loader

الإسلام ونظرية الأمن

تقوم نظرية الأمن في الإسلام على أن الأمن والسلام الفردي والمجتمعي بل والعالمي يقوم على رفع مستوى الحسنة إلى أعلى درجاتها، وعلى مقاومة السيئة من أدناها إلى أقصاها، ويؤكد الإسلام أن هذه هي السبيل التي لا سبيل سواها.

ولهذا فقد لخص القرآن الكريم تعاليم الإسلام في قوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (النحل 91) فالعدل هو أداء الحقوق الواجبة؛ وهو أول مراتب الحسنة، والإحسان هو أداء ما فوق الحقوق والعفو عن المسيء الذي يستحق العقوبة إن كان العفو يؤدي إلى الإصلاح، وإيتاء ذي القربى هو صدور الإحسان دون تكلُّف ودون مَنٍّ، ولوجه الله تعالى خالصا، ويكون مُبرأً من الأغراض والأهداف المادية أو المعنوية، بحيث لا يبتغي من ورائه المؤمن جزاء ولا شكورا. وهذه هي الدرجة العليا من الحسنة التي تماثل إحسان الأم لأبنائها.

وإلى جانب أداء الحقوق، فقد نبّه الإسلام إلى أهمية اجتباب السيئات لتحقيق الأمن والسلام؛ سواء كانت الفواحش التي يقوم بها المرء ولا يطلع أحد ولا تضر أحدا ظاهريا، والمنكر الذي هو السيئة الظاهرة التي يراها الناس ويستنكرونها، والبغي وهو السيئات التي يضرر بها الإنسان الآخرين ويسيء إليهم ويظلمهم ويسلب حقوقهم.

وبقليل من التدبر تتبين العلاقة بين هذه التعاليم وتحقيق الأمن والسلام، فالواقع أن أساس الأمن هو التزام الإنسان بالعدل في تأدية حقوق الآخرين الواجبة، وأن يعزز هذا العدل بالإحسان، ثم أن يرتقي بهذا الإحسان إلى مرتبة إيتاء ذي القربى. وبذلك فإن العدو سيدرك عمليا أن المؤمن زاهدٌ فيما بين يديه، وأنه مستعد دوما لأداء الحقوق، وأنه سيعطي دوما فوق الحقوق ولا ينتظر تحقيق مصلحة قريبة الأمد أو بعيدة. وهذا سيزيل من قلبه الحقد، بل سيجعله يخضع لهذا الفيض من الإحسان فتنقلب عداوته إلى صداقة حميمة، كما يوضحه تعالى:
{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } (فصلت 35)
فالواجب على المؤمن لا أن يلتزم بالحسنات فحسب، بل أن يختار أحسنها، ويسعى إلى ترقية حسناته باستمرار. والنتيجة هي أنه سيخلق محيطا آمنا، وسيَأْمن شر عدوه، بل سيحوله إلى صديق، ثم سيجذب قلبه نحو هذه التعاليم الجميلة فيطبقها، وسيؤدي هذا إلى انجذاب قلبه إلى الإسلام فيصبح هذا العدو مساهما في إرساء السلام في محيطه، وتتوسع دائرة الأمن والسلام بهذه الصورة. وفي الحقيقة، لن يكون هذا الصديق ثابتا على ذلك إلا إذا قَبِل الإسلامَ وآمن به، لذلك يصبح من الواجب أن نحرص على تبليغه الإسلام وإقناعه به للحفاظ على الأمن والسلام. أي أن دافعنا من وراء التبليغ والدعوة هو تحقيق الأمن والسلام لنا مواساة للعالم أجمع، لا أن نحقق مكاسب منظورة، أو أن نزيد من عددنا ونفوذنا كي نحقق رفاها وازدهارا للمسلمين فحسب!

وهذا العمل الدءوب من توطيد النفس على العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ثم القيام به على أرض الواقع لوجه الله تعالى ومواساة للإنسانية، ثم ترويجه والدفاع عنه بشتى الوسائل، هو ما يسمى في مصطلح الإسلام بالجهاد. وهذا لأنه يحتاج مجاهدة للنفس ومقاومة لكل المغريات والدوافع التي قد تحرف الإنسان عن العدل، وذلك هو الجهاد الأكبر، ويحتاج إلى أن يجاهد المؤمن الشر ويقاومه بالقرآن الكريم وتعاليمه السمحة وإقناع الآخرين بها، وذلك هو الجهاد الكبير، ثم أن يدافع عن العدل وينصر المظلومين أيًا كانوا، ضمن نطاق مسئوليته وصلاحيته، وذلك هو الجهاد الأصغر.

ومن جانب آخر يبيٍّن الإسلام أن أساس الظلم، الذي يؤدي تلقائيا إلى الإخلال بالأمن والسلام، هو السيئة مهما صغرت، لأنها تقوم على سلب حقوق الآخرين أو تحول دون أدائها. لذلك يؤكد الإسلام على أن الواجب على المؤمن مقاومة السيئة واجتثاثها على كل المستويات، وأن الإنسان لن يستطيع السير على طريق العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى إلا إذا كان في حرب دائمة مع هذه السيئات. ويعرِّف الإسلام الإثم على أنه الظلم، ويعتبر الظلمَ رديفه أو مسمىً آخر له.

وبهذا فقد أحاط الإسلام الأمر من جميع جوانبه، ووضع الأسس والوسائل لإقامة السلام وتعزيزه وإزالة أية عوائق من طريقه، وذلك بأسلوب يدلّ على الحكمة البالغة لذلك الإله الحكيم العليم الذي أنزل هذا الدين، والذي هو العليم بخبايا النفس البشرية وطرق إصلاحها.

وليس عجيبا أن يكون اسم هذا الدين هو الإسلام، الذي من معانيه اللغوية ترك أي خصومة، وسداد الثمن سلفا قبل استلام البضائع، وفي هذا إشارة إلى حقيقة هذا الدين وتعاليمه، الذي يحضُّ المسلم على الاستعداد دوما للتضحية من أجل تحقيق السلام، ورفع مستوى هذه التضحية بحيث يفيض بالإحسان على العالم أجمع.

أما نظرية الأمن التي تسود في العالم، والتي طالما كانت ولا زالت، فهي تقوم على أن من الواجب حيازة القوة وتوسيع نطاق النفوذ، وانتزاع الحقوق -أو ما يُظن أنها حقوق- بالقوة، بل والسعي لسلب الآخرين ثرواتهم ومواردهم لتأمين أعلى مستوى من العيش الكريم والرفاه والسعة، والسعي الدائم لجعل العدو ضعيفا مقهورا لا يقدر على المقاومة، وتدمير أي احتمال لنهوضه أو تحقيقه أي قدر من القوة، كي لا يشكل خطرا منظورا في المستقبل. وهذه النظرية هي التي تضع الأساس للإخلال بالأمن والسلام العالمي، وهي التي دفعت نحو حروب طاحنة أدت إلى إزهاق أرواح الملايين من البشر. وتلعب القوة والحرب دورا محوريا في هذه النظرية، وتصبح الحرب وسيلة لاكتساب الثروات والاستيلاء عليها والحفاظ عليها بقهر الأعداء وجعلهم ضعفاء باستمرار.

والواقع أن كثيرا المتأسلمين في هذا العصر يتبنون هذه النظرية السائدة الفاسدة عمليا. والمؤسف أنهم ينسبون فكرهم الخاطئ هذا إلى الإسلام السمح دين السلام والأمن. فالإسلام في نظرهم ينبغي أن يحمل لواء القتال ما دام هنالك كفار على وجه الأرض، ومن واجبه إبادتهم أو إخضاعهم وفتح بلدانهم واستلاب خيراتهم، وأن القتال يلعب دورا أساسيا في تعزيز الاقتصاد! وأن نشر الإسلام بالقوة سيؤدي إلى تحقيق الأمن والسلام، ومن الواجب إضعاف الأعداء والقضاء على مكامن أي خطر محدق لإدامة هذا السلام. والمؤسف أنهم يعتبرون أن هذا هو الجهاد الإسلامي!

والواقع أن القتال ليس سوى جانب من جوانب الجهاد الأصغر الذي يدافع فيه المسلمون عن العدل وينصرون فيه المظلومين عندما يكون لهم كيانات ودول. ودور القتال في نظرية الأمن في الإسلام، القائمة على العدل كما أوضحنا، هو دور جانبي لا أساسي، وهدفه إيقاف الظلم والعدوان، ويصبح من الواجب إيقافه فورا فيما لو توقف الظلم والعدوان وجنح الظالمون للسلم ورغبوا في الكف عن ظلمهم. وقد تعهد الله بنصرة المؤمنين دوما في جهادهم هذا، مهما بلغوا من الضعف، وقد تحقق ذلك جليا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي زمن الخلفاء الراشدين.

إن العالم اليوم بأمس الحاجة إلى الالتفات إلى نظرية الإسلام في الأمن والسلام لتجنيب البشرية من الكوارث المحدقة به. كما يتوجب على المسلمين الالتفات مجددا إلى تعاليم دينهم العظيم وأن يسعوا لكي يكونوا مثالا حيا لها. نسأل الله أن يوفقهم لذلك، آمين.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة