loader

حلقة 1 - الردّ على الاعتراضات حول موضوع النسخ في القرآن الكريم

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران 9)



أيها السادة المشاهدون ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نبدأ معكم في هذه الحلقة سلسلة من الردود على الاعتراضات التي يسوقها معارضو الجماعة الاسلامية الأحمدية، ضد هذه الجماعة وضد مؤسسها سيدنا الميرزا غلام أحمد عليه السلام. ونبدأ بهذه الحلقة الردّ على الاعتراضات التي يسوقها هؤلاء حول موضوع النسخ في القرآن الكريم.
فأولا نبدأ بعرض الاعتراض في هذا الموضوع وهو : أن المسيح الموعود  كان يعتقد بالنسخ في القرآن مثلَ بقية العلماء، ولكن الجماعةَ الإسلامية الأحمدية بعد وفاته بدأت تقول بأن عقيدةَ النسخ في القرآن باطلةٌ ومسيئة إلى القرآن الكريم.
وللرد على هذا الاعتراض لا بد لنا من تبيان بعض الأمور والنقاط الأساسية:
أولا: لا بد من تبيان الأساس الذي بنيت عليه عقيدة النسخ في القرآن الكريم، وعلى ماذا يعتمد العلماء المسلمون غير الأحمديين ممن يعتقدون بالنسخ، على ماذا يعتمدون هؤلاء في عقيدتهم هذه وكيف بُنيت هذه العقيدة.
والجواب هو أن الأساس لعقيدة النسخ هو الاعتقاد بوجود التناقض والتعارض بين آيات القرآن الكريم ، إذ يعتقد العلماءُ غيرُ الأحمديين أن هناك تناقضا في بعض الآيات القرآنية، وعندما يجدون التناقض بين آيتين في زعمهم ولا يستطيعون التوفيق بينهما يقولون بأن هذه الآيةَ نزلت قبل تلك، لذا يجب أن تُعَدّ هذه الأولى نزولا منسوخةً والأخيرة نزولا ناسخةً. ويستدلون على ذلك بقول الله تعالى سورة البقرة: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا  (البقرة 107) ويقولون بأن المرادَ من "آية" هنا هي آيةُ القرآن الكريم، والمعنى أنه كلما ننسخ آيةً قرآنية نُنـزِّل في القرآن آيةً أخرى أفضلَ منها من حيث العملِ والنتيجة.
لكن ليس هناك عالم من العلماء يقول أن القرآن الكريم يعلن بنفسه بأن تَعُدّوا الآية الفلانية منسوخة والآية الفلانية ناسخة، كما لا يقول أحد منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأن الآية الفلانية منسوخةٌ فلا تعملوا بها، بل اعملوا بدلاً منها بالآية الفلانية الناسخةِ لها. بل يؤسس هؤلاء العلماءُ كلهم اعتقادَهم المذكورَ على قياساتهم الشخصية. فمن لم يفهم معنى آيةٍ ما عدّها منسوخة، ومن فهم معناها قال بعدم نسخها. ولذلك لا يتفق العلماءُ غيرُ الأحمديين على عددٍ معين للآيات المنسوخة، بل يترواح عددُها عندَهم ما بين خمسِ 5 آيات إلى. الفٍ ومائةِ 1100 آية. ويتضح من هذا أن المسألةَ ليست سوى اجتهاداتٍ وذوقٍ، وليست من الوحيِ في شيء.

ثانيا: لذا فأن من يريد أن يعترض أو يتهم المسيح الموعود عليه السلام بأنه كان يؤمن بالنسخ في القرآن الكريم يجب عليه أن يثبت، أن المسيح الموعود  قال في مكانِ كذا وكذا أن هناك تناقضا واختلافا بين آيات القرآن الكريم وهذا يدل على أن هناك آياتٍ ناسخةً وأخرى منسوخةً. وهذا متعذرٌ، ولا يمكن الحصولُ عليه.
ثالثا: بل على العكس وعلى النقيض من ذلك، فإن المسيح الموعود عليه السلام قد صرح وأعلن مرارا وتكرارا أنه لا تناقض ولا تعارض ولا تضارب في القرآن الكريم وبين آياته، وهذا بحد ذاته يدحض الاعتراض بأن حضرته كان يؤمن بالنسخ في القرآن الكريم.
فقد استدل المسيح الموعود  بآيتين من القرآن الكريم على أنْ لا تناقُضَ ولا تعارُضَ بين آيات القرآن الكريملَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (النساء: 83) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا (الزمر: 24) ، فما دام حضرته لا يقول بوجودِ التناقضِ في القرآن يستحيل أن يقول بوجود نتيجة هذا التناقض، ألا وهي النسخ في القرآن، لأن عقيدةَ وجودِ التناقضِ في القرآن وعقيدةَ وجود النسخ في القرآن متلازمتان. بل إن أولَ مبدأ من المبادئ التي بيّنها المسيح الموعود  لتفسير القرآن الكريم هو تقديمُ الشواهدِ القرآنية على صحةِ المعنى الذي يذهب إليه المفسر، فقد نصح  جماعته قائلا: "إذا أردنا استنباط أيَ معنى من آية قرآنية فلا بد لنا أن نرى أولاً هل توجدُ شواهدُ أخرى من القرآن الكريم نفسه لتصديق ذلك المعنى أم لا، فإن لم تتيسر شواهدُ مؤيِّدةٌ وعارضت الآيات الأخرى في الموضوع نفسه ذلك المعنى، فلنعلم أنه باطل كليًا، لأن وجود الاختلاف في القرآن محال." (بركات الدعاء، الخزائن الروحانية مجلد6، ص18)
في هذا المقتبس يقول المسيح الموعود  بأن الاختلاف في القرآن مستحيل، وبالتالي يصبح الاعتقادُ بالنسخ في القرآن أيضا مستحيلا.
رابعا: وهنا نورد بعض النصوص الأخرى التيى أكد فيها حضرته على عدم وجود التناقض في القرآن الكريم:

1- يقول سيدنا المسيح الموعود  في كتابه "مناظرة لدهيانه" في شرح الآية: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا (الزمر: 24) ما نصّه:
"يعني أنّ ذلك الكتابَ كتابٌ متشابه يشبه بعضُه بعضا ليس فيه تناقضٌ ولا اختلاف، مُثَنًّى فيه كل ذِكْرٍ ليكون بعضُ الذكر تفسيرًا لبعضه." (مناظرة لدهيانه، الخزائن الروحانية مجلد4، ص 37-38)
وهكذا نرى كيف يوضّح المسيح الموعود عليه السلام بكل جلاء بأن الله تعالى قد أعلن بقوله: "كتابا متشابها" أنه "ليس فيه تناقضٌ ولا اختلاف"، وأن آياتِ هذا الكتاب متشابهةٌ وليست متناقضة.
2- ويقول عليه السلام في كتاب آخر في شرح قول الله تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا: "من مزايا هذا الكتاب أنه متشابهٌ، أي أن لا تعارُضَ في تعاليمه، كما هي لا تتعارض مع نواميس الله الطبيعية، بل إن تعليم هذا الكتاب منسجمٌ تماما مع الكمال الذي هو ضروري للإنسان من حيث فطرته وقواه". (كرامات الصادقين، الخزائن الروحانية، المجلد7، ص57)
أيها المشاهدون، إن الجملة: "لا تعارُضَ في تعاليمه" في هذا المقتبس لجديرةٌ بالانتباه بوجه خاص. فإن لم يكن في القرآن اختلافٌ ولا تعارضٌ، فليس فيه آياتٌ منسوخةٌ أيضا، وإذا كان في القرآن نسخٌ فلا بد أن يكون فيه اختلافٌ أيضا.
3- يقول المسيح الموعود عليه السلام في كتابه حمامةُ البشرى ما نصه: "القرآن منـزّهٌ عن التعارض والتخالف، وقال الله تعالى: لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (النساء: 83). فأشار في هذه الآية أن الاختلافَ لا يوجدُ في القرآن، وهو كتاب الله وشأنُه أرفعُ من هذا، وإذا ثبتَ أن كتابَ الله منـزهٌ عن الاختلافات، فوجبَ علينا ألا نختار في تفسيره طريقا يوجبُ التعارضَ والتناقض". (حمامة البشرى، الخزائن الروحانية المجلد7، ص256، الحاشية)

ولقد كشف المسيح الموعود عليه السلام في ضوء هاتين الآيتين عن خطأ القائلين بالنسخ ووضح أن عقيدةَ التناقض والاختلافِ في آيات القرآن مرفوضةٌ لكونها منافيةً لما ورد في هاتين الآيتين. والتناقضُ هو الأساسُ للنسخ في القرآن بحسب اعتقاد المسلمين غيرِ الأحمديين.
4- يقول الخليفة الثاني رضي الله عنه للمسيح الموعود عليه السلام:
لقد جاء سيدنا الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام وأعلن أن القرآن من أوله إلى آخره قابل للعمل، وأنه من (باء) البسملة إلى (سين) (الناس) قائم ويجب العملُ به إلى يوم القيامة. ولا أزال أتذكر جيدًا قوله عليه السلام بأن أحدا إذا سلَّم بأنه لا تزال في القرآن آياتٌ منسوخة، فلماذا يكلّف نفسه عناء التدبرِ فيه والسعيِ للعملِ بأوامره؟ كلا بل سيقول في نفسه: ما دامت في القرآن آياتٌ منسوخةٌ فلماذا أضيّعُ جهدي ووقتي في التدبر فيها؟ فمن يدري أن الآية التي أُعمل فيها فكري يتبينُ لي فيما بعد أنها كانت منسوخة؟ ولكن الذي يؤمن بأن هذا الكلامَ بتمامه وكماله منـزهٌ عن النسخ، وأن كل لفظ منه جديرٌ بالعمل به.. فسوف يسعى للتدبر فيه، وهكذا سيزيده القرآن معرفةً. (التفسير الكبير، المجلد2، ص97)

5- كان أفراد الجماعة الإسلامية الأحمدية يعتقدون في ضوء أقوال المسيح الموعود عليه السلام المذكورةِ أعلاه ببطلان عقيدة النسخ في القرآن في حياته عليه السلام، فقد نُشر في حياته عليه السلام وتحت إشرافه في مجلة مقارنة الأديان الأردية مقالٌ طويل في عام 1907م في عدة أقساط في تفنيد عقيدة النسخ في القرآن.
الى هنا قد عرضنا نصوصا من كتابات سيدنا أحمد عليه السلام والتي تدحض عقيدة النسخ بدحض وجود التعارض بين آيات القرآن الكريم ، طالبنا المعارضرن وقالوا اتوا لنا باثباتات من اقوال المؤسس نفسه بهذا الصدد، ولا تاتونا بروايات عن هذا وذاك، فهذه نصوص من اقوال سيدنا احمد عليه السلام قمنا بعرضها. ورغم ذلك اذا كانت هناك مقالات نشرها شخص آخر في ادبيات الجماعة في حياة سيدنا احمد عليه السلام وتحت اشرافه اذ لا بد حصلت على موافقته فهي الاخرى تشكل اثباتا قاطعا لا يمكن ان يعارضه الا معاند .
أما قول الله تعالى في سورة البقرة: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا(الآية 107)، فالآيات التي قبله وبعده لا تتحدث عن القرآن الكريم بل الحديثُ فيها يدور حول اليهود، حيث يقول الله تعالى قبل تلك الآية مباشرة: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (البقرة: 106). وعليه فلو فُسّرت الآية رقم 107 على أن الله تعالى يقول فيها إننا ننسخ آية قرآنية أو نُنسيها، فلا يبقى هناك ارتباط ولا علاقة بين هاتين الآيتين. لذا فإن قول المشايخِ غير الأحمديين بأن هذه الآية تتحدث عن النسخ في آيات القرآن الكريم، لهو قولٌ باطل تماما.
فلأن السياقَ يبين بوضوحٍ أن الحديثَ هنا يدور عن أهل الكتاب، لذا فمعنى الآية إنما هو أن اعتراضَ أهلِ الكتاب على نزولِ شريعة جديدة على بني إسماعيلَ بدلاً من بني إسرائيل، وعلى نسخِ شريعة أهل الكتاب لا يصحّ بحال. فإن من سنة الله المستمرة أنه كلما نسخ أحكامًا من شريعة ما أنـزل أحكاما جديدةً أفضلَ منها في شريعة جديدة تأتي بعد الشريعة السابقة، وإذا كانت بعضُ أحكام الشريعة السابقة لا تزال قابلةً للعمل، وكان المؤمنون بتلك الشريعة قد نسُوها، فيُنـزل الله أحكامًا مماثلةً لها مجدَدا في شريعة جديدة. وقد عمل الله بسنته هذه في هذه القضية أيضا.
فالحق أن آية رقم 107: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا لا تتحدث عن نسخ الآيات القرآنية بل تذكر سنةَ الله المستمرةَ بهذا الشأن. فبحسب سنته هذه أنزل الله في شريعةِ القرآن أحكاما أفضلَ من أحكامِ الشريعة الموسوية التي نسخها القرآن الكريم، كما أن أحكامَ الشريعةِ الموسوية التي نسيها أهلُ الكتاب أو محَوها من كتبهم تحريفًا منهم، والتي كانت ذاتَ صبغةٍ دائمة، أنزل الله أحكامًا مماثلةً لها في القرآن الكريم.
هذه هي الحقيقة.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة