة بأن نُشفق على الناس أجمعين دون النظر إلى أديانهم، وأن نُطعم الجائعين ونحرر العبيد، وأن نسُدّ دين المستدينين، وأن نحمل عبء المثقلين، وأن نُشفق على خلق الله تعالى حقّ شفقتهم، ويقول الله عز وجل { إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} أي أنّ الله لا يأمرنا أن نقوم بالعدل فحسب بل يأمرنا أن نُحسن كما تُحسن الأمُّ إلى ولدها، أو نشفق كما يشفق أحد بدافعٍ من صلة الدّم...}   (نور القرآن)

والحمد لله رب العالمين

 

 

 


 

خطب الجمعة الأخيرة