loader

أمير المؤمنين نصره الله يحذر من حرب عالمية

لطالما حذّر أمير المؤمنين نصره الله من حرب عالمية ثالثة إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه، إلا أنه في خطبته الأخيرة في 13-9-2013 زاد الأمر توضيحا، فخصّص الخطبة لهذا التحذير، فبدأ خطبته بقوله:
"إنّ الظروف العالمية تتحرك إلى الدمار بسرعة هائلة، والظروف السائدة في سورية خاصة، بل في البلاد العربية بوجه عام يمكن أن تؤدي إلى دمار شامل وخطير. وإذا ما تورطت القوى الخارجية في الحرب في سورية فلن يواجه الدمارَ العالـمُ العربي فقط، بل تتضرر به بعض البلاد الآسيوية أيضا ضررا كبيرا. ولكن لا تدرك حكومات البلاد العربية ولا القوى الكبرى كذلك أن هذه الحرب لن تقتصر على سورية فقط، بل يمكن أن تكون مقدمة لحرب عالمية".
وبعد هذه المقدمة دعا حضرته أفراد الجماعة إلى أن يكثروا من الدعاء لإنقاذ العالم من هذا الدمار.
وقال: "ليست عندنا وسيلة يمكننا أن ننقذ بها العالم من الدمار سوى الدعاء. لا يسعنا إلا أن نحذِّر العالم والقوى الكبرى من تلك النتائج الخطيرة، وهذا ما نفعله بين حين وآخر بقدر ما هو في وسعنا. إنني أحذر قدر الإمكان رجال السياسة والحكومات. ولقد شاركتني الجماعة الإسلامية الأحمدية في نشر هذه الرسالة على نطاق واسع في بلاد العالم كله. ويقول هؤلاء الزعماء ورجال السياسة بكل قوة وشدة بأن ما تقوله صحيح تماما ورسالتك هذه جاءت في وقتها تماما ويؤيدون كلامي، ولكن عندما يأتي وقت العمل به تتغير أولويات القوى الكبرى. إننا نفعل ما نستطيع فعله، أما السلاح الحقيقي في يدنا لجذب أفضال الله تعالى فهو الدعاء، لذا يجب على أبناء الجماعة أن يكثروا من الدعاء للبشرية بوجه عام ولإنقاذ الأمة المسلمة من الدمار بوجه خاص".



وحي: "بلاء دمشق" وتحققه
ثم تحدث أمير المؤمنين نصره الله عن إلهام تلقاه المسيح الموعود عليه السلام، ونصه: "بلاء دمشق". وذكَّر بما قاله الخليفة الثاني رضي الله عنه أنّ هذا الإلهام تحقق في عام 1925 حين تعرّضت دمشق لقصف الفرنسيين، والذي استمر إلى 58 ساعة، حيث قتل في هذه الغارة 7 أو 8 آلاف، وتهدمت البنايات التاريخية، ولم تتعرض دمشق لمثل هذا من قبل.


وقال حضرته معقبًا: "أقول بكل أسف بأن ذلك البلاء الذي أدّى إلى خسائر ذكرتها كان قد حلَّ بيد الأغيار، ولكن هناك بلاء آخر حل الآن، وقد حل بيد المسلمين أنفسهم، ولا تزال دمشق وسورية تدمَّر من أقصاها إلى أقصاها منذ سنتين ونصف تقريبا، وقد قُتل أكثر من مئة ألف شخص بحسب تقديرات دقيقة، ويقدّر البعض عدد القتلى بأكثر من ذلك بكثير. وقد شُرد ملايين من الناس وتحولت بيوتهم إلى أنقاض وصارت الأسواق خرابا يبابا، وقد أُطلقت القذائف على قصر الرئاسة والمطارات والبنايات المختلفة ولم يعد هناك مكان آمن قط"


وتابع حضرته يقول:
"الجيش النظامي يقتل المواطنين والمواطنون يقتلون الموالين للحكومة، بمن فيهم عناصر الجيش وغيرهم. العلويون يقتلون أهلَ السنة وأهلُ السنة يقتلون العلويين. والجميع يدّعون بأنهم يؤمنون بالنبي نفسه. وقد انضمّ الإرهابيون لمؤازرة الجهود التي يبذلها باسم الحرية معارضو الحكومة من العامة الذين هم من أهل السنة. وستظهر سريعا الأضرار التي تصيب البلد من هؤلاء الإرهابيين. باختصار، من المؤسف أن هذا البلاء الذي أتى هذه المرة يتخذ سمة خطيرة ويتأزم، وهؤلاء لا يعرفون أنهم نتيجة ممارستهم المظالم ضد بعضهم والتعارك يضعفون أنفسهم -حيث يرتكب المواطنون المظالم باسم الحرية، كما ترتكب الحكومة المظالم باسم إحلال الأمن- ويتيحون الفرصة حتى تبذل القوى العظمى الجهودَ القصوى لنيل مصالحها بحجة إقامة السلام والقضاء على الظلم. لكن هذه القوى العظمى لا تعرف أن هذه المساعي والجهود قد تؤدي إلى تدمير العالم كله؛ فبعض الحكومات الكبرى وبعض الحكومات الإقليمية أيضا تؤيد موقف سورية أو تساعدها، وكذلك الحكومات الأخرى تدعم وتساند المعارضة أيضا بل أغلبية الحكومات الكبرى معها. فهذه الأوضاع أدَّت إلى خطر كبير، لكن الأسف على المسلمين الذين يدَّعون العمل بالتعليم الذي قال الله سبحانه وتعالى بحقه إنه قد بلغ الكمال، كما يدَّعون الانتماء إلى أمة وصفها الله بـ"خير أمة"، ولكنهم لا يقومون مطلقا بعمل الخير في العصر الحاضر! فلم تبق لديهم مواساة ولا هم يعملون بأي جزء من التعليم الإسلامي العظيم. وقد تلاشت عندهم الغيرة إذ يطلبون المساعدة من الأغيار لقتل إخوتهم المسلمين!"


السبيل لحلّ هذا الصراع:
ثم يتحدث أمير المؤمنين نصره الله عن الحلّ الذي يقترحه، فيقول:
"يقول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، أي إذا تخاصم طرفان فأصلحوا بينهما بالعدل، وبيَّن معيار العدل أيضا أنه رفيع جدا حيث قال في موضع آخر: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا.. فإذا كنتم تريدون حب الله بدلا من الأهواء المادية فمهمة المسلم هي إقامة العدل في المسلمين وفي غيرهم أيضا، وقال بأن هذا السلوك من العدل المطلق: هو أقرب للتقوى، ولقد أُمر المسلم مرارا وتكرارا أن يتحلى بالتقوى".


ثم ذكّر حضرتُه باقتراح إرسال قوات عربية لسوريا لحلّ الصراع هناك، وقال:
"كان يجب على جامعة الدول العربية أن تعلن بوضوح قائلة: سنتولى نحن إصلاح الفتن الحاصلة في منطقتنا وخاصة في المنطقة التي يقيم فيها أهل ديننا. نحن المؤمنون بإله واحد ورسول واحد ونعمل بتعليم كتاب واحد، ونعدّ هذا الكتاب دستورا لنا.. فإن كان الخلاف قد نشأ فينا، وإذا كان القتال قد قام بين طائفتين في بلد واحد أو بين الشعب والحكومة لسبب جائز أو غير جائز، فسوف نعثر على حل لهذه المشكلة في التعليم الكامل لكتابنا. فإذا كانت طائفة منا قد بغتْ فللقضاء على هذا البغي إذا احتجنا إلى الغير لمساعدة تقنية أو أسلحة فيمكن أن نتلقاها، إلا أن خطة العمل والأيدي التي ستعمل للقضاء على هذه الفتنة ستكون منا".


خطورة التدخّل الخارجي:
وقد ظلّ أمير المؤمنين نصره الله يؤكد على الضرر البالغ من التدخل الخارجي، لذا تابع يقول محذرا منه:
" لو كان لدى المسلمين هذا التفكير لما تجرأ أي من الآخرين على أن ينظر إلى البلاد الإسلامية بسوء، فأي دافع يمكن أن يكون عند مَن يقيم على بُعد آلاف الأميال في بلد ما للتدخل؟ ليس هنالك من دافع إلا أنه يريد أن يضع يده على ثروة ذلك البلد أو يفرض هيبته على الخصم المنافس كقوة عظمى، أو يفرض سيطرته على البلاد الصغيرة الفقيرة التي تحدث فيها الفتن، ويثبت تفوّقه.


باختصار إن الغير يتجرأ لدرجة قد أعلنت حكومة إحدى البلاد أنها ستشن الهجوم على سورية حتى لو لم تسمح الأمم المتحدة لهم بشن الغارة عليها؛ فهذا من حقنا! وسبب ذلك أن البلاد الإسلامية قد ضعفت وأن المسلمين قد نسوا تعليم الإسلام. وترى هذه البلاد تبرر موقفها بدليل طفولي مفاده أن الأمم المتحدة لا تستطيع أن تفرض سيطرتها على سياستهم الخارجية. فما علاقة السياسة الخارجية بهذا؟ فحين يبلغ عداء العدو ذروته ترى بعض المثقفين ظاهريًا أيضا يتكلمون بما ينمّ عن الجهل، نحن ننظر إلى هؤلاء ظنا منا بأنهم عقلاء جدا، لكنهم يتكلمون كلاما جاهليا. فلا علاقة لكم بالقضية وأنتم على بُعد آلاف الأميال، وإذا كانت لأي مؤسسة علاقة بها وينبغي أن تكون فهي الأمم المتحدة فقط، لأن هذا البلد عضو فيها. وليس لأي بلد علاقة شخصية بالقضية، كما لا يشكِّل البلد الذي فيه المشاكل خطرا مباشرا عليه. فما علاقة السياسة الخارجية بالقضية؟ إنما هو عناد وتعنت وسعي مذموم لإثبات السيطرة. فالسلام لا يستتب في العالم بهذا الأسلوب، وإقامة السلام تتطلب أداء مقتضيات العدل والإنصاف. فليس هناك تعليم جميل مثل تعليم الإسلام: "لا يمنعنَّكم من العدل عداءُ العدو". فمن هذا المنطلق لفتُّ انتباهَ حكام العالم مرارا أن إقامة السلام لا تتم إلا بتنفيذ هذا التعليم، أي لا تترسخ دعائم السلام إلا بالعمل بتعليم هذه الآية التي تلوتها. فإذا سعتِ الأمم المتحدة لإنشاء السلام بحسب هذا المبدأ فسيستتب السلام، وإذا سعت البلاد كلها متكاتفةً لمكافحة الظلم فإنّ العدل سيسود، ولا يتحقق ذلك إذا كان بعضها يتمتع بحق الفيتو والقوة لتنفيذ رغباته. فالقضية لا تخصّ السياسة الخارجية لأيّ بلد".


ثم انتقد الخليفة الخامس ما صرحت به إحدى الدول قائلة: لن نرسل الجيش إلى أراضي سورية بل سنشارك في شن الغارات الجوّية. فقال معلقا:
"هذا يعني أنهم يريدون أن يحوّلوا تلك المدن والبلاد خرابًا ودمارًا كما فعلوه أول مرة، وسيقتلون الأبرياء، ويقتِّلون الأطفال والنساء أيضا كما فعلوه في العراق وليبيا دون أن يعثروا على ما كانوا يدّعونه، والنتيجة نفسها ستبرز ههنا أيضا. لقد تحولت المدن هناك إلى الخراب والأنقاض ولا زالت تلك المناطق تفتقر إلى الأمن والسلام".
ثم ذكر الخليفة نصره الله قول رئيس الوزراء الروسي مخاطبا الدول الغربية الساعية إلى العدوان، وهو: "إن قراراتكم التي اتخذتموها منفردين لا يمكن أن تكون قائمة على العدل، إذا كنتم تريدون اتخاذ مثل هذه القرارات بهذه الطريقة فلماذا إذًا أنشأتم منظمة الأمم المتحدة؟ إذا استمر الحال على هذا المنوال فإن منظمة الأمم المتحدة أيضا ستلقى مآل منظمة عصبة الأمم، ولقد أرسلنا لكم سابقا أيضا هذه الرسالة مرة بعد أخرى"، وعلّق على ذلك بقوله: "ولا شك في صحة قوله هذا".


الوضع في مصر:
ولم ينسَ أمير المؤمنين نصره الله أن يعرّج على الوضع في مصر، فقال: "ثم إنهم كانوا قد أطاحوا بالحكومة في مصر بحجة أنها لا تؤدي حقوق الشعب وتقتل الناس بلا هوادة لإحكام سيطرتها عليهم. كلامهم صحيح حقًّا، إذ كانت الحكومة السابقة تسلك هذا المسلك الخاطئ تمامًا، ولكن الحكومة التي أعقبتها كانت للمتشددين والمجانين دينيًا، مما أقضَّ مضاجع هذه القوى الكبرى مرة أخرى، وأخذوا يفكّرون فيما يمكنهم فعله تجاهها. لقد سألني عندها أحد كبار الصحفيين لجريدة واسعة الانتشار في أميركا: ما هي إمكانيات إقامة الأمن والسلام في مصر بعد هذا التغيير؟ فقلت له في ذلك الوقت: لعلكم قد أطحْتم بتلك الحكومة لفرض سيطرتكم، ولكن قد خابت تقديراتكم، لأن الذين قد تولوا الحكم الآن هم الآخرون ليسوا حائزين على رضاكم ولا رضى الشعب، إذ إن معظم الشعب يعارضونهم. فلا زالت الجذوة مشتعلة، وسترون أن الدماء ستُهرق بغزارة بعد بضعة أشهر على الشاكلة التي أهرقت قبلها. لقد تحقق ذلك قبل الوقت الذي كنت أقدره، وأوضاع مصر في الأيام الماضية ماثلة أمامنا".
أحداث العالم العربي ودور الدول الكبرى:
وأعاد الخليفة نصره الله التذكير ببداية الأحداث في العالم العربي ودور الدول الكبرى وكيليها بمكيالين فقال:
"لعل الأسباب التي أدت إلى حدوث الاضطرابات في البلاد الإسلامية لها مبررها عند شعوبها، ولكن كلما تدخلت القوى الكبرى في شؤون هذه البلاد أدى ذلك إلى إثارة الفتن ونشر الفساد. ولقد ألقيت خطبتين أو ثلاثة حول هذا الموضوع في مطلع عام 2011 وأوضحت فيها أن الخطط الظاهرة والخفية التي ستضعها القوى الكبرى باسم الأمن والسلام نظرًا لأوضاع المسلمين المتدهورة ستضر بالمسلمين في نهاية المطاف، ولن ترضى هذه القوى بحال من الأحوال أن تتضرر مصالحها. فانظروا الآن، أن هذه القوى دعمت الشعب في أعمال القتل والدمار في عهد حسني مبارك فأُقصيَ عن الحكم وأثيرت ضجة كبيرة، ولكن عندما لم تراع الحكومة التالية أيضا مصالح هذه القوى الكبرى تولى الجيش الحكمَ وأريقت الدماء أكثر مما أريقت سابقًا، ومع كل ذلك لم يبدِ أحد مواساة للشعب هذه المرة، ولم يحرك أحد ساكنًا. إنها ازدواجية في المواقف".


نصائح للحكومات:
ثم توجه حضرة الخليفة بنصيحته للحكومات فقال:
"آن لحكومات البلاد الإسلامية أن تُبدي غيرتها، وعليها أن تنظر إلى مصالح الأمة المسلمة بدلا من مصالح بلادها فقط. ولا يتأتى ذلك إلا إذا تولدت التقوى في قلوب الحكام والشعب وسعوا جاهدين للعمل بالأسوة الحسنة للنبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب ادعائهم بحبه، وشعر الحاكم والشعب بمشاعر النبي صلى الله عليه وسلم وآلامه وعملوا بتعليمه".
ثم قدم الخليفة الأحاديث النبوية التالية التي تنبه الحكّام إلى مسئولياتهم:
1: عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ (أولهم) الْإِمَامُ الْعَادِلُ. (البخاري، كتاب الأذان)
2: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ جَائِرٌ. (الترمذي، أبواب الأحكام)
3: مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. (البخاري، كتاب الأحكام)
4: اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ. (مسند أحمد، باقي مسند الأنصار)
وعلّق عليها حضرته بقوله:
"هذه هي الأمور التي ينبغي على الحكّام أن يفكروا فيها، فإذا كانوا يريدون ظل رحمة الله تعالى فعليهم أن يعدلوا، وإذا كانوا يدّعون الإسلام فلا بد أنهم يرغبون في ظل رحمة الله تعالى، وإذا كانوا يريدون أن يكونوا مرضيين عند الله فلا بد أن يكفوا عن الظلم ويتخذوا قراراتهم مترفعين عن الأغراض والمنافع الشخصية. وإذا كانوا يريدون أن يدخلوا الجنة فلا بد أن ينصحوا لشعبهم على مبدأ المساواة، وإلا فإن الجنة عليه حرام على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كان أحد مؤمنًا فإن الحديث الأخير يهزّه من داخله بما حواه من هذا الدعاء: اللهم اشقق على الأمير الذي يشق على الناس وارفق على من يرفق بهم. اللهم وفق حكام المسلمين ليتعقلوا ويفكروا في هذه الأمور ويتدبروها".


نصائح للشعوب:
ثم ذكر الخليفة الأحاديث النبوية التالية التي تذكّر الشعب بما ينبغي عليه التعامل مع حكامه:
1: عن زَيْد بْن وَهْبٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللهَ حَقَّكُمْ. (البخاري، كتاب الفتن)
وعلق الخليفة بقوله:
"فلا تجوز الإضرابات والمظاهرات وأعمال القتل والدمار التي يقوم بها الناس لأخذ حقوقهم، إذا سألتم الله تعالى حقكم فإنه يُظهر أمورًا عجيبة تقصر عنها أنظار العالم كله".
2: أحد الصحابة سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا (هذا السؤال نفسه يسألنيه الأحمديون من العالم العربي) فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَقَالَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ. (مسلم كتاب الإمارة)
3: عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللهُ، حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِن اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ. (البخاري، كتاب الفتن)
4: عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَن اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا. (مسلم، كتاب البر والصلة).
وعلق الخليفة بقوله:
"فإن كنتم تريدون النجاة من أخذ الله تعالى فأدوا واجباتكم وفوّضوا أمر الحكام إلى الله تعالى وركّزوا على الدعوات".
معنى إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا:
وتابع أمير المؤمنين نصره الله:
"وأما كفر الحكام المذكور في الحديث السابق فمعناه مخالفتهم للأحكام الشرعية بشكل واضح جدًّا، وفي هذه الحالة لا تطيعوهم فيها فقط. خذوا مثلاً ما يُفعَل بالأحمديين في باكستان حيث يقال لهم: لا تشْهدوا الشهادتين، ولا تصلّوا، ولا تسلّموا على أحد. نقول: بأننا مسلمون، أما منعُهم إيانا من العمل بأحكام الشريعة ودفعنا لمخالفة أحكام القرآن الكريم، فلا طاعة لهم في مثل هذه الأمور، أما قوانين البلد الأخرى فلا بد من التقيّد بها وطاعتهم فيها".


الخلاصة: لا تظالَموا
وتابع أمير المؤمنين نصره الله يقول:
"فملخص التعليم الكامل قد ورد في هذا الحديث الأخير؛ أي لا تظالموا، فلا يظلمنّ الحكامُ الشعبَ ولا يقومنَّ الشعب لنيل حقوقه بظلم آخر. فمن واجب الحكام والرعية كليهما أن ينظروا هل يعملون بهذا التعليم أم لا، وهل يحرز الحكام أرفع معايير الإنصاف أم لا؟ فهل يعملون بتعليم الله بجعله شاهدا على كل قرار لهم؟ وكذلك فلينظر الشعب أيضا هل ينفذون سائر القوانين وأوامر الحكام قائلين "سمعنا وأطعنا" إلا التي تنافي أوامر الله بوضوح؟ فهل هم يبكون أمام الله وحده ضد الحكام الجائرين؟ فلا أعتقد أن أحدا يقوم بذلك اليوم إلا الأحمديون، إذن فكأننا سنعود إلى زمن ووضْع جاهلي كان قد ظهر فيه الفساد في البر والبحر. وكان مقدرا أن يأتي على المسلمين هذا الزمنُ. فمثل هذه الأوضاع كانت مقدرة في زمن الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام بحسب نبوءة القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم. فثمة حاجة ماسة إلى أن يبحث المسلمون وحكامُهم أيضا عن المبعوث من الله بحسب الوعد الإلهي لإصلاح هذا الفساد ويتمسكوا به. فليتدبر السوريون خاصة والمسلمون عموما هذا الإلهامَ الذي تلقَّاه المسيح الموعود عليه السلام "بلاء دمشق" فسيتبين عليهم أن صاحب هذه النبوءة مبعوث من الله، فليسمعوا له وإلا لا يقدر على الإرشاد والتوجيه في هذا الزمن إلا من أرسله الله. فبسبب هذه التصرفات للبلاد ستستغل الوضع المنظماتُ الدينية المتطرفة أو المنظمات التي تريد إقامة الحكومة باسم الدين. وأما الأعمال التي ستظهر بعد ذلك من القتل وسفك الدماء والتحارب والتقاتل فلا تخطر ببال".
وفي الأخير دعا الخليفة أن يلهم الله القادةَ المسلمين وشعوبهم الفهم وأن يوفِّقهم لإدراك موضوع وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، ليتقدموا في البر والتقوى، وينشروا الحب ويفتحوا القلوب. فقال:
"لا تُنال الحكومة إلا بفتح القلوب، وتأدية حقوق الشعب. فكل قائد مسلم بحاجة إلى أن يدرك هذا المغزى، فلينظروا إلى تاريخهم حيث كان المواطنون النصارى في زمن يدْعون نظرا لعدل الحكومة المسلمة وإنصافها أن يخلِّصهم الله من الحكام المسيحيين ليحكمهم المسلمون من جديد. أما اليوم فالمسلم يظلم مسلما آخر، فبدلا من أن يكونوا "رحماء بينهم" يقطعون رقاب بعضهم، والمسلمون يندفعون إلى البلاد المسيحية لنيل اللجوء والعيش الآمن، والحصول على الإنصاف، والعيش بحرية. ليت حكامَ البلاد الإسلامية يدركون واجباتهم. نسأل الله أن تصل إليهم رسالتنا هذه. وكذلك فلْيصلْ كلامي إلى البلاد الغربية والقوى العظمى أيضا - الذين كما قلت قد وصلتْ إليهم هذه الرسالة بوسائل شتى- أنه ليس من المستبعد أن تتوسع العملية ضد سورية وتصيب العالم كله. فمن مقتضى وفاء كل أحمدي مقيم في أي بلد وخاصة الأحمديين المقيمين في الغرب، أن ينبهوا السياسيين من الدمار القادم".


وتابع الخليفة يقول:
"ندعو الله سبحانه وتعالى أن يوفق العالم للإيمان بالمسيح الموعود عليه السلام ويوفق الحكام والشعوب لأداء واجباتهم لينجوا من الدمار بإنهاء الحرب الأهلية، وأن يفتح عيون حكام أوروبا والغرب لكي يعدلوا وينصفوا ويجتنبوا الظلم، وليسعوا لأداء حقوق كل بلد مهما كان صغيرا، وأن لا تكون مساعدتهم لأي بلد نظرا للمصالح الخاصة، بل تكون بناء على تأدية الحق. حمى الله سبحانه وتعالى أبناءَ الجماعة من شر هذه الأوضاع وخاصة في سورية حيث يتضرر الكثير من الأحمديين. كان الله سبحانه وتعالى قد أنزل إلهاما إنذاريا بحق سورية كما ورد "بلاء دمشق"، فنسأل الله أن يحقق الإلهامَ المبشِّر أيضا حيث قال الله "يدعون لك أبدال الشام وعباد الله من العرب" وبذلك يهيِّئ لنا قرة أعين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأتي العرب كلهم تحت لواء المسيح المحمدي لكي يتحول اضطراب العالم العربي، الذي سمَّاه العالم بالربيع العربي، إلى الفيض الروحاني ولا يكون ماديا، وليكونوا مصلّين على المسيح الموعود عليه السلام ويكونوا ناشرين للتعليم الحقيقي للإسلام أي تعليم الحب والمودة والأمن في العالم، وينضموا إلى جماعته. وفقنا الله نحن أيضا لإدراك مسئولياتنا وإنجازها، حتى نكون جاذبين لرحمة الله وأن نكون مرشدين للعالم دوما إلى الحق، ومقيمين للسلام والعدل وناشرين لهذا التعليم، ندعو الله تعالى أن يحمي العالم أيضا من دمار الحرب وفظائعها".


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة