loader

تفصيل فتنتين أثيرتا ضد الجماعة الإسلامية الأحمدية

 

يقول سيدنا المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام في بيت شعر له ما تعريبه:

لقد حاقت شرورُ الأشرار بأنفسهم، ولم يطيقوا إعاقة أهدافنا.

الخلْفية

في عشرينات القرن الفائت ظهرت على العالم محاسن ومزايا سيدنا حضرة مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه الخليفة الثاني للمسيح الموعود عليه السلام.

في أوائل ذلك القرن تم شراء الأرض لبناء مسجد في لندن، وفي عام 1924 قام حضرته بجولة ناجحة جدا في إنجلترا، حيث وضع هناك حجر الأساس لمسجد "الفضل"، الذي هو أول مسجد في لندن، وتمت أعمال بنائه في 1926. وفي أوائل القرن نفسه بدأ حضرته يوفد الدعاة الأحمديين إلى إنجلترا وأميركا وبلاد أفريقيا لنشر الإسلام، وهكذا بدأت رسالة الإسلام تنتشر في العالم أجمع.

هذه النجاحات لم تكن بحاجة إلى أي دعاية، وكانت عيانا للعالم كله.

وفي العصر نفسه شُنّت هجمات خبيثة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه وجماعته سباقين في التصدي لها، فكان من نصيب أبناء جماعتنا مواجهة صعوبات الاعتقال والسجن أيضا في هذا السبيل، حيث عوقب بالسجن الأحمديُّ السيدُ دلاور شاه البخاري محررُ جريدة "مسلم آؤت لُك" الإنجليزية وأحمدي آخر بجريمة كتابة مقالات ضد المسيئين إلى النبي صلى الله عليه وسلم  وضدَّ القضاةِ الذين اتخذوا قرارات مجحفة بحق المدافعين عن النبي صلى الله عليه وسلم . وبذلك رُفع لواء كرامة الرسول صلى الله عليه وسلم  أيضا عاليًا بواسطة الجماعة الأحمدية في أوضاع صعبة جدا.

وحين قُدمت للعالم قضية تركيا بوصفها أكبر قضية للمسلمين، قدّم سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه مقترحات بصورة كتاب بعنوان "المعاهدة التركية وموقف المسلمين في المستقبل"، فنظرَت إليه الشريحة  الواعية من العالم الإسلامي بتقدير عظيم.

في عام 1923 بدأ الهندوس حركة "الشُدّهي" لجعل المسلمين هندوسًا، فقدمت الجماعة بقيادة حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه أروع الخدمات في إنقاذ المسلمين من تأثير الهندوس.

كما وُفقت الجماعة بعدها لإنشاء مراكز الدعوة في فلسطين وسوريا ومصر.

في تلك الحقبة الزمنية كانت النزاعات بين الهندوس والمسلمين قد صارت أكبر قضية سياسية في الهند كلها، وكانت بريطانيا تريد منح الهند حق الحكم الذاتي، لكن تأثير النزاعات بين الهندوس والمسلمين كان عميقا وكان عائقا كبيرا دون منح الهند الحكم الذاتي. في هذه الأوضاع قدم سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه مقترحاته البنّاءة الدالة على عظيم حنكته السياسية والتي قادت إلى الخطوات القابلة للعمل، وأشادت بها الأوساط المثقفة في الهند.         

وقبْلها في  عامي 1917 و 1918 زار الهندَ السيدُ Edwin Montagu وزيرُ الشؤون الهندية في الحكومة البريطانية، وقدمت له مختلف الجهات السياسية مقترحاتها في سبيل استقلال الهند. كما قدم حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه للوزير البريطاني رسالة استقبالية من قبل جماعتنا، وعندما رجعَ الوزير إلى إنجلترا أعلن أن رسالة إمام الجماعة الأحمدية هي التي قد احتوت على أفضل المقترحات.

وهكذا قد طلع حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه على أفق العالم الإسلامي كأهمّ زعيم مسلم. وكان طبيعيا أن يحترق المعارضون والمنافقون حسدا، وبالفعل بدأوا يشفون غليل حسدهم بشن هجمات قذرة منحطة على ذات المصلح الموعود وسيرته، ولم يدّخروا وسعًا لتلطيخ سمعته عموما، بل حاولوا محاولة فاشلة لتشويه صورته في الدوائر الحكومية حتى رفعوا ضده زورا قضية محاولة قتل.

الفتنة التي نشبت في عام 1927:

كانت في قاديان عائلة تدعى "عائلة المِسْتَرْيين" (أي الحَدّادين، وكانوا أحمديين في الظاهر) وفي عام 1927 بدأ أفرادها يرمون حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه بتهم باطلة مفتراة. لقد كانت مؤامرة قذرة للغاية لتشوية سمعته، والذي تولى كبْرَها بدأ بإصدار جريدة بعنوان "المباهلة"، باسطًا فيها لسانه ببذاءة قذرة ضد حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه.

لقد قال حضرته وهو يتحدث عن هذه الفتنة:

 "في الأيام الأخيرة ظن هؤلاء -بناءً على أسباب هي نسج خيالهم ليست إلا- أن مؤامرة تحاك ضدهم، وقاموا بتصرفات غير لائقة عديدة بناء على أسباب ذكروها في جريدتهم (المباهلة). كانوا غاضبين لأن أحدهم لم يستطع الزواج من فتاة، بل تزوجها صهره (زوج بنته). إن الذين ينحطّون خُلقًيا يأبون إلا أن ينتقموا بطرق غير أخلاقية، فبدأ هؤلاء يتكلمون بكلام جلُّه التهم والافتراءات. ولما بلغني ذلك دعوتُ الوالدَ والابن وقلت لهما: إنكما تتكلمان بهذا الكلام. دعوا الجانب الديني  جانبا، ولكن من الجانب المادي أيضا تعلمانِ أن أسرتي وحدها مالكةُ هذه القرية، ولو افترضتُ أن نيتكما صالحة فيما قلتماه، ولكن هل بوسعكما أن تتكلما بمثل هذه التهمة الباطلة -بل حتى بالواقعة الحقيقية أيضا- ضد شخص يملك عشرة فدادين وليس القرية كلها. لن تتجاسرا على إلصاق تهمة كهذه بأحد من كناسي المراحيض أيضا، ومع ذلك تتكلمان ضدي بهذا الكلام القذر المنحط. إن تصرفكما هذا دليل على أنكما تعلمان أن هذا الشخص لن ينتقم منكما على تصرفكما الخسيس هذا، ولذلك تتجاسران عليه هذا التجاسر الصارخ. فثبت أن المفتريات التي تختلقانها ضدي ليس سببها إلا حلمي وكرمي... وإن تصرفكما هذا اعتراف بفضلي ودليل على دناءتكما وخستكما."

إنما كان هدف هؤلاء الأشرار السعيَ القذر لتلطيخ سمعة حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه. وكان غير المبايعين (أي اللاهوريون) يساندونهم كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقا.

ولكن هؤلاء الأشرار لم يرتدعوا بل قدموا للناس محاولة حضرته لنصحهم في قالب الشر. قال حضرته: 

"لقد قالا لي عند استجوابي لهما أن ما يقال عنهما باطل وأن الناس يكذبون فيما ينسبون إليهما. بل كان أحدهما سرد لي مناما له زاعما أنه قد قيل له في هذا المنام أن يطلب الدعاء مني. ولكني علمتُ أنهما قالا للناس بعد لقائي بهما إن هذا حاول إقناعنا ولكنه فشل في ذلك. أما الآن فقد قالا في المحكمة أني قد هددتهما بأنْ امتنِعا وإلا سيُفعَل بكما ما لا يحمد عقباه."  (تقرير دلبذير، خطاب حضرته في الجلسة السنوية يوم 27 ديسمبر 1927)

وقال حضرته رضي الله تعالى عنه في الخطاب نفسه:  

"باختصار، هذه هي الفتنة التي قد نشبت مؤخرا. ومن سنة الله تعالى معي أنه كان يخبرني سلفًا عن هذه الفتنة قبل وقوعها. فقبْل وقوعها بعدة سنوات كنت رأيت رؤيا سردتها لعدة أشخاص في حينها، وخلاصتها أني أمُرُّ بواد بشملة، (منطقة جبلية في الهند) ويوجد به الجِنّ أنواعا وصنوفا، وهم يحاولون صرف انتباهي إليهم بأقوالهم المثيرة للغضب. فقيل لي بألا أتوجه إليهم بل ألا أبرح أمشي قدمًا باستمرار مرددًا كلمات: "بفضل الله ورحمته"."

وكان حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه قد نشر قبل ذلك إعلانًا عن هذه الفتنة في جريدة "الفضل" في 22-11-1927 قال فيه:

"لعل أبناء الجماعة قد علموا من خلال الملاحظة المنشورة قبل أيام في جريدة "الفضل" أن بعض الناس -الذين يتظاهرون أنهم من جماعتنا ولكن لا علاقة لهم بها في الواقع بسبب نفاقهم- قد أثاروا ضجة ضدي وضد نظام الجماعة. كنتُ صامتًا حتى الآن بهذا الصدد لإيماني بأن القلوب بيد الله تعالى وعسى الله أن يهديهم، ولكن الأحداث تؤكد أن هؤلاء يعُدّون هذه الفعلة الشنيعة لهوًا ولعبًا بسبب تشجيعٍ ودعمٍ من قبل بعض الأعداء من الخارج، ويسعون مع أصحابهم الآخرين لإحداث الفتنة بين شتى فروع جماعتنا. إني أفوض أمرهم إلى الله تعالى الآن وهو خير الفاصلين، وسوف يحفظ الجماعة بآياته القوية يقينا."

وهذا ما حصل بالفعل، حيث حمى الله تعالى حضرةَ المصلح الموعود والجماعةَ كلها من هذه الفتنة، ففشلوا في إثبات التهم التي ألصقوها بحضرته ولم يتمكنوا من مواصلة قضية محاولة قتل التي رفعوها ضده رضي الله عنه. وليس هذا فحسب، بل افتضح الله تعالى الذين كانوا يثيرون هذه الفتنة بمساندة أعداء الجماعة من المشايخ وغيرهم من المسلمين والمولوي محمدِ علي أميرِ غير المبايعين (فئةِ اللاهوريين).

فإن ماستر فقير الله قال في تصريحاته -وكان المدقق المالي لجماعة غير المبايعين وإمام مسجدهم بمركزهم "البناية الأحمدية": "إن جميع أعضاء مجلس إدارة الأنجمن (أي الإدارة المركزية لجماعة اللاهوريين) يعلمون أن المولوي (أي المولوي محمد علي) كان يساعد بالمال أهلَ جريدة "المباهلة" (أي أهل عائلة المستريين أي الحداديين) وذلك بإذن خاص من عند نفسه، وكان يطبع إعلاناتهم ويوزعها في المدن الأخرى بواسطة أحد الموظفين في "الأنجمن"." (مجلة "الفرقان" الصادرة بقاديان، يوليو 1944)

كما أن السكرتير العام للفئة اللاهورية كتب في رسالة مفتوحة موجهة إلى المولوي محمد علي: لقد قدّمتَ دومًا الدعم المادي والمعنوي لنشر التهم الموجهة ضد خليفة قاديان. (مجلة "الفرقان" الصادرة بقاديان، مايو 1944)

ونشرتْ جريدة "فاروق" في عددها الصادر في 7-6-1931 صورا لرسائل المولوي محمد علي وكتبتْ: ظلت آلاف النسخ من جريدة "المباهلة" تباع في مكتبه (أي مكتب المولوي محمد علي)، وكانت طرود جريدة "المباهلة" تُجهَّز فيه حتى الساعة الثانية ليلا. ومَن شك في ذلك فليذهبْ إلى مكتبة مبنى جريدة "بيغام"، ولينظرْ إلى كشوف البيع والشراء لجريدة "المباهلة".

وهكذا فإن هذه الفتنة التي ظهرت ضد الخليفة المختار من عند الله تعالى لم تخمد ولم تمتْ في مهدها فحسب، بل قد تبين أيضا ضلوعُ شتى جموع المعارضين فيها الذين ظلوا يحيكون المؤامرات ضد جماعة الله تعالى. 

خلْفية الفتنة الناشبة في عام 1937:

نتوجه الآن إلى الثلاثينيات من القرن الماضي. في ذلك العقد قطعت الجماعة الأحمدية أشواطا جديدة سريعة من النجاحات والفتوحات. ففي بداية هذا العقد لما رأى زعماء المسلمين الهنود فشل كل الأصوات التي كانت تُرفع دفاعًا عن حقوق مسلمي ولاية كشمير، أسسوا لجنة باسم "لجنة كشمير الهندية"، وانتخبوا بالإجماع حضرة المصلح الموعود مرزا بشير الدين محمود أحمد رئيسا لها. وما إن أمسك حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه زمام هذه اللجنة حتى سرت في الهند كلها موجة من الإحساس والوعي لحقوق مسلمي كشمير. فبدأ المسلمون من أقصى الهند إلى أقصاها يحتفلون بيوم كشمير، وشارك فيه أبناء كل المدارس الفكرية الإسلامية.

وكان حضرة المصلح الموعود سباقا في تقديم المساعدة المالية لهذه المهمة، وتبرع المسلمون من كل الهند بسخاء في صندوق "حقوق مسلمي كشمير" بحثّ من حضرته. كما أن نتائج جهود حضرته في المفاوضات من أجل حقوق أهل كشمير أكدت أنها كانت رائعة ومنقطعة النظير.

 فأحس "مجلس أحرار الإسلام" الموالي للهندوس بخيبة الأمل وأدركوا أن الجماعة الأحمدية قوة ليس بوسعهم مقاومتها وتحقيق أهدافهم الخبيثة أبدًا بطرق سلمية شريفة. فقاموا بمؤامرة ماكرة خبيثة. لما رأى حضرة المصلح الموعود أنهم يريدون تحويل قضية الدفاع عن حقوق مسلمي كشمير إلى لعبة سياسية خبيثة استقال من رئاسة لجنة كشمير. 

وقد كتبت المؤرخة الشهيرة عائشة جلال في كتابها Self and Sovereignty محللةً الأحداث تحليلا رائعا ودقيقا: "بعد انفصال حضرة المرزا عن لجنة كشمير لم تتمكن هيئتها الإدارية من عقد اجتماع واحد لها، ناهيك أن تنجز أي عمل من أعمالها."

غير أن نار الحسد التي كانت قد تأججت في صدور مجلس الأحرار بشدة دفعتهم ليفعلوا كل ما في وسعهم ضد الجماعة. فإنهم أولاً حاولوا إحداث الفتنة والفوضى في قاديان، وعقدوا هنالك اجتماعا تكلموا فيه ضد الجماعة ببذاءة قذرة، ثم هددوا بأنهم سيدكّون قاديان دكّا.  فردّ الله على بذاءتهم القذرة ومحاولاتهم الحثيثة لإحداث الفتنة وتهديداتهم الخطيرة بأنْ ألقى في قلب المصلح الموعود رضي الله تعالى عنه فكرةَ مشروع "التحريك الجديد" العظيم، وهكذا دخلت الجماعة الأحمدية في مرحلة جديدة من التقدم والازدهار. فبدلاً من أن يتمكنوا من دَكِّ قاديان دكًّا، بدأ توحيد البارئ تعالى والتعاليم المقدسة المباركة للنبي صلى الله عليه وسلم  تخرج من قاديان وتنتشر في كل أطراف الأرضين.

  فأقامت الجماعة مراكز الدعوة الإسلامية في شتى القارات، وشيدت المساجد، وانتشر دعاتها في مختلف البقاع والأمصار في العالم لأداء فريضة الدعوة والتبليغ. وظل المعارضون والمنافقون يحترقون حسدا وكمدا، وانحطوا لارتكاب الرذائل وشن الهجمات المنافية للأخلاق الفاضلة.

الفتنة التي أطلّت برأسها في عام 1937:

إن عام 1937 يحتلّ أهمية كبيرة في تاريخ الجماعة الإسلامية الأحمدية، ففي هذا العام شنّ المرتدون عن الجماعة والمنافقون وغير المبايعين (اللاهوريون) أول هجمة موحدة على الجماعة. ولتحقيق هذا الهدف كانوا بحاجة إلى شخص يبدو قريبًا من الجماعة في الظاهر، ولكن إيمانه مشوب بالشوائب، فاختاروا لهذا الغرض الشيخَ عبد الرحمن المصري. كان الشيخ المصري هذا قد انضم إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية بعد البيعة على يد المسيح الموعود عليه السلام في عام 1905، وعندما أطلّتْ فتنة غير المبايعين برأسها في عام 1914، بايعَ الشيخُ المصري على يد المصلح الموعود رضي الله عنه وانضم إلى جماعة المبايعين. ثم لم يزل يؤمن بأن حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه خليفة صادق إلى عقدين من الزمان فحسب، بل ظل يكتب المقالات ويلقي المحاضرات حول هذا الموضوع، وقد أعطى مواثيق خطية أيضا. ولكن بعد خيبة أمله في بعض رغباته الشخصية حدثت الخلافات بينه وبين المصلح الموعود رضي الله عنه، فخطر بباله فجأة في عام 1935 أن المصلح الموعود رضي الله عنه ليس خليفة صادقا، فكتب مقالا بعنوان: "هل الله يجعل الخلفاء كلهم"؟ وأبدى معتقداته في المقال كما يلي:

"بعد وفاة الأنبياء والشيوخ يتم انتخاب الخليفة الأول فقط وفقًا لآية الاستخلاف، أما الخلفاء المنتخَبون بعده فلا تشملهم آية الاستخلاف، وأن خلافة الخليفة الأول (المولوي نور الدين رضي الله عنه) ليست محل النـزاع، لكن خلافة الخليفة الثاني هي محل النـزاع لأنها ليست طبقًا لآية الاستخلاف. وما دامت خلافته ليست بحسب آية الاستخلاف فلا يمكن أن يُعَدّ انتخابه من عند الله تعالى."

يتبين من هنا بجلاء أنه كان قد انحرف عن الإيمان بخلافة الخليفة الثاني رضي الله عنه نتيجة عدم تحقق رغباته الشخصية، وليس ذلك فحسب بل كان يبذر بذور الفتنة في الجماعة.

ومن جانب آخر كان غير المبايعين والمنافقون والمعارضون الآخرون على استعداد تام لانتهاز فرصة النـزاع هذه لصالحهم.

وفي شهر حزيران/يونيو عام 1937 بدأ الشيخ المصري بتوجيه شتى التهم الباطلة إلى سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه. فبعث إلى حضرته رضي الله عنه ثلاث رسائل في 10، و14 و23 يونيو عام 1937 تحقيقًا لأهدافه الباطلة. في الرسالة الأولى طعن في سيرة حضرته رضي الله عنه، وطلب في الرسالتين الثانية والثالثة أن يستقيل حضرته من منصب الخلافة، زاعما أنه رضي الله عنه لا يستحق أن يكون خليفة بناء على سيرته. وقال أيضا في الرسالة الثانية: إني أعزلك من منصب الخلافة وأريد إجراء انتخاب جديد، لأني أريد الانفصال عنك فقط لا عن الجماعة.

فرد عليه حضرةُ الخليفة الثاني رضي الله عنه في رسالة في 24/6/1937، نقتبس منها ما يلي:

 "وصلتني منك ثلاث رسائل، وكان محتوى الرسالة الأولى قذرًا جدا ومليئا بالشتائم حتى أصبح من غير المعقول تماما أن يظن أحد بعدها أنك مبايع وأنك لا تزال منضما إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية."

"وقلتَ في الرسالة الثالثة: "لو لم يتمّ إقناعك خلال 24 ساعة فسوف تنفصل عن الجماعة". وأكتبُ الرد عليك بعد الاستخارة أنه لا معنى لانفصالك عن الجماعة. فما دام قلبك قد تكدّست فيه القذارة التي ذكرتَها في رسائلك، فأنت خارج عن الجماعة عند الله سلفًا".

"لقد هدّدتَني بتهديدات كثيرة، ولكن لا أريد الردّ عليها، بل أفوّض أمري إلى الله. إذا كان الله تعالى هو الذي قد جعلني خليفةً، وإذا كانت الإلهامات التي تلقاها المسيح الموعود عليه السلام بحقي وعشرات الرؤى التي رآها الآخرون بحقي صادقةً، فإن الله تعالى سيُفشلك على الرغم من ادعائك ونفوذك."

نُشرت رسالة المصلح الموعود رضي الله عنه هذه في جريدة "الفضل" بعدد 26/6/1937. وفي اليوم التالي أسّس الشيخ المصري جماعةً منفصلة باسم "مجلس الأحمدية"، وشرع في نشر منشورات مبنية على التهم الموجهة إلى المصلح الموعود رضي الله عنه مطالبًا باستقالته.

انتهازية معارضي الجماعة:

انتهز المعارضون هذا الوضع أيما انتهاز. فنشرت جريدة "زميندار" المعادية للجماعة بعنوان بارز: "انتُخب في قاديان أمير المؤمنين الجديد، وأُمر الخليفة بشير بالتخلي عن عرش السلطة".

وفي متن الخبر دُعي الشيخ عبد الرحمن المصري أميرَ المؤمنين الجديد بالتكرار، وقيل أيضا إن الذين ينضمون إلى "مجلس الأحمدية" سرًّا ستبقى أسماؤهم الكريمة في طي الكتمان. (جريدة زميندار، عدد 29/7/1937)

كان غير المبايعين (اللاهوريون) جاهزين سلفًا لانتهاز هذه الفرصة، فنشروا هذا الخبر المنشور في جريدة "زميندار" في مجلتهم "يبغام صلح" في عددها 30 يوليو 1937. وبدأ المولوي محمد علي زعيم اللاهوريين بشن هجمات شديدة على سيرة سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه وعدَّ فتنة الشيخ المصري هذه عملا عظيما، وقال إن الشيخ المصري المحترم يستحق التهنئة على هذا العمل العظيم، وإن الذين كسروا صنم الوثنية يستحقّون مواساتنا. (مجلة بيغام صلح عدد 9/8/1937)

عندما تلقى الشيخ المصري هذا القبول من قِبل معارضي الجماعة وغير المبايعين، نشرَ كتيبًا آخر بعنوان: "خطاب موجَّه إلى الجماعة" قال فيه:

 "سيأتي يوم، وسيأتي حتما بإذن الله حين تهبّ الجماعة قائلة: جاء الحق وزهق الباطل، وتقوم على الحقيقة التي بينتْها الشريعة الإسلامية عن مكانة الخلفاء وعن صلاحياتهم وصلاحيات الأمة وحقوقهم، وأنك لستَ أهلاً للخلافة، كما ستقوم الجماعة على الحقيقة التي وفقني الله بمحض فضله لتبيانها. إن الخطوة التي اتخذتُها إنما اتخذتها لوجه الله فقط، وذلك بعد أن لاحظتُ في الجماعة فسادا كبيرا قاد عددا كبيرا منهم وسيقود الكثيرين إلى الإلحاد. لقد اتخذتُ هذه الخطوة حين شعرتُ بضرورة إصلاح هذا الفساد، بل رأيت إصلاحه ضروريا. إن صوتي سيُسمع حتما، إما اليوم أو غدا أو بعد غد."

وقال أيضا:

 "قوموا أيها الأصدقاء، وانفضوا عنكم الخوف، وابحثوا في الموضوع بشجاعة المؤمنين."

وطرقَ الشيخ المصري من فورة غيظه أبواب المحاكم أيضا، ورفع ضد حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه قضايا زائفة باتهامه بالمساعدة في القتل، إضافةً إلى كيل تهم باطلة أخرى. ولكن القضية رُفضت في المحكمة الابتدائية، ثم في المحكمة التالية أيضا.

ومع أن الشيخ المصري لم ينل أي نجاح في هذه القضايا، ولكنه حظي بتعاون كبير من المولوي محمد علي. فقد كتب المولوي محمد علي في رسالته إلى مريده المحامي الحافظ محمد حسين تشيمه بتاريخ 26/8/1937:

 "لعلك مطّلع كثيرا أو قليلا على الظروف السائدة في قاديان. فهناك قضية مرفوعة ضد الشيخ المصري، ويتابع قضيته حاليًا محام من مجلس الأحرار اسمه شريف حسين، ولو ساعدتْه جماعتنا بهذه المناسبة لكان هو الأنسب. وإن نصرة المظلومين في هذه الظروف عمل ثواب كبير. محمد علي".

يتبين من هذه الرسالة بكل وضوح أن القوى المعادية لسيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه وللجماعة كانت تحارب الخلافة الأحمدية مجتمعةً.

ردة فعل حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه التي تزيد المرء إيمانا وبصيرة:

إن الله الذي رفع سيدَنا المصلح الموعود رضي الله عنه على عرش الخلافة قد أعطاه همة عالية وعزيمة قوية في هذه الظروف. ففي خطب الجمعة التي ألقاها حضرته بدءا من يونيو إلى نوفمبر 1937 بيّن رضي الله عنه الحقائق لإزالة سوء الفهم. فقال رضي الله عنه في الخطبة في 12/11/1937:

"يقول لي (المتّهِم) أن أحلف بالله مؤكِدا بالعذاب إنْ كانت التهم التي وجهها إلي كاذبة، مع أنني كنت قلتُ مقابل المستريين (الحداديين) عندما أثاروا الفتنة وأقول الآن أيضا: إن اعتقادي هو أن الأمور التي حُدِّدت لها حدود في الشرع وذُكرت طرق معينة للشهادة لا يجوز طلب الحلف فيها، بل الحلف عند هذا النوع من الطلب يُبطل الحكمة التي من أجلها أمر الله تعالى بذلك. ولكن ما دام من الممكن لمن كان فريسة للوساوس والشبهات أن يزعم أنني اخترعتُ هذا الاعتقاد فرارًا من الحلف، فأقول -لإقناع من كان يعرف أن الذي يحلف بالله كذبا وزورا لا يمكن أن يأمن بطش الله تعالى- وأحلف بالله القادر القدير الذي الحلفُ الكاذب باسمه ديدنُ الملعونين ويصبح صاحبُه محلَّ لعنات شديدة، وأوقن بأن القرآن الكريم قد أعطى بهذا الشأن التعليم نفسه الذي بيّنتُه، وإن كنتُ كاذبا في قولي هذا فعليّ لعنة الله تعالى."

"ثم أثار الشيخ المصري سؤالا آخر وقال إن عزل الخليفة ممكن، فطلبَ مني أن اعتزل عن الخلافة، أو يجب على الجماعة أن تعزلني من هذا المنصب. وأقول ردا على هذا الادعاء حالفا بالله الذي لا يحلف باسمه كذبا إلا الملعونون إني أؤمن بأن الله تعالى هو الذي جعلني خليفة رغم أني إنسان ضعيف جدا. وأقول حلفا باسمه تعالى إنه أخبرني في الرؤيا قبل 22 أو 23 عاما بأنك ستواجه محنا شديدة حتى سيخطر ببالك أيضا أحيانا أنه إذا كان إزالة هذا العبء ممكنا فليُزَلْ عنك، ولكنك لن تقدر على إزالته ولا بد لك من أن تقوم بهذه المهمة. وإن كنتُ كاذبا في هذا البيان فعلي لعنة الله. 

"ثم أقول بناءً على وعيد الله تعالى "لعنة الله على الكاذبين": أخبرني الله تعالى أنني خليفة من الله تعالى ولا يجوز عزلي أبدا، وإذا واجهتني الحوادث -كما يتبين من نبوءات المسيح الموعود عليه السلام أنه قد قُدرتْ لي بعض الظلمات- وجعلتْ كلَّ فرد من أفراد الجماعة يتركني، فإنني أوقن بأن الله تعالى لن يُميتني ما لم يجعل معي جماعة قوية أخرى... إنني لا أعتمد على الرجال بل أعتمد على نصرة الله، وهو الذي بشرني حين لم يخطر ببالي أنني سأصبح خليفة وقال: (اِنَّ الَّذِینَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِینَ کَفَرُوا اِلٰی یَومِ القِيامة). وهذه البشارة لا تتعلق بهذا اليوم فقط بل كل من يقرّ ببيعتي سيكون من الغالبين على الذين يرفضونني إلى يوم القيامة. هذه نبوءة الله التي قد تحققت وستظل تتحقق...

والآن أيضا حين نشبت الفتنة لم أتعجل، بل أكثرتُ الدعاء أمام الله تعالى، فأخبرني وقال: سأزيل مشاكلك، وسأدمر أعداءك في أيام قليلة. (الفضل 20/11/1937)

وفي هذه الخطبة نفسها قال حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه عن دعايتهم الكاذبة:

"والإعلانات التي يضعها هؤلاء على اللافتات متى طالبتُ الناس يوما ألا يقرؤوها. بل ذات مرة وضعوا إعلانا على لافتة، فكتب -على الأغلب- المولوي أبو العطاء رسالة لي أن كثيرا من الناس قد اجتمعوا لقراءته واستشاطوا غضبا مما يُخشى حدوث الفساد، لذا من المناسب إصدار تعميم يمنع الناس من قراءة مثل هذه الإعلانات. ولكنني أجبت المولوي أبا العطاء أني لا أحب أن أمنع الناس هكذا إذ يُفهم من ذلك أنني أمنعهم من التبين والتحقق. إني لا أخالف تقديم الأدلة واتّباع الطريق الصحيح للتبليغ، وكنت بنفسي أبحث عن الحق دائما وهو غذاء روحي. فإذا كانوا يستطيعون أن يغلبوني بالأدلة فبها ونِعْمَت ولن أعترض على ذلك، إنما اعتراضي هو أنهم يقومون بأعمال غير مشروعة لا يُجيزها أي دين، متخلين عن الأخلاق والقيم النبيلة ومخالفين أحكام الإسلام، لذا من الضروري لنا أن نمنع أفراد جماعتنا من مثل هذه العلاقات التي قد تسبب في الفتنة.... إذا لم تكن في أعمال شخص نوع من المؤامرة وينفصل عن جماعتنا علنًا وينضم إلى جماعة أخرى، فلا نمنع أحدا من أبناء الجماعة من التحدث إليه، إذ يوجد في جماعة غير المبايعين أناس كانوا في جماعتنا من قبل، ثم انضموا إليهم، ولكننا لم نعلن ألا يتكلم أحد منا معهم....

"لقد أقر الشيخ عبد الرحمن المصري في رسالته أنه كان يقوم بتحقيق سري ضدي لمدة سنتَين، وكان يتحدث إلى بعض الناس بهذا الصدد، ولو كان أتاني في نفس اليوم الذي ساروتْ فيه قلبَه شبهةٌ ضدي ووصله شيء ضدي وأخبرَني لكنتُ أجبته وسعيتُ من طرفي كل السعي لإقناعه ولإزالة شبهاته. هناك أمثلة كثيرة لبعض الناس الذين أتوني وقدّموا لي شبهاتهم بكل صدق وأمانة وطلبوا مني إزالتها، فلم أغضب عليهم قط، بل سمعت كلامهم برحابة صدر وحاولتُ أن أفهمهم بكل هدوء.... فلو كان أتاني في اليوم الأول الذي سمع فيه شيئا ضدي وقال لي أنني سمعت كذا وكذا فأرجو أن تخبرني الحقيقة، لسعيت إفهامه كيفما أمكن، وإنْ كانت الطمأنينة والإقناع بيد الله تعالى لا بيدي، ولكنني كنت لسعيتُ لذلك. ولكنه اتخذ طريقا يخالف التقوى، وإن كل خطوة خطاها كانت منافية للتقوى...

... لم يجعلني الله تعالى ظالما، بل أعطاني قلبا مواسيا ذاب طول حياتي ويذوب من أجل هموم  الناس، قلبًا محبًّا يتمنى الخير للعالم كله، قلبًا أكبرُ أمنية صاحبه أن يقضي هو وأولاده حياتهم في حب الله وفي خدمة خلقه. من الممكن أن يحدث تقصير في تحقيق هذه الأمور والأماني بسبب اضطرار أو خطأ، ولكن عزيمة هذا القلب لا تفتر أبدا."

قال حضرته في نهاية الخطبة:

"أقول للشيخ المصري مرة أخرى بكل إخلاص ومواساة: لقد أقسمتُ بالله بكل طريقة ممكنة وأنصحه أن يتوب ويطلب من الله تعالى العفو لذنوبه. لقد سمعتُ كلامه وصبرت، ولكن الآخرين لا يستطيعون أن يصبروا لهذا الحد. عليه أن يوقن -وإن لم يوقن فسوف يجعله الزمن يوقن، وإذا لم يوقن في هذه الدنيا فسوف يوقن بعد الموت- أنه قد ظلمني أشدَّ ما يستطيع المرء أن يظلم أحدا في الدنيا، وقد لجأ ضدي إلى حيل لا يجيزها الإسلام والقرآن. وإنني بفضل الله تعالى لم أظلم أحدا متعمدا إلى اليوم، وإذا جاءت عندي قضية لمن أخالفه شخصيا، فإن ما أفعله هو أني أستمر في الدعاء كل حين أن يا رب، هذا وقت امتحاني، فاجعلْ فضلك حليفي، فلا أفشل في هذا الامتحان، ولا يؤثر الخلاف الشخصي على قراري، فأحكمَ بما ينافي العدل... إنني أتوسل إلى الله تعالى وحده أنْ يا رب، إذا كنتَ أنت جعلتَني خليفة وأنت الذي أمسكتَ بيديّ وبلساني، فأرجو أن تَنزل بنفسك من السماء للرد على هذه المظالم، ليس من أجلي بل من أجلك، ليس من أجلي بل من أجل جماعتك."

ثم قال حضرته رضي الله عنه: "إنني بفضل الله تعالى مطمئن، وكل من يملك منكم إيمانا صادقا سوف يرى بل سيرى معظمكم في حياتهم أن جميع هذه الفتن سوف تتلاشى كشيء حقير، وسوف تَثبت الجماعة على صخرة قوية بنصرة الله تعالى الجلالية والجمالية. (جريدة الفضل، 20/11/1937)

عاقبة مثيري الفتنة ومؤيديهم:

لقد تحققت كلمات المصلح الموعود رضي الله عنه هذه كمثل نبوءة. فالتحق الشيخ عبد الرحمن المصري بجماعة غير المبايعين اللاهورين، وبدأ ينشر من هناك إعلانات أنه كان منخدعا إلى اليوم في اعتقاده بأن المسيح الموعود عليه السلام نبي، ولكنه الآن يعتقد بأنه عليه السلام كان محدَّثًا فقط وليس نبي الله. وهكذا كذّب المصري بنفسه موقَفه السابق، إذ كان يريد أن يعزل الخليفة ويأتي بخليفة جديد مكانه، وحين أنكر نبوة المسيح الموعود عليه السلام فكأنه نفى مسألة الخلافة أيضا، وهكذا فإنه بسبب تغيير موقفه واجهَ هزيمة وذلاً وصار عبرة.

أما المولوي محمد علي (زعيم الفئة اللاهورية) الذي استقبل الشيخَ المصري وفتنتَه بكل رحابة صدر فهو نفسه تعرض لفِتن الشيخ المصري فيما بعد. فالذي لم يخلص لخليفة اختاره الله تعالى أنى له أن يخلص لهيئة أو لرئيسها. لقد أرسل المولوي محمد علي في آخر أيامه تعميمًا إلى جماعته عن الفتن المثارة ضده، وحرّر هذا التعميم في 5 تموز/يوليو 1951 حيث قال فيه:

"منذ أن أفقتُ من مرضي السابق رأيتُ أن هذين الرجلَين والشيخَ المصري منشغلون بكل قوة في الدعاية ضدي، وقد بدأوا إثارة فتنة في الجماعة بجعل الحبة قبة. إنهم لا يستغلّون مرضي استغلالا مشينا فقط، بل يزيدونني مرضًا حيث أتكبد عناء الكتابة عن هذه الأمور.... لقد وضع الفأس على النظام الأساسي للجماعة، ورُفعتْ راية التمرد ضد أمير الجماعة."

وبعد ذلك نُشر مقال للمولوي محمد علي في آخر حياته بعنوان "قصة آلام الأمير المرحوم"، متضمنا ذكر هذه المؤامرات أيضا. وبعد نشْر قصة الآلام هذه بشهرين تقريبا توفي المولوي محمد علي مع هذه الآلام في تشرين الأول/أكتوبر 1951.

أما المولوي ظفر علي خان الذي كان من أعدى أعداء الجماعة الإسلامية الأحمدية التابعة للخلافة وكان قد عمل كثيرا على نشر هذه الفتنة، فعاقبته معروفة للجميع، ففي آخر أيامه أصبح بلا حيلة ولا قوة، وبلا أنيس ولا جليس، حتى لم يكن أحد من أتباعه يسأل عن حاله، وكان سيدنا المصلح الموعود الخليفة الثاني هو الذي يسأل عن حاله ويدبر لعلاجه ورعايته رغم العداء الشديد الذي أبداه هذا ضد جماعتنا؟!!

النهاية:

بعد رؤية هذه الفتن وعاقبتها تذكرتُ بيت شعر لسيدنا المسيح الموعود عليه السلام معناه:

لا تظننّ أنه سيُغفر لك سوء الظن هذا كله. كلا، بل هو دَينٌ سوف يُرَدّ إليك كاملا.

ننهي مقالنا بإعادة كلمات المصلح الموعود رضي الله عنه العظيمة التي قالها مقابل هذه الفتن الهائلة:

"إنني بفضل الله تعالى مطمئن، وكل من يملك منكم إيمانا صادقا سوف يرى، بل سيرى معظمكم في حياتهم، أن جميع هذه الفتن تتلاشى كشيء حقير، وسوف تَثبت الجماعة على صخرة قوية بنصرة الله تعالى الجلالية والجمالية. (جريدة الفضل، 20/11/1937)

هذا الإعلان والجواب للمصلح الموعود رضي الله عنه مستمر منذ ذلك الوقت، وإنه لم يزد المؤمنين إيمانا على إيمانهم في ذلك الزمن بل لا يزال يزيدهم إيمانا اليوم أيضا. لقد نشبت كثير من الفتن مثلها وتلاشت، وأظهر الله تعالى غيرته لخليفته ولجماعته دائما وقضى على مؤامرات الأعداء. هذا ما حدث في الماضي ويحدث اليوم وسيحدث في المستقبل أيضا بفضل الله تعالى.

 

$$$$

 

 

"رابعة انقلابي".. تفاصيل الفتنة الناشبة في عهد حضرة الخليفة الثالث رحمه الله تعالى:

كان عهد خلافة حضرة مرزا بشير الدين محمود أحمد، المصلحِ الموعود رضي الله عنه الخليفة الثاني للمسيح الموعود عليه السلام ممتدًا إلى أكثر من نصف قرن. ووُلد في هذه الفترة الطويلة الأمد أطفال وشبّوا وترعرعوا وتزوجوا، ثم كان لهم أولاد شبّوا وترعرعوا وتزوجوا، فرُزق هؤلاء أيضا الأولاد، أعني بذلك أن تصور الجماعة الإسلامية الأحمدية بدون حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه كان مستحيلا في رأي الأحباب والأغيار على سواء.

ولكن لا بد لكل إنسان من الموت والرحيل من هذه الدنيا، وبحسب هذه السنة الكونية توفي حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه أيضا إلى رحمة الله بعد أن عاش حياة عظيمة حافلة بإنجازات هائلة، وجعل خلالها الجماعةَ تجري بسرعة على طرق الازدهار الواسعة. ولكن لم يكن رحيل حضرته أقلَّ من تحقق أمنية قديمة للمعارضين والمنافقين، فعادت أمانيهم إلى الحياة من جديد، وظنوا أن الفرصة سانحة الآن للهجوم على الخلافة الأحمدية.

وبعد رحيل المصلح الموعود رضي الله عنه، اختار الله تعالى حضرة مرزا ناصر أحمد -رحمه الله- خليفةً ثالثا للمسيح الموعود عليه السلام، فشرع أهل الفتنة في شنّ الهجمات على الخلافة الأحمدية. في البداية طعنوا في مبلغ علم الخليفة الثالث، ثم اعترضوا على المواضيع التي كان يتناولها في الخطب، وحينًا رموه بالانحياز والمحاباة للأقارب، وآخر اتهموه بإهدار أموال الجماعة في حياة البذخ والمتعة، والعياذ بالله.

الحكمة في ورود واقعة الإفك وقيام الخلافة معًا في القرآن الكريم:

لقد بين حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه لدى تفسير سورة النور نكتة معرفة رائعة، وهي أن الله تعالى قد أخبر في هذه السورة أن إقامة الخلفاء هي مسؤوليته هو سبحانه وتعالى، كما ذكر تعالى في هذه السورة نفسها واقعة الإفك أيضا. والحكمة في ذلك أن المنافقين كانوا يريدون بواقعة الإفك القضاءَ على إمكانية خلافة أبي بكر رضي الله عنه، الذي كان أقرب الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم . وهكذا قد آذى المنافقون بإفكهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم  كما سعوا بذلك لإعاقة قيام الخلافة بعده. فإنهم لم يشنّوا هذا الهجوم القذر على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فحسب، بل شنوا هجوما مشينا على عرض النبي صلى الله عليه وسلم  أيضا. لقد كانت مؤامرة محبوكة ضد الخلافة الراشدة. (انظر التفصيل في تفسير سورة النور في التفسير الكبير)  

تفاصيل فتنة "رابعة انقلابي" (أي رابعة الثورية):

منذ عام 1965، أي منذ بداية العهد المبارك لحضرة الخليفة الثالث وحتى 1972، بذل المعارضون ومعهم المنافقون كل ما في وسعهم ضد الخليفة الثالث لمدة سبع سنوات على التوالي، وقد انحطّوا في شرورهم إلى توجيه مطاعن قذرة كانوا يدركون جيدا أن الجماعة الأحمدية لن تتوجه للرد عليها، لأن الجماعات الإلهية لا ترى مثل تلك المطاعن تستحق الرد. فبدأوا مسلسلا من اعتراضات دنيئة قذرة جدا لا تقبلها الأخلاق ضد شخص الخليفة الثالث رحمه الله وضد سكان ربوة الأحمديين. وهذه المطاعن والهجمات القذرة يمجّ أيُّ مجلس شريف ذكرَ تفاصيلها، ولا يمكن كتابتها أيضا. كانوا يقولون أن حضرة الخليفة الثالث لا يستحق أن يسمى خليفة، فعليه أن يستقبل من الخلافة، وإلا فإن أبناء الجماعة سوف يتمردون عليه.

تآمر المنافقين والمخالفين معًا في هذه الفتنة:

لقد سبق أن ذكرنا في مقال سابق لدى الحديث عن الفتن التي نشبت ضد الخلافة ما بين 1927 إلى 1937 أن المعارضين المتربصين بالجماعة وكذلك المنافقين المغرضين اتّحدوا واصطفّوا معًا ضد الجماعة الأحمدية التابعة للخلافة، وهذا نفسه ما حصل لدى فتنة "رابعة انقلابي" أيضا. فإن جريدة "بيغام صلح" الصادرة من قبل غير المبايعين (اللاهوريين) صدّقتْ كعادتها مطاعنَ المنافقين ونشرتْها على نطاق واسع، بدون تحري الأمر. فبذلتْ كل ما في وسعها لبثّ الشكوك والشبهات في قلوب أبناء الجماعة الأحمدية، وذلك في أعدادها الصادرة في هذه الفترة بكتابة عناوين بارزة مثيرة مثل: بطلان خلافة ربوة، الانشقاق والانفجار داخل خلافة ربوة، وما إلى ذلك.

ردة فعل حضرة الخليفة الثالث رحمه الله تعالى:

ألقى حضرة الخليفة الثالث رحمه الله تعالى خطبة الجمعة في "مسجد مبارك" بربوة في 10 مارس 1972 وأرشد الجماعة كيف يجب أن تكون ردة فعل أبنائها على هذه الفتنة والفتن الآتية، مما زادهم بصيرةً وهدى. استهل حضرته الخطبة بقول الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نصيرا} (النساء 146)، ثم قال: "سيكون المنافق في أشد العذاب في جهنم لأنه يزرع الفتن ويعيث الفساد دائما كما يخبرنا القرآن الكريم، ورغم أنه يكون مفسدا إلا أنه يأتي الجماعات الربانية متنكرا بزيِّ المصلِح."

وقال رحمه الله أيضا: "لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم  إن من أبرز خصال المنافق أنه إذا حدّثَ كذبَ. (مسلم، کتاب الإیمان، باب خصائل المنافق). فكل كلامه يكون مشوبا بالكذب."

وقال حضرة الخليفة رحمه الله تعالى أيضا:

"في عهد خلافة حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه أيضا قد ظهرت فتنُ المنافقين على فترات، ومنها مثلا "فتنة المصريين"، ولكن جيلنا الشاب ربما لا يقرأ هذه الواقعات، لذا فلم تسمع آذانهم من هذه الأمور إلا قليلا. ثم كانت هناك "فتنة فخر الدين الملتاني" أيضا. باختصار، تظهر في الجماعة مثل هذه الفتن الكبيرة والصغيرة من حين لآخر، لكيلا نخلد إلى النوم والغفلة، إنما يريد الله تعالى بها أن نكون يقظين حذرين دوما."  

ثم تحدث حضرة الخليفة الثالث رحمه الله تعالى عن الاعتراضات التي تثار من قبل المنافقين، فقال: "أضرب لكم بعض الأمثلة بغيةَ إيضاح الأمر. إن المنافقين لا يبرحون يتكلمون بكل رطب ويابس مما يثير غضبكم بحسب إيمانكم، ولا جرم أنكم تدْعون أيضا بأن يهديهم الله تعالى."

ثم ذكر حضرته رحمه الله تعالى سبعة من اعتراضات المنافقين وأزال الشبهات الحائمة حولها. ونورد فيما يلي بإيجازٍ هذه الاعتراضات مع رد حضرته عليها.

الاعتراض الأول: إنه خليفة عجيب حيث يتحدث عن الخيل في خطبه.

وقال حضرته رحمه الله تعالى ردا على هذا الاعتراض: "عندما تحدثتُ عن الخيل في الخطبة (وكان ذلك في خلْفية معينة) كنتُ قلت أيضا أنه يجب علينا تجميع كل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم  وخلفائه الراشدين عن الخيل."

 ثم رفع حضرته مسودة كتاب وقال: "إن هذه المسودة التي ترونها في يدي قد سمّيتها "كتاب الخيل"، وهي ثلاث مئة وخمس وسبعون صفحة، وأكثرها أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن الخيل.  فإنْ كان ملِكُ السماء الروحانية يظل ملِكًا للسماء الروحانية رغم كلامه هذا الكثير عن الخيل، فإن خليفة مثلي -الذي هو أدنى منه مكانة جدا- إذا تكلم ببعض الأمور عن الخيل فتعترضون عليه قائلين: إنه خليفة عجيب. فالحق أن اعتراضكم هذا ليس إلا اختلاقا وافتراء."

الاعتراض الثاني: الشبهات حول مصارف تبرعات التحريك الجديد والوقف الجديد.

لقد تناول حضرة الخليفة رحمه الله تعالى باختصار مصارفَ تبرعات التحريك الجديد والوقف الجديد، ثم ذكر تفاصيل هذا الاعتراض وقال:    

"والمثال الذي ذكروه بهذا الصدد جدير بالاستماع. يقولون: انظروا، إذا أراد مرزا طاهر أحمد السفر إلى كراتشي فإنه يسافر بالطائرة، ولكن هذه السهولة غير متيسرة للدُعاة الذين يوفدهم مكتب "التحريك الجديد" إلى الخارج."

ثم قال حضرة الخليفة الثالث رحمه الله ردًا على هذا الاعتراض: "الحق أنه بعد كل أسبوع أو عشرة أو شهر يسافر داعية من دعاتنا إلى الخارج، وكلهم يسافرون بالطائرة. فترون أن المعترض قد أخفى نصف الحقيقة في اعتراضه. والذي يتناهى إلى مسامعه أن مرزا طاهر ذهب إلى كراتشي بالطائرة، ولكن دعاتنا الذين يذهبون إلى الخارج لا يسافرون بالطائرة، فسوف يفكر ويقول: ما هذا الذي يحدث؟ أو على الأقل إن النشء الذين لا علم لهم بالحقيقة سوف يستغربون حتما مما يسمعون."

وهكذا قد بين حضرة الخليفة رحمه الله تعالى أن المنافقين يستهدفون جيلنا الصاعد محاولين غسيل عقولهم في الواقع.

الاعتراض الثالث: قد ولّى الخليفة أفرادَ عائلة المسيح الموعود عليه السلام كلَّ المناصب في الجماعة

قال حضرة الخليفة الثالث رحمه الله ردا على هذا الاعتراض: "هذا الطعن لم يوجهه المنافقون إلي فقط، بل ظلوا يوجهونه إلى الخليفة الثاني أيضا."

ثم ذكر حضرته رحمه الله أسماءَ كل الأقسام والمناصب الهامة في الجماعة تقريبا، مبينًا أن مدراء كثير من تلك الأقسام والشعب ليسوا من عائلة المسيح الموعود عليه السلام أبدا.

ثم قال حضرته رحمه الله: "إن هؤلاء يتفوهون جراء جهلهم المطبق بكلام باطل ومفترى بدون تفكير، ظانين من حماقتهم أن الدنيا لن تفكر فيما يقولون، أو أن الناس لن ينتبهوا إلى مكيدتهم وشرورهم، أو لن يلوموهم على تصرفهم هذا رغم إدراكهم حقيقة الأمر. أيها المنافقون كيف تظنون بسبب حمقكم أنكم تستطيعون كتمان تصرفاتكم هذه عن الله تعالى وستنجون من غضب الله وسخطه. ‘‘

الاعتراض الرابع: أن الخليفة لا يقيمه الله تعالى، بل يقيمه الناس

قال حضرته رحمه الله ردًا عليه: "لقد أثير نفس الاعتراض ضد الخليفة الأول وضد الخليفة الثاني رضي الله عنهما، ويثار ضدي أيضا اليوم."

ثم بیَّن حضرته تفاصیل انتخاب سیدنا الخلیفة الأول رضي الله عنه وفتنةً ظهرت عند انتخاب الخلیفة الثاني رضي الله عنه، ثم بيّن كيف تم انتخاب الخليفة الثالث بواسطة لجنة انتخاب الخليفة التي شكلها سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه وأن الله عز وجل هو الذي قد ألقى هذه المسؤولية على عاتقه. وقال:

"أما الاعتراض أن الله لا يجعل الخليفة بل الناس يجعلونه، فقد ردّ عليه سيدنا الخليفة الأول رضي الله عنه قائلا: إن إثارتكم النقاش حول الخلافة إنما هي شعبة من رفض "الروافض". عليكم أن ترفعوا شكواكم إلى الله تعالى بأن رجلا من سكان مدينة "بهيره" قد أصبح خليفةً. ثم هناك الذين يتساءلون ويقولون: ما الذي يفعله الخليفة؟ إنه يقوم بتعليم الأولاد فقط! ويقول البعض: إنه مغرم بالكتب، وهو دائم الانشغال بالكتب. إنكم يمكنكم أن تلصقوا بي ألف خطأ وعيب، ولكن تذكروا أنكم لا تصمونني بها، بل إن كل إساءاتكم هذه موجَّهة في الواقع إلى الله الذي جعلني خليفة." (حياة نور، نقلا عن بدر 11/7/1912)

 وأخبر حضرة الخليفة الثالث رحمه الله بأن بعض الفتّانين قد حاولوا في هذه المناسبة إثارة النقاش حول ضرورة المجدد الآن لا الخليفة، ثم قام حضرته بتفسير آية الاستخلاف ولا سيما قوله تعالى "ليستخلفنّهم" تفسيرا لطيفا مبينًا أن انتخاب الخليفة يكون بيد الله عز وجل، ومفنِّدًا جميع الشبهات من هذا القبيل.

 ثم تناول حضرته اعتراضَين آخرين قد أثارهما المنافقون على راتب الخليفة ولجنة انتخاب الخليفة التي شكلها المصلح الموعود رضي الله عنه، فقال:

"عند تشكيل هذه اللجنة صرَّح حتى غير المبايعين (اللاهوريون) قائلين ليت سيدنا الخليفة الأول كان قد شكل مثل هذه اللجنة."

"أما مسألة راتب الخليفة فلا حاجة لي إلى قرش من أموال "الأنجمن" الأحمدية، فقد وعد الله عز وجل الخلافةَ الأحمدية "سأرزقك كثيرا حتى تشبع".

ثم قال حضرته: "إن الموافقة على اقتراح لمجلس الشورى إداريا لأمرٌ آخر تماما. فتحديدُ راتب الخليفة حتى لا يواجه الخلفاءُ في المستقبل ضائقة مالية أمرٌ آخر. أما أنا فلا آخذ من الجماعة شيئا، إنما أنفق على الجماعة، ويمنعني عن الخوض في تفصيل ذلك تعليمُ القرآن الكريم الذي يأمر بالإنفاق "سرًّا".

وقال حضرته رحمه الله تعالى: "لقد قال منافق عني بأني أملك وسائل الدخل التي لا حصر لها. وأقول له: لقد صدقتَ، فأنا أملك وسائل الدخل التي لا حصر لها، لأن الذي هو مالكُ جميع ثروات العالم وخزائنه قد قال لي: "سأرزقك كثيرا حتى تشبع". لهذا أملكُ وسائل بلا حدود حقا."

ذكرُ إثارةِ أولادِ سيدنا الخليفة الأول رضي الله عنه الفتنةَ ضد الخلافة:

قال حضرته رحمه الله: "حين فَصَلَ سيدُنا المصلح الموعود رضي الله عنه بعضَ أولاد الخليفة الأول رضي الله عنه عن الجماعة بعد غض الطرف عن تصرفاتهم طويلا لكي ينقذ الجماعة من الفتن، حرّضهم اللاهوريون على التمرد. وقد ذكر حضرته رحمه الله فتن اللاهوريين كما ذكرها سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه كالتالي:

"لقد نشر أحدهم واسمه محمد حسين تشيمه مقالا كتب فيه أن نظامنا (أي نظام غير المبايعين) ومنبر جماعتنا حاضرٌ لدعمكم، ونقول لكم: تشجعوا واثبتوا بهمة، وحذار أن تخافوا مرزا محمود، بل يجب أن تميطوا اللثام عن خلافته، وإنا معكم ومن الناصرين."

(الخلافة الإسلامية الحقة، خطاب سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه في جلسة سنوية عام 1956)

وقال سيدنا الخليفة الثالث رحمه الله:

"هذا ما قاله غير المبايعين لمثيري الفتن في ذلك الوقت، وهذا ما يقوله اليوم أهل الفتنة للجماعة كلها. وبما أن النفاق يظل متنكرًا في الحقيقة ولا يأتي أمام الناس عيانا، ولذلك تجدون أن زعيمتهم هذه أيضا قد جاءت متنكرةً، أي في صورة أنثى وباسم "رابعة انقلابي" أي "رابعة الثورية".

بعد ذلك قرأ حضرته رحمه الله مقتبسًا من رسالة هذه المرأة "رابعة الثورية" الموجَّهة إلى أبناء الجماعة وهو:

"لذا لاكتمال الثورة ثمة حاجة ماسة لتعاونكم... من المؤكد أنكم اليوم تبدأون عهدا جديدا في التاريخ بناء على عزيمتكم الحديدية. أيها الأصدقاء أنتم المصدر الحقيقي للقوة، وإن وجود الجماعة يتوقف عليكم، فلن تنحلّ مشاكلكم ما لم تشعروا بقوتكم، لذا يجب أن تكثّفوا جهودكم لإقامة القانون العام والعدل العام في ربوة."

ثم قدم حضرته رحمه الله سطرا آخر كنموذج من رسالة رابعة الثورية المحرِّضة على الفتنة وهو:

"ألا تتحول مدينة ربوة مركزًا لأفعال شاذة وعلاقات غير شرعية بين الرجل والمرأة نتيجة السباق الاقتصادي؟"

وبعد قراءة هذه الجملة المثيرة للفتنة قال حضرته:

"مِن ربوة نفسها التي تحولت في نظراتهم الخبيثة مركزا لأفعال غير طبيعية وعلاقات غير شرعية بين الرجل والمرأة، يقولون انهضوا وأحدِثوا الانقلاب. أيها المنافقون الجهلة إن المكان الذي اعتبرتموه أسوأَ مكان في نظر الله كيف ترجون أنتم منه الخير."

حثّ هؤلاء الفتانون رابعة الثورية على كتابة مقال لإثارة الأحمديين جاء فيه: "يا رفاقي الشجعان أولي العزم، لقد حصلت ثغرة في حصن الملوكية، وثمة حاجة لهزة واحدة فقط، فانهضوا وتقدموا، وأَثبِتوا بإمساك تلابيب العملاء باعةِ الضمير لهامان (أي للخلافة الأحمدية) بقوة أن هامان لن يستطيع الآن العيشَ متنكرا بالحلّة الدينية. فانهضوا بهمة، وتقدموا وأزيحوا عرش الملوكية بركلة واحدة وارموه بعيدا."

نهاية الفتنة واستمرار الجماعة على سبل التقدم والازدهار بانتظام:

فهكذا بيَّن سيدنا الخليفة الثالث رحمه الله للجماعة تفاصيل الفتنة برمتها، وحذر الفتانين قائلا: "الخلافة المحاطة بنصر الله عز وجل والتي يحرسها عونُه عز وجل، إذا وقعت قدمُكم على حصن هذه الخلافة فسوف تتمزق عظامكم كل ممزق بحيث تختفي ذراتُها عن أعين الدنيا."

فكانت نهاية هذه الفتنة أيضا على شاكلة نهاية الفتن التي تظهر ضد الجماعات الإلهية، نفس النهاية التي كانت لكل فتنة ظهرت ضد الجماعة الإسلامية الأحمدية. فخلال مدة قصيرة خمدت هذه الفتنة أيضا، وهكذا أخبر الله عز وجل بفعله المنافقين مرة أخرى أنه بنفسه سيتصدى لكل قوة تتمرد على الخلافة الأحمدية، لأنه هو الذي قد أقام هذه الخلافة بيده وهو الحامي لها.

ننهي المقال بكلمات سيدنا الخليفة الثالث رحمه الله، التي وجهها إلى الفتانين مشيرا إلى إخلاص أبناء الجماعة حيث قال:

"أيها الجهلة، إنكم لم تعرفوهم (أي أبناءَ الجماعة). إنّ عيونكم لا تنظر إلى نبضهم، ولا تعرفون مِن أي طينة قد خُلقوا. وما أدراكم أنهم آمَنوا بأسد الله الذي كان قد أعلن رغم معارضة العالم كله: "ليس في طبعي مادة الفشل والخيبة أبدا." فليس في طباع الأحمديين أيضا مادة الفشل أبدا، فسوف تتلقى آذانهم صوتَكم أحقرَ مِن صوت ابن آوى، الذي يتناهى إلى أسماعنا أحيانا بالليل. يا بنات آوى الجبانين المنافقين، أنتم لا تعرفون أبدًا نوعية هذه الجماعة، ولا تدرون كم هي قوية، وما هو مصدر قوتها، وكم هي فداء لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكم كان يحبُّها نجلُه الروحاني المسيحُ الموعود عليه السلام. فأنى لكم أن تعرفوا الكيان الجميل الذي نسميه الجماعة الأحمدية. فحذارِ ثم حذارِ. متى تقدرون الارتقاء إلى الكائنات التي تطير في الأجواء العالية. فعودوا إلى الصواب، وأَعمِلوا عقولكم."   (خطب ناصر، مجلد 4 ص 81)

هذا هو الرد الذي وجهه سيدنا الخليفة الثالث رحمه الله إلى المنافقين، وقد قمع به تلك الفتنة. وهو نفسه ردُّ الجماعة الإسلامية الأحمدية اليوم أيضا، ونفسه سيكون في المستقبل أيضا. إن شاء الله عز وجل.

 

***** 


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

خطب الجمعة الأخيرة