loader

ما هو التوارد؟ وهل التوارد ممكن بين كلام الله وكلام الناس؟

التوارد هو أن يقول أحد شيئا أو يكتبه ويكون مطابقا لما قاله أو كتبه غيره من قبل.
وفيما يتعلق بالبشر، فالتوارد بينهم قد يكون نتاج البيئة الواحدة أو التعرُّض لتجارب مشابهة إلى حدٍّ ما أو نتاج ما يُلقى في روعهم بفعل الوحي الرحماني أو الشيطاني. فما كان من الرحمن من كلام كان قد قاله سابقون فهو توارد بالنسبة للبشر، ولكنه بالنسبة لله تعالى هو علمه ووحيه الذي يختار أن يلقيه إلى من يوحي إليه لحكمة ما. فنسبة التوارد إلى الله إنما يُعنى بها أن الله أخذ من كلام سابق للناس وألقاه إلى لاحقين. أما التوارد في الوحي الشيطاني فهو ما يلقيه الشيطان في روع المجرمين مما كان قد ألقاه سابقا في روع أسلافهم، كما يقول الله تعالى عنهم:
{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } (البقرة 119)

أما المسألة التي ربما تُشكل على البعض وقد يتوقفون عندها لأول وهلة هي: هل يمكن أن يورد الله تعالى كلاما للناس في وحيه لأنبيائه أو مبعوثيه؟ وهل يُعدُّ هذا الأمر مقبولا؟
فقال المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام إجابة على هذا السؤال:
"أما القول بأن: "عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا وَمُقَامُهَا" هو الشطر الأول لبيت من أبيات لبيد بن ربيعة فهو هجوم وقح آخر على الله تعالى الذي يرِث قول كل شخص، لبيدا كان أم غيره، فبتوفيق منه تعالى يُنظَم البيت أيضا. فلو أخذ سبحانه وتعالى كلام أحد وألقاه وحيا فلا اعتراض على ذلك أبدا. وإذا جاز هذا الاعتراض فما الجواب على أن الآية القرآنية: {فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} أيضا هي من كلام أحد الناس- أي عبد الله بن أبي سرح الذي كتب في البداية بعض الآيات القرآنية ولكنه ارتد فيما بعد- وقد نزل الكلام نفسه في القرآن الكريم دون أي نقص أو زيادة... كان عليه أن يفكّر هل حسّن عاقبته في الحقيقة بتوجيهه هذا الاعتراض إلى القرآن الكريم؟ وليس في القرآن الكريم هذا الوحي الوحيد الذي كان كلام الإنسان من قبل ثم حصل التوارد بينه وبين كلام الله تعالى، بل يمكن تقديم أمثلة كثيرة على حصول التوارد بين كلام الله وكلام الإنسان. فقد حصل التوارد بين القرآن الكريم وكلام سيدنا عمر رضي الله عنه أكثر من مرة، الأمر الذي لا يجهله العلماء، فيمكن تقديم قائمة طويلة بهذا الخصوص. يتبين من ذلك أن المعترض ينكر القرآن الكريم في الحقيقة وإلا لما تفوّه بكلمة نابية ووقحة مثلها أبدا. هل يسع مؤمنا أن يوجِّه إلى أحد اعتراضا يقع نفسه على القرآن الكريم، والعياذ بالله؟ كلا.
........
وليكن معلوما أيضا أن الوحي الإلهي: "عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا وَمُقَامُهَا" كلام ألقاه الله تعالى في رُوع لبيد بن ربيعة العامري قبل 1300 عام من اليوم، وهو الشطر الأول من قصيدته التي هي القصيدة الرابعة من المعلقات السبع. ولقد شهد لبيد عصر الإسلام وأسلم أيضا وانضم إلى الصحابة رضوان الله عليهم. وقد أكرم الله تعالى كلامَه إذ أنزل بكلمات شطر من قصيدته نبوءةً عظيمة تتعلق بالزمن الأخير وتتحدث عن أنواع الدمار التي ستؤدي إلى تدمير البلاد على نطاق واسع. إذًا، فإن الاستغراب من تطابق الوحي الإلهي مع كلام خرج من فم مسلم غباوةٌ من الدرجة القصوى، لأنه كما قلت قبل قليل إن الكلام الذي خرج من فم عبد الله بن أبي سرح أي: {فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} نزل في القرآن الكريم، فارتد عبد الله بن أبي سرح على إثر ذلك وهرب إلى مكة . فلمّا حصل التوارد بين كلام الله وكلام مرتدٍّ، فما وجه الاستغراب لو حصل التوارد بين كلام الله وكلام صحابي جليل الشأن مثل لبيد؟ فكما أن الله تعالى وارث كل شيء كذلك يرث كل كلام طيب أيضا، وكل كلام طيب يخرج من لسان أحد بتوفيق منه سبحانه وتعالى. فإذا نزل كلام مثله بصورة الوحي فلا يشك في ذلك إلا الذي يشك في الإسلام نفسه.... كذلك توارَد كلامُ سيدنا عمر رضي الله عنه مع القرآن الكريم أيضا أكثر من مرة كما رُوي عن أنس رضي الله عنه قال، قال عمر: "وافقتُ ربّي في أربع". ولو أردنا ذكر الأولياء الكرام من هذه الأمة المرحومة وأوردنا كلام الآخرين الذين أُلقي على قلوبهم إلهاما مثل إلقاء الأبيات من "المثنوي للرومي" على قلوب البعض، لاقتضى الأمر كتيبا منفصلا.
وأعلم أن من لديه أدنى إلمام بهذا الموضوع لن يقول أبدا باستحالة التوارد بين كلام الإنسان وكلام الله، بل كل من أُعطي نصيبا من علم الشريعة سيعتبر مثل هذا القول كفرا لأن هذا الاعتقاد يستلزم إنكار القرآن الكريم." (البراهين الأحمدية، الجزء الخامس)

وهكذا يتضح أنه لا اعتراض على أن يورد الله تعالى في القرآن الكريم بعض ما قد جاء في كلام العرب من قبل، كما لا اعتراض على أن يأتي في وحي المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وكتاباته بعض ما ورد سابقا في شعر العرب وأدبهم، فالكتابات هي أيضا نوع من الوحي الإلهي، وإن لم تكن وحيا حرفيا من الله تعالى كما القرآن الكريم الذي هو الوحي الأكمل والأرفع والأسمى.

إن الذين يعترضون اليوم على التوارد من الشعر العربي والأدب ويسمونه سرقة بجهلهم وحمقهم وتعصبهم يؤيدون تلقائيا أعداء الإسلام الذين يقولون إن القرآن قد سرق من شعر العرب بل ومن التوراة والإنجيل! فلا يمكنهم إنكار التشابه بل والتطابق أحيانا في الكلام من ناحية، لأنه واقع، وإصرارهم أن التشابه مصدره السرقة يعني تأييد موقف القائلين بأن كل ما جاء في القرآن الكريم سواء من كلام أو أمثال أو قصص أو تعاليم قد ورد سابقا في التوراة والأنجيل أو في شعر العرب إنما كان سرقة!

أما إذا قال المعترضون كيف تساوون بين القرآن الكريم ووحي المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وكتاباته؟ فنقول: حاشا لله أن نساوي بينهما في المنزلة، ولكنهما متساويان في المصدر الإلهي. وما دمنا نؤمن بأنه هو المسيح الموعود والإمام المهدي فمن حقنا أن نؤمن بهذا الوحي أيضا وبصدقه. وعليكم أن تتذكروا أن موقف أعداء الإسلام من القرآن مشابه تماما لموقفكم من وحي المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وكتاباته، لأنهم لا يؤمنون بأنه وحي من الله تعالى ويؤمنون بأن ما جاء فيه من التوارد إنما هو سرقة! فموقفكم إنما هو تسويغ لموقفهم، لأنكم لو اعترضتم عليهم فيمكن أن يقولوا إننا لا نؤمن بالقرآن، وأنتم أيضا اعتبرتم شيئا مشابها لدى المسيح الموعود سرقة لأنكم لا تؤمنون به، فلماذا تنكرون علينا موقفنا وأنتم توافقوننا فيه؟
الواقع أن المروءة والنبل يجب أن تمنعهم وتمنعكم من هذا الاتهام السخيف، فليس هذا مما يُعزى للسرقة بتاتا إلا عند متعصبين عميان حاقدين.
 


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة