loader

مها دبوس

حاولت بشتى الطرق، ولكن باءت محاولاتي كلها بالفشل أيضا هذه المرة.
كنت وقتها أتذكر ما وصفه القرآن الكريم عن حال سيدنا نوح (عليه السلام) عندما قال:
رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا. ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا. ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (نوح: 6-10)
كان هذا هو شعوري أيضا بعد كل هذه المحاولات الفاشلة لتوصيل رسالة الأحمدية لأهلي في مصر.
وبسبب الظروف في مصر، كانت هناك عقبات كثيرة في طريق تبليغ رسالة الأحمدية إلى الناس بشكل عام. وحاولت أن أجد أي وسيلة للتبليغ لعامة الناس، ولكنني لم أنجح في ذلك. حتى إنني من شدة رغبتي للتبليغ وقعت في براثن الفرقة اللاهورية التي كان لها بعض النشاط في مصر. ولجهلي بهم كنت على وشك التعاون معهم. ولكن الله سلمني من ذلك وأخرجني بسرعة من هذه الحفرة التي وقعت فيها.
لم أستطع أن أفعل أكثر من ذلك في مصر ولا أن أستخدم أي وسائل أخرى لتبليغ رسالة الأحمدية للناس.
ومع ذلك لم أفقد عزمي أبدا. فكنت في بعض الأحيان عندما أشعر بالشوق للتبليغ أقود سيارتي في الشوارع الهادئة التي تقع في ضواحي القاهرة، وأنشد أبياتا من قصائد المسيح الموعود (عليه السلام). كنت أقول في نفسي أنه لو رفض الناس في مصر سماع كلام المسيح الموعود (عليه السلام)، فسأسمعه للهواء والأشجار والتراب والأرض كلها. ولذلك كنت أردد هذه القصائد حتى أُسمع أرض مصر وترابها وأشجارها وهواءها. وكنت أدعو الله أن يُسمع أهل مصر أيضا هذا الكلام في يوم من الأيام. كنت أدعو الله أن تسجل ملائكته كلام المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام) الذي أنشدته وأن تبلغه لأهل مصر في المستقبل. قد يقول البعض إن هذا جنون ولكنني لا أراه جنونا، كان ذلك تعبيرًا عن شوقي الشديد لنشر دعوة المسيح الموعود (عليه السلام) في مصر. ومن الأبيات المفضلة عندي في ذلك الوقت كانت أبيات من القصيدة الإعجازية التي قال فيها المسيح الموعود (عليه السلام):

إِلَهِي فَدَتْكَ النَّفْسَ إِنَّكَ جَنَّتي وَمَا أَنْ أَرَى خُلْدًا كَمِثْلِكَ يُثْمِرُ
طُرِدْنَا لِوَجْهِكَ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِنَا فَأَنْتَ لَنَا حِبٌّ فَرِيدٌ وَّمُؤْثَرُ
إِلَهِي بِوَجْهِكَ أَدْرِكِ الْعَبْدَ رَحْمَةً وَلَيْسَ لَنَا بَابٌ سِوَاكَ وَمَعْبَرُ
إِلَى أَيِّ بَابٍ يَا إِلَهِي تَرُدُّنِي وَمَنْ جِئْتُهُ بِالرِّفْقِ يُزْرِ وَيَصْعَرُ
صَبَرْنَا عَلَى جَوْرِ الْخَلاَئِقِ كُلِّهِمْ وَلَكِنْ عَلَى هَجْرٍ سَطَا لاَ نَصْبِرُ
تَعَالَ حَبِيبي أَنْتَ رُوحِي وَرَاحَتي وَإِنْ كَنْتَ قَدْ آنَسْتَ ذَنْبي فَسَتِّرُ
بِفَضْلِكَ إِنَّا قَدْ عُصِمْنَا مِنَ الْعِدَا وَإِنَّ جَمَالَكَ قَاتِلِي فَأْتِ وَانْظُرُ
وَفَرِّجْ كُرُوبِي يَا إِلَهِي وَنَجِّني وَمَزِّقْ خَصِيمِي يَا نَصِيرِي وَعَفِّرُ
وَجَدْنَاكَ رَحْمَانًا فَمَا الْهَمُّ بَعْدَهُ رَأَيْنَاكَ يَا حِبِّي بِعَيْنٍ تُنَوَّرُ
أَنَا الْمُنْذِرُ الْعُرْيَانُ يَا مَعْشَرَ الْوَرَى أُذَكِّرُكُمْ أَيَّامَ رَبِّي فَأَبْصِرُوا
بَلاَءٌ عَلَيْكُمْ وَالْعِلاَجُ إِنَابَةٌ وَبِالْحَقِّ أَنْذَرْنَا وَبِالْحَقِّ نُنْذِرُ
دَعُوا حُبَّ دُنْيَاكُمْ وَحُبَّ تَعَصُّبٍ وَّمَنْ يَّشْرَبِ الصَّهْبَاءَ يُصْبِحْ مُسَكَّرُ
وَكَمْ مِّنْ هُمُومٍ قَدْ رَأَيْنَا لأَجْلِكُمْ وَنَضْرِمُ في الْقَلْبِ اضْطِرَامًا وَنَضْجَرُ
أَصِيحُ وَقَدْ فَاَضَتْ دُمُوعِي تَأَلُّمًا وَقَلْبي لَكُمْ في كُلِّ آنٍ يُوَغَّرُ

كم هي جميلة هذه الأبيات التي كانت تسليني في تلك الأيام الصعبة. كم أبكتني هذه الأبيات وأنا أنشدها. إنها بالفعل رائعة!
وبعد ذلك خرجت من مصر وتركت أهلها، ولكنني لم أيئس أبدا من الدعاء لهم جميعًا بالهداية.
واستمر الحال على ذلك واستمررت في محاولاتي لخدمة جماعة المسيح الموعود (عليه السلام) بكل ما في وسعي من قدرات. وكنت بفضل الله أتقدم روحانيا باستمرار وكنت أنعم بأفضال الله الروحانية الجميلة خاصة في شهر رمضان المبارك من كل عام.
ومع مرور السنين وتطور حالتي الروحانية، تبدل قلبي ودبت فيه حياة جديدة لم أكن أعرف عنها شيئا من قبل. فقبل اعتناقي للأحمدية كنت بالرغم من أدائي للفرائض الأساسية في الإسلام من صلاة وصوم وعبادات أخرى، لم أكن أشعر بأن لها أي تأثير على قلبي. كانت مجرد طقوس ومظاهر خارجية أؤديها كواجب ولمجرد التعود على القيام بها. ولم أفهم الغرض أو الحكمة منها.
أما بعد اطّلاعي على كتابات المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام) والكنوز الروحانية التي تركها لنا فيها، وبعد أن فهمت منها الغرض والحكمة من تعاليم الإسلام القَيِّمة، وبعد أن أدركت المعاني السامية العميقة لآيات القرآن الكريم التي وضحها لنا حضرته، وبعد أن قرأت تفاسيره للقرآن ووصاياه وتعليماته وإرشاداته لأتباعه، وبعد أن حاولت بقدر استطاعتي أن أتبع هذه التعاليم والوصايا، وبعد أن بذلت ما في وسعي من أجل طاعة خليفة الوقت، وبعد أن اجتهدت من أجل خدمة جماعة المؤمنين الحقيقيين، تغير قلبي تدريجيا وتبدل وأصبح قلبًا جديدًا بعد أن دبت فيه حياة جديدة لم أكن قد ذقت حلاوتها من قبل، بل إنني حتى لم أكن مدركة قبل ذلك أن لها وجودا في هذا العالم. بهذه الحياة الجديدة أدركت أمورًا كثيرة لم أعرفها ولم أسمعها ولم أشهدها قبل ذلك. تعرفت على العالم الروحاني الذي تتطور فيه النفس باستمرار في اتجاه التقرب إلى الله. ذقت طعم محبة الله ورضاه وقربه. فهمت الغرض والهدف من الحياة في هذه الدنيا وعرفت معنى السعادة والسكينة الروحانية.
أصبح القرآن الكريم في نظري كتابًا جديدًا؛ وبدأت أفهم معانيه الرائعة وعمقها. لقد قرأته نصًا مرات كثيرة قبل ذلك، ولكنني لم أكن قد فهمت منه أي من هذه المعاني الخلابة التي أصبحت أراها فيه الآن بكل سهولة لمجرد قراءة آياته الكريمة.
أصبح الدين وتعاليمه لبًا بعد أن كان مجرد قشور خارجية ليس لها وزن حقيقي.
تمتعت بلذة الصلاة والصوم والزكاة وبكل العبادات. كنت قبل ذلك أؤدي هذه العبادات في عجالة وأنتهي منها بسرعة حتى أعود إلى مشاغل الدنيا المادية. أما الآن فقد أدركت أن الصلاة والصوم وكل العبادات الأخرى هي الغذاء الروحاني الذي يبقينا على الحياة ويمدنا بوسائل التقرب إلى الله. فأصبحت أقوم بهذه العبادات بتركيز وبحضور قلب حتى تتوطد علاقتي بالله أكثر بحيث لا أنشغل عنه بأي أمور دنيوية بعد الفراغ من هذه العبادات، وبذلك يظل القلب متنعمًا بوجود الله وحضوره فيه وتظل النفس متمتعة بقربه ورضاه.
بالأحمدية دبت الحياة في حياتي التي كانت موتًا قبلها.
طبعا أنا لا أدَّعي أبدا أنني وصلت إلى المنشود أو أنني حققت الكمال. فأنا أعرف جيدًا أنني ما زلت في بداية رحلة الترقي الروحاني، وما زال الطريق أمامي طويلا، وما زالت أمامي مسافات طويلة يجب علي أن أقطعها وما زال عندي الكثير من الأعمال التي يجب عليّ القيام بها من أجل الوصول إلى الهدف النهائي. ولكنني أذكر هنا ما حققته حتى الآن حتى أعبر عن التغيير الإيجابي الذي طرأ عليّ في بداية حياتي الروحانية بعد أن انضممت إلى هذه الجماعة المباركة.
وعلاوة على ذلك تغيرت أيضا علاقتي بالعالم الخارجي الذي حلت في قلبي محبة جديدة له. فقد رقَّت مشاعري تجاه كل مخلوقات الله، ليس فقط البشر، بل الحيوانات والطيور أيضا، وحتى النباتات رقت مشاعري تجاهها؛ فهي كلها مخلوقات الإله المحبوب. اختفت من قلبي تدريجيًا أي كراهية لأحد، لم أعد أبغض إلا ما يبعدني عن الله. ذقت لذة التضحية، وتشرفت بتقديم التضحيات في سبيل الله. زادت رغبتي في تقديم الخدمات للناس جميعًا وبدون أي تفرقة، وتشرفت بأداء حقوق العباد التي لم تكن تخطر حتى على بالي من قبل.
وعشت أنعم بهذه الحياة تحت ظل الخلافة الرابعة للمسيح الموعود عليه السلام حتى عام 2003 عندما توفي الخليفة الرابع رحمه الله في شهر إبريل.
وعند وفاته شعرت مثل بقية أفراد الجماعة الأحمدية بالخوف والقلق وكأننا أصبحنا يتامى في هذه الدنيا.
ولكن الله بفضله ورحمته لم يطُل علينا تلك الفترة الحرجة التي انتهت بعد أيام قليلة بانتخاب الخليفة الخامس سيدنا مرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز). فتبدل في الحال خوفنا أمنًا كما وعد سبحانه وتعالى في كتابه الكريم.
وقد رأيت رؤى وآيات أخرى عديدة تشير إلى كونه رجلاً ذا شأن عظيم، وتؤكد أن خلافته راشدة مباركة. ونحن نشهد بأعيننا اليوم البشائر لما سيتحقق بإذن الله تعالى في عهده المبارك من نصر وخير للجماعة في العالم عامة وفي بلاد العرب خاصة إن شاء الله.
وبعد تولي حضرته منصب الخلافة، أدركت حقائق جميلة لم أفهمها من قبل، تتعلق بنعمة الخلافة الراشدة وبما تحمله لنا من بركات. فعند وفاة الخليفة الرابع رحمه الله ظننت أنني فقدت بركات كثيرة كانت تتحقق لي بسبب علاقتي به رحمه الله. ولكن بعد انتخاب الخليفة الخامس أيده الله تعالى أيقنت أنني لم أفقد شيئا. فنفس البركات التي كنت أتمتع بها خلال حياة الخليفة الرابع استمرت في عهد الخليفة الخامس، بل إنها زادت أيضًا ببركات جديدة. وهنا أدركت عظمة الخلافة الإسلامية الأحمدية. أدركت أن البركات المتعلقة بالخلافة الأحمدية ليست مرتبطة بالشخص الذي يشغل منصب الخليفة بل هي متعلقة بمنصب الخلافة نفسه. إن من يشغل منصب الخليفة هو من البشر، يختاره الله ليكون ممثله على الأرض لفترة معينة، حيث يؤدي بعض المهام، ثم بعد ذلك يتوفاه الله ويختار شخصا آخر ليحل محله ويكمل المسيرة. إذن فالشخص الذي يشغل منصب الخليفة - مثل سائر البشر - لا يبقى معنا إلى الأبد. أما منصب الخلافة نفسه فهو باق معنا لا يختفي برحيل الخليفة عن هذه الدنيا، لأنه منصب ممثل الله على الأرض، وهو مرتبط بالله الحي القيوم الباقي دائما معنا. وبإدراك هذا الأمر تتجلى الحقيقة للإنسان أن كل ما في هذا العالم المادي مصيره الفناء إلا وجود الله تعالى كما قال عز وجل:
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى

1648; وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (الرحمن: 27-28)
وبعد أن فهمت هذا الأمر، شعرت بعظمة الله وتجلت وحدانيته وعظمته وصمديته بشكل جديد في قلبي الذي نشأت فيه راحة وسكينة وشعور بالأمان لأني أيقنت أن بركات الخلافة ستبقى دائما معنا ولن تنتهي أو تتأثر برحيل أي شخص من هذه الدنيا. وأيقنت أنه بالاعتصام الحقيقي بحبل الله يختفي كل خوف من فقدان أي شيء في هذه الدنيا الفانية. وأدركت معنى قوله سبحانه وتعالى :
وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا
المذكور في آية الاستخلاف – الآية 56 من سورة النور - السابق ذكرها.
فالإنسان إذا فهم حقيقة الخلافة وأدرك أنها مرتبطة بالله الأحد الصمد، لن يشعر بأي خوف من فقدان الخليفة نفسه برحيله عن هذه الدنيا؛ لأنه سيوقن أن الله سيبدله بخليفة آخر كي يكمل العمل. وبالتالي يختفي كل خوف في قلبه ويتبدل بالأمن والسلام والسكينة.
ولم يكن الخوف وحده هو الذي اختفى من قلبي، بل الحزن أيضا تبدل إلى سعادة وراحة في قلبي. فعندما فهمت أبعاد الخلافة الحقيقية أدركت أنها ليست مرتبطة بالمستقبل فحسب بل أنها تشمل الماضي أيضا فالخلافة الحالية هي استمرارية لبعثة المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام). وبالتالي زالت من قلبي أي آثار للحسرة التي كانت قد نشأت فيه عندما علمت أن المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام) جاء إلى العالم ورحل عنه بدون أن ألتقي به، وحينها تمنيت لو أنني ولدت قبل ذلك بمائة عام حتى أتشرف بلقاء حضرته (عليه الصلاة والسلام). لقد زالت مشاعر الحزن من ذلك عندما أيقنت أنني بالارتباط بحبل الخلافة لم يفتني التمتع بلقاء المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام)، حيث أن خلفاؤه يقومون مقامه من بعده.
فبإدراك حقيقة الخلافة وارتباطها بالله سبحانه وتعالى – الذي لا ينحصر في زمان أو مكان - يدرك الإنسان أن الفروق الزمنية ليس لها أي تأثير في العلاقات الروحانية. فيمكن للإنسان أن يلتقي روحانيا بكل من أحبهم مهما بعدت المسافات الزمنية بينهم.
بالتالي فإن الإعتصام بحبل الخلافة الممتد لكل من ينشده ويبتغي التمسك به، يربط الإنسان بالماضي البعيد أيضا لأنه مرتبط بسلسلة النبوة منذ بدايتها عند خلق الإنسان، كما أخبرنا الله في سورة البقرة :
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة: 31)
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك أيضا في نفس آية الاستخلاف السابق ذكرها:
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وبالتالي فإن حبل الخلافة مرتبط بكل من أرسلهم الله من قبل من أجل هداية الناس وعلى رأسهم سيد المرسلين رسول الله الأكرم عليه ألف صلاة وسلام.
وفي هذا سلوى لكل من نشأت في قلبه رغبة للقاء الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم). فالارتباط بالخلافة الإسلامية الأحمدية اليوم يحقق للإنسان هذه الغاية ويربطه به روحانيا.
وبعد إدراك هذه الأمور زالت من قلبي الأحزان التي تسبب فيها شعوري بالحرمان من مقابلة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) وشوقي لأن أولد في وقت بعثته حتى ألتقي به وأتبع دينه. لقد منّ الله عليَّ بكل ما كنت أبغاه وأنشده. فقد مكنني الله سبحانه وتعالى من مبايعة إمام الزمان والتمتع ببركات خلافته الإسلامية الراشدة التي تبعت البعثة الأولى للرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم)، واتسمت بأنها على منهاج نبوته. وأنعم الله عليَّ بالإيمان بعقائد دين الإسلام الأصلية وباتباع تعاليمه الصحيحة التي جاء بها سيد المرسلين. ووفر الله لي فرصة الجهاد في سبيل الله من أجل نشر دين الإسلام في العالم كله. وشرفني الله بصحبة صحابة آخَرين من صحابة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم)، ذكرهم الله عز وجل في آيات سورة الجمعة:
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
لقد أنعم الله عليًّ بفضله وكرمه ورحمته بكل ما كنت أتمناه، فكيف لا تختفي من قلبي آثار كل أحزان الماضي كما زالت من قلبي أيضا كل مخاوف المستقبل. بالفعل إن اتباع الهداية الإلهية يبدل الخوف في القلب إلى أمن وسلام ويحول الحزن إلى سعادة وراحة، كما قال سبحانه وتعالى:
فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: 39)
إن كل هذه البركات والنعم يمكن أن تتحقق لأي إنسان بمبايعة إمام الزمان والتمسك بحبل خلافته الراشدة.
ذَ?

1648;لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
وبتجلي هذه الحقائق الجميلة أكملت حياتي تحت مظلة خلافة المسيح الموعود الخامسة على منهاج النبوة، أتمتع وأنعم بالبركات والخيرات الروحانية التي رزقني الله إياها بفضله ورحمته الواسعة.
وكان أول اختبار لي بعد ذلك هو وفاة والدتي التي رحلت عن هذه الدنيا في عام 2005.
بكل تأكيد أنني بكيت عليها كما بكيت على والدي من قبلها، وحزنت عليها كما حزنت على والدي من قبلها لا من أجل فراقها، بل لأنها توفيت بدون التعرف على إمام الزمان وبدون مبايعة خليفة الوقت، ولأنها لم تنعم بالبركات التي كنت أنعم وأتمتع أنا بها.
ولكن بكائي وحزني كان مصحوبًا بالقوة والعزيمة، فلم يصبني أي يأس أو إحباط.
لقد دعوت لوالدَي كثيرًا من أجل الهداية لصدق الإمام المهدي (عليه السلام) ومن أجل مبايعة خليفة الوقت، ولكن لم يشأ الله سبحانه وتعالى تحقيق ذلك، وكما قال عز وجل لرسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم):
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـ

1648;كِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (القصص :57)
وبالتالي لم يكن بوسعي إلا أن أخضع لمشيئة الله وأرضى بقضائه. ولكن في نفس الوقت ظل في إمكاني أيضا أن أستمر في الدعاء لهما بالدعاء القرآني:
رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (بني إسرائيل: 25)
فلولا تعليمهما وتأديبهما لي ولولا تربيتهما الصالحة لي، ما كنت سأستطيع أبدا أن أتبع هذا الإسلام الحقيقي الذي وُلد من جديد في العالم في صورة الأحمدية، وما كنت سأتمتع بكل هذه البركات التي كنت أنعم بها. طبعًا الهداية هي نعمة من الله الكريم وبفضله تعالى ورحمته، ولكن والداي كانا من الوسائل التي قدرها الله لي من أجل تمتعي بهذه النعمة العظيمة. ولذلك سأظل أدعو لهما ما دمت قادرة على ذلك.
وبعد وفاة والدتي لم يصبني اليأس أبدا من عدم تحقق أدعيتي السابقة لها. كنت وما زلت على يقين أن أي دعاء لله تعالى لا يمكن أبدا أن يذهب سدىً؛ فهو السميع العليم الذي قال:
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة: 187)
فكيف يمكن لي أن أصدق أن كل هذه الأدعية قد ذهبت هباءً بدون فائدة. كنت على يقين أن الله لن يضيِّع هذه الأدعية أبدا. وبالتالي سألته سبحانه وتعالى أن يحققها لي بشكل أخر. فدعوت الله أن يحقق كل دعواتي السابقة لوالدتي لتشمل أهل مصر جميعًا، فمصر هي أمي أيضا لأنها وطني الأم.
إن هداية والدتي كانت ستعني هداية شخص واحد فقط، أما هداية مصر للأحمدية فهي تعني هداية الملايين من المواطنين الطيبين من شعب مصر الحبيبة. وبكل تأكيد أن تحقق أدعيتي في شكل هداية الكثير من الناس أفضل عندي بكثير من هداية أمي وحدها.
وبهذا زالت من قلبي آثار الحزن على وفاة والدتي - ووفاة والدي من قبلها - بدون مبايعة إمام الوقت. فقد اتجه تفكيري وتركيزي في الدعاء لهدف أسمى.
ولم يتقيد دعائي بحدود مصر وحدها بل شمل بلاد العرب كلها أيضا.
وبذلك انضم دعائي إلى دعاء الكثير من الأحمديين الذين يبتهلون لله باستمرار من أجل هداية العرب لصدق الإمام المهدي (عليه السلام). فعلى مر السنين شهدت أن أفراد الجماعة الإسلامية الأحمدية يكنون للعرب محبة شديدة ويخصوهم بالدعاء لأنهم كانوا أول من آمن بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) ولأنهم فنوا في حبه واتبعوه وأطاعوه وعَزَّروه ونصروه وجاهدوا معه ونشروا دين الإسلام في كل أنحاء المعمورة. ولذلك أحبهم الأحمديون ودعوا لهم من أجل الهداية لصدق الامام المهدي عليه السلام وهو الذي خص العرب بحبه وبدعائه وخاطبهم قائلا:
يا سكان أرض أوطأته قدم المصطفى.. رحمكم الله ورضى عنكم وأرضى! إن ظني فيكم جليل، وفي روحي للقائكم غليل يا عباد الله. وإني أحن إلى عِيان بلادكم، وبركات سوادكم، لأزور موطئ أقدام خير الورى، وأجعل كحل عيني تلك الثرى، ولأزور صلاحها وصُلحائها، ومعالمها وعُلمائها، وتقر عيني برؤية أوليائها، ومشاهدها الكبرى. فأسأل الله تعالى أن يرزقني رؤية ثراكم، ويسرّني بمرآكم ، بعنايته العظمى. يا إخوان.. إني أحبكم، وأحب بلادكم، وأحب رمل طرقكم، وأحجار سككم، وأوثركم على كل ما في الدنيا.
يا أكباد العرب! قد خصّكم الله ببركات أثيرة، ومزايا كثيرة، ومراحمه الكبرى. فيكم بيت الله التي بورك بها أم القرى، وفيكم روضة النبي المبارك الذي أشاع التوحيد في أقطار العالم وأظهر جلال الله وجلّى. وكان منكم قوم نصروا الله ورسوله بكل القلب، وبكل الروح، وبكل النُّهى. وبذلوا أموالهم وأنفسهم لإشاعة دين الله وكتابه الأزكى. فأنتم المخصوصون بتلك الفضائل، ومن لم يُكرمكم فقد جار واعتدى. يا إخوانِ.. إني أكتب إليكم مكتوبي هذا بكبد مرضوضة، ودموع مفضوضة، فاسمعوا قولي جزاكم الله خير الجزاء.
كنت كلما قرأت هذه السطور التي كتبها الإمام المهدي (عليه السلام) أبكي بحرقة شديدة من التأثر بهذا الكلام الرائع، كنت أبكي على هذه العواطف الجياشة وعلى هذه المحبة الفريدة من نوعها التي تجلى صدقها في كل حرف من هذا الكلام. وكنت أشعر بالألم الشديد وأبكي بكاءً مرًا على أحوال العرب وعلى الضلال الذي انغمسوا فيه وأتمنى لو أنهم يدركوا كم أحبهم الإمام المهدي (عليه السلام) وكم يحبهم أتباعه من الأحمديين المخلصين. وكنت أبتهل إلى الله أن يهدي العرب لهذه النعمة العظيمة التي أنعم بها على العالم كله. وكنت أدعو الله أن يستجيب لهذه الأمنيات للإمام المهدي (عليه السلام) وأن يُمكن خلفاءه وأتباعه المخلصين من تحقيق هذه الدعوات في شكل فتح بلاد العرب وزيارة أراضيها ونشر دعوة الأحمدية فيها.
وبعد ذلك بدأت الأمور في التطور بسرعة عجيبة وغريبة وبشكل إعجازي مدهش. فبفضل الله ورحمته، بدأ بث برامج القناة الفضائية الثالثة للجماعة الأحمدية - ام تي إي الثالثة العربية - على النايل سات، ووصل إرسالها بفضله تعالى إلى أنحاء كثيرة من بلاد الشرق الأوسط، ومنها مصر. ومن خلال برامج هذه القناة العربية تعرَّف الكثير من العرب على معتقدات الأحمدية. ونحن جميعا نشهد بأعيننا اليوم الآلاف من العرب الذين انضموا للجماعة الإسلامية الأحمدية منذ ذلك الوقت وخلال هذه السنوات الأخيرة، بسبب البث اليومي لبرامج هذه القناة المباركة.
وأخيرًا شهدت بنفسي النتائج المثمرة لأدعية السنوات الطويلة الصعبة الماضية. رأيت بنفسي تحقق هذه الدعوات بفضل الله تعالى ورحمته التي وسعت كل شيء. ورأيت تحقق أدعية الإمام المهدي (عليه السلام) وأتباعه المخلصين.
وأدعو الله أن يزيد ويبارك في هذه الأعداد التي تدخل الأحمدية كل يوم بفضل الله سبحانه وتعالى.
هذه هي بعض الأفضال والنعم التي أنعم بها الله عليّ منذ أن بايعت إمام الزمان عليه السلام.
ويجدر بالذكر هنا أيضا أن هذه النعم التي لا يمكن لي حصرها لم تقتصر فقط على الأمور الروحانية والدينية، بل إن الله قد منّ عليّ بإنعاماته وأفضاله الكثيرة أيضا على صعيد مادي وشخصي. وبفضله ورحمته التي وسعت كل شيء، أنعم عليّ سبحانه وتعالى وأكرمني بالحياة السعيدة كفرد من أفراد أسرة أحمدية مخلصة، تتبع بقدر الإمكان سنة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم)، ويسعى أفرادها جاهدين لأن يكونوا من عباد الله الصالحين ومن خدام دينه الحنيف. وأنعم الله على أسرتنا السعيدة بالسكن منعمة معززة مكرمة بالقرب من مسجد الفضل بلندن، حيث نتمتع بالجوار من مركز الخلافة الإسلامية الأحمدية في العالم. وأدعو الله أن يديم علينا هذه النعم بفضله ورحمته تعالى.
ولا يسعني هنا إلا أن أتذكر كل من عرفتهم في حياتي قبل الأحمدية وأذكر قوله سبحانه وتعالى:
يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
والسلام عليكم ورحمة الله
مها دبوس
(تمت كتابة هذه القصة في شهر أكتوبر من عام 2009)


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة