loader

خطاب أمير المؤمنين أيده الله تعالى بنصره العزيز في البرلمان الكندي

خطاب أمير المؤمنين أيده الله تعالى بنصره العزيز في البرلمان الكندي في 17/10/2016

بسم الله الرحمن الرحيم
الضيوف الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أود أن انتهز هذه الفرصة لأشكركم على دعوتكم لي وخصوصا صديقة جماعتنا المقربة جودي ساغرو.
أنا لست سياسيا، ولا زعيما لتنظيم سياسي، بل أنا إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية، التي هي جماعة دينية وروحية بحتة.
ومع ذلك، وبغض النظر عن الاختلافات في الخلفية، فأعتقد أننا قد التقينا اليوم على قاعدة الإنسانية، ولذا علينا أن نكون متحدين. وعلى جميع الشعوب وجميع المنظمات أن تسعى مجتمعة لدعم القيم الإنسانية، والسعي لجعل العالم الذي نعيش فيه مكانا أفضل وأكثر انسجاما. وبناءً على ذلك، إذا لم يتم التمسك بالقيم الإنسانية وحقوق الإنسان في بلد أو منطقة ما، فهذا سيكون له تأثير الضربة القاضية على أجزاء أخرى من العالم، ويمكن لمثل هذه السلوكيات الخاطئة أن تنتشر لأبعد من ذلك. وعلى العكس من ذلك إذا كان هنالك خير وإنسانية وإزدهار في جزء من العالم فسيكون لذلك تأثير إيجابي على المجتمعات والشعوب الأخرى. ونتيجة لتنوع وسائل الاتصال الحديثة والنقل فنحن جميعا الآن أكثر قربا من بعضنا بعضا ولم يعد الأمر محصورًا أو مقيدًا بالجغرافيا. ومع ذلك، فإن المفارقة الغريبة والمأساوية هي أنه وعلى الرغم من أننا أكثر تواصلا من أي وقت مضى فنحن في الواقع نزداد بعدا يوما بعد يوم.
ومن المؤسف والمحزن جدًا أنه بدلا من الاتحاد ونشر الحب بين البشر فإن العالم قد صبّ اهتماما أكبر بكثير على نشر الكراهية والقسوة والظلم. الناس ليسوا على استعداد لتحمل المسؤولية الشخصية عن فشلهم وهكذا فكل فرد يضع اللوم على الآخرين ويعتبر الانقسامات والصراعات في العالم خطأ الجميع ما عداه. ونتيجة لذلك، نحن نمر في فترة من عدم اليقين الكبير ولا يستطيع أحد أن يفهم حقا ما الذي ستكون عليه عواقب أفعالنا سواء على المدى القصير أو على المدى الطويل. في هذا العصر، الذي يتزايد فيه الخوف من الإسلام في كثير من بلدان العالم، أود طمأنتكم جميعا أن الإسلام ليس ما ترونه عادة أو تسمعون عنه في وسائل الإعلام. وبحسب معرفتي بالإسلام فإني أعرف فقط ذلك الإسلام الذي تعاليمه مبنية على اسمه.
المعنى الحرفي لكلمة "الإسلام" هو السلام والمحبة والوئام، وتستند جلّ تعاليمه على هذه القيم النبيلة. ولكن، وللأسف، لا يمكننا أن ننكر أن هنالك بعض الجماعات الإسلامية التي معتقداتها وسلوكها على النقيض التام من هذا. ففي انتهاك كامل للتعاليم الأساسية للإسلام، يرتكبون أفظع أعمال العنف والإرهاب باسم الإسلام. وفي ضوء كل هذا، أود الآن أن أطلعكم على التعاليم السلمية الحقيقية للإسلام. إن هذا المكان المحترم الذي دعوتموني إليه بإقدام من جانبكم، ليس مكانًا دينيًا، وربما كثيرٌ منكم لا يهتمون بالدين شخصيا. ومع ذلك، ففي مجال عملكم كمشرِّعين سيكون عليكم في بعض الأحيان التعامل مع المسائل التي تؤثر على أتباع الدين.
في هذا السياق، يقول القرآن الكريم بشكل قاطع في الآية 257 من سورة البقرة، "لا إكراه في الدين".
يا له من بيان واضح وشامل لا لبس فيه، يكرس حرية الفكر، وحرية الدين وحرية الضمير. وبالتالي فإيماني وتعاليمي هي أنه لكل شخص في كل قرية أو بلدة أو مدينة أو بلد الحق المسلّم فيه في اختيار دينه وعقيدته.
وعلاوة على ذلك، لكل فرد الحق في تبليغ دينه ونشر تعاليمه سلميا للآخرين. هذه الحريات مكفولة كحقوق إنسانية أساسية وبالتالي فلا ينبغي للمجالس التشريعية أو الحكومات أن تقحم نفسها على نحو غير ملائم في مثل هذه الأمور وإلا فهنالك خطر في أن يعتبر هذا التدخل مصدرا للاستفزاز ويودي إلى الإحباط والاستياء.
للأسف، في عالم اليوم نرى كيف أن الحكومات المسلمة نفسها تتدخل في مثل هذه الأمور الشخصية، وهذا هو السبب الرئيس في عدم الاستقرار والصراعات في تلك البلدان. المستفيدون الوحيدون هم المتطرفون من المشايخ والمتشددين الذين يستغلون إحباطات الناس من خلال تشجيع العنف الهمجي والصراع الذي لا معنى له.
ومع ذلك، لا يمكن أن يقال إن الحكومات الغربية -التي تدعي أنها ديمقراطية بحق- بريئة تماما أو خالية المسؤولية. ففي الغرب، نرى أيضا أحيانًا أن القوانين أو الأحكام المسنونة تتعارض مع ادعاءات الدول الغربية في أنها منارة للحرية الدينية العالمية والتسامح. تُسن القوانين أحيانًا بصورة تتعارض مع الرأي القائل بأن كل شخص في العالم الغربي حر في الإيمان بما يشاء وله الحرية في العيش بسلام بحسب معتقداته الدينية.
ليس من الحكمة أن تضع الحكومات أو البرلمانات القيود على ممارسات أو معتقدات الناس الدينية الأساسية. على سبيل المثال، ينبغي على الحكومات أن لا تشغل نفسها في أي أنواع الملابس تختار المرأة ارتداءها. ولا ينبغي لها أن تصدر المراسيم حول الشكل الذي يجب أن تكون عليه أماكن العبادة. إذا تجاوزت الحدود بهذه الطريقة، فسيكون ذلك وسيلة لخلق القلق وتزايد الإحباط بين شعوبها.
سوف تستمر هذه المظالم بالتفاقم إذا لم يتم فحصها، وسوف تهدد في نهاية المطاف السلام في المجتمع. بالطبع أنا لا أدعو لأن يتم التساهل مع من يحملون أفكارًا متطرفة أو السكوت عنهم أو أن يكونوا أحرارًا في ممارسة معتقداتهم.
أينما ومتى استخدم شخصٌ ما دينه لتبرير القسوة والظلم أو لاغتصاب حقوق الآخرين أو للتحرك ضد الدولة أو كوسيلة للتأثير على أمن البلاد، فمن المؤكد أن من مسؤولية الحكومة والسلطات أن توقف بحزم هذه الممارسات الشريرة.
في مثل هذه الظروف، من المبرر والمناسب للحكومة وأعضاء البرلمان والسلطات الأخرى ذات الصلة أن تتأكد من اقتلاع مثل هؤلاء الناس من جذورهم ومعاقبتهم وفقا لقانون البلاد.
ومع ذلك فالخطأ، في رأيي، هو أن تتدخل الدولة بلا داعٍ في المعتقدات والممارسات الدينية التي تقام بشكل سلمي. الإسلام الذي نعرفه ونمارسه يعلمنا أن حب الوطن جزء أساسي من إيمان المسلم.
ووفقا للإسلام، بلاد المرء هي تلك التي يعيش فيها ويستفيد من خيراتها. عندما يترسخ مثل هذا التعليم في قلوب وعقول المسلمين، سيستحيل عليهم أن يفكروا بسوء أو أن يرغبوا بالتسبب بأي ضرر لبلادهم.
وعلاوة على ذلك، يعلمنا الإسلام أنه لا ينبغي لقانون البلاد معاقبة أي شخص يعمل ضد بلاده فحسب، ولكن يعلمنا أيضا أن مثل هؤلاء الناس سيدخلون بالتأكيد محكمة الله سبحانه وتعالى الذي سيقوم بمحاسبتهم على آثامهم وعدم ولائهم. وبالتالي، ليست هناك حاجة للخوف من المسلمين الحقيقيين وليس هناك حاجة للحكومة أن تسن القوانين التي تنتهك القضايا والممارسات الدينية الصغيرة نسبيا والتي لا تسبب ضررا ولا خطرا على أفراد الجمهور أو للدولة. إن التشريع في مثل هذه القضايا يمكن أن يوصف على أنه فقط تدخل غير ضروري وغزو للحريات التي يدعي الغرب مناصرتها، والتي هي حق كل شخص في أن يعيش بحرية واستقلال شخصي. مما لا شك فيه أن مثل هذه التدخلات الظالمة لا يمكن أن يكون لها أي أثر إيجابي ولا يمكن أن تؤدي إلا إلى الإحباط والقلق والشقاق. إن مهمة الحكومة والبرلمانيين، بوصفهم أوصياء على دولهم، إصدار التشريعات التي تعطي الحقوق لمواطنيها بدلا من أخذ حقوقهم.
وينبغي أن يتم تطبيق هذا فورا دون تمييز بحيث تكون حقوق جميع الناس، سواء كانوا من المسلمين أو المسيحيين أو اليهود أو الهندوس أو السيخ أو أتباع أي معتقد آخر، بما في ذلك أولئك الذين لا يؤمنون بأي دين، مصانة ومضمونة في جميع الأوقات.
كما قلت آنفًا، من المحزن جدًا أنه في العالم الإسلامي، وكذلك في بعض الدول المتقدمة غير الإسلامية، قد سُنت بعض السياسات التي تقوّض هذه الحريات الأساسية والتي بدورها تسبب المظالم بين شرائح الجمهور. لذلك، وبدلا من السعي نحو الأمور السطحية، ينبغي أن ينظروا إلى الصورة الأكبر في كيف يمكنهم إحلال السلام في دولهم وضمان أن بلدهم والعالم الأوسع قد أصبح موحدا ويزدهر على نحو متزايد. ولكن وللأسف، بدلا من إلقاء نظرة بعيدة المدى، يبدو أن معظم القادة أو الحكومات قد انضمت إلى سباق خطير على السلطة وفي معركة لفرض هيمنتها على الآخرين. ونتيجة لذلك، هم على استعداد متزايد للتدخل في المسائل الشخصية والدينية لمواطنيهم بسبب هذا التعطش للتفوق والسيطرة.
هذه السياسات لا تتسم بالحكمة ووسيلة لا لزوم لها لمزيد من زعزعة الاستقرار في العالم لاسيما أننا نواجه بالفعل العديد من المشاكل والقضايا المختلفة التي تهدد السلام في المجتمع. على سبيل المثال، يقال إن تغير المناخ يشكل تهديدا كبيرا لحضارتنا. كما أن هنالك مسألة مصيرية أخرى تتعلق بالاقتصاد المترنح الذي يواجه العالم. والقضية الأهم والأعم هي مسألة التناقص المتزايد للسلام والأمن في معظم أنحاء العالم. كل هذه القضايا هي نتيجة للسياسات الظالمة وعدم المساواة وغياب التوازن. وإذا فكرنا بقضية تغير المناخ نرى أن السبب الرئيسي لظاهرة الاحتباس الحراري كان الثورة الصناعية في الغرب، وحقيقة أن الغابات تُقطع بشكل مفرط دائمًا. الآن وبعد أن تطورت هذه البلدان بالكامل هم سعداء للدعوة إلى الحد من انبعاثات الكربون أو للقيود الصناعية الأخرى. ومع ذلك، فإن مثل هذه الأنظمة قد تبطئ أو تحد من تقدم ونمو القوى الناشئة مثل الهند والصين. وبالتالي فإن هذه الدول الناشئة قد تنظر لمثل هذه القيود على أنها زائفة وغير عادلة ومحاولة من قبل القوى المهيمنة تاريخيا لمنعهم من التقدم ومن تحدي النظام العالمي.
وهكذا فإن مسألة تغير المناخ هي في الواقع ليست فقط قضية بيئية، ولكنها تسهم أيضا في تراجُع السلام في العالم وتزيد من الاستياء بين الأمم. وبالمثل من حيث الأزمة المالية العالمية، فقد اعترف العديد من الخبراء أن الحكومات قد اتخذت سياسات غير حكيمة وأن الترنح المالي اليوم قد وصل الآن إلى مستوى يهدد السلام في العالم. هناك أيضا العديد من العوامل الأخرى التي تساهم في تراجع السلام في العالم وللأسف يرتبط كثير منها بالمصالح الذاتية والسياسات الظالمة التي تم تنفيذها من قبل بعض الدول. على أي حال، فإن النتيجة النهائية لمختلف المخاطر والتهديدات العالمية هي أن العالم يتحرك بسرعة نحو كارثة لا يمكن تصورها.

ونتيجة لعدم الاستقرار الحالي، فإن كلًا من حكومات العالم وشعوبها يشعرون على نحو متزايد بالقلق والمخاوف. ثمة الكثير من القضايا التي تثير القلق. لم يعد العالم يعرف تحديد أولوياته. هل عليه التركيز أولا على ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ العالمي أو على معالجة الأزمة المالية أم أن الأولوية هي لمكافحة الإرهاب والحروب والتطرف؟ أو التركيز على آخر التطورات في سوريا، حيث تتعارض روسيا مع الولايات علنا؟ أو على الصراع المباشر بين الولايات المتحدة واليمن الذي حصل مؤخرًا؟
شخصيا برأيي أن المسألة الأكثر أهمية وإلحاحا التي تواجهنا هي انعدام السلام في العالم، وللأسف الشديد فإن الدول الإسلامية هي مركز عدم الاستقرار والفوضى هذه، على الرغم من أن دينهم قد منحهم تعاليم لم يسبق لها مثيل حول كيفية تأسيس السلام والحفاظ عليه، على سبيل المثال تقول الآية 9 من سورة المؤمنون من القرآن الكريم عن المسلمين الحقيقيين "وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ".
إن تسليم المفاتيح للحكومة أمانة كبيرة، لذا كثيرا ما نرى رؤساء الدولة يتعهدون لخدمة شعوبهم بأمانة وعدالة مطلقة. للأسف، في كثير من الحالات تكون هذه التعهدات الشريفة مجرد كلمات جوفاء لا يتم العمل بها، في حين لو اتُبع هذا التعليم القرآني، فلن نرى أي انقسام أو صراع بين الشعوب وحكوماتها. وعلاوة على ذلك تنص الآية 9 من سورة المائدة من القرآن الكريم "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" أي حتى لو كان لشخص أو أمة عداوة مع شخص أو أمة أخرى، فيجب الاستمرار بمعاملتهم بطريقة عادلة تماما مهما كانت الظروف لأن هذا ما يريده الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك فاليوم بدلا من العدالة، نشهد الظلم في كل مستوى من مستويات المجتمع بين الشعوب والدول على حد سواء. إن هذا الانعدام للمساواة والإهمال للعدالة يساهم مباشرة في تراجع الأمن في العالم.
في الآية 10 من سورة الحجرات من القرآن الكريم، يقول تعالى: "وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ". فإذا كان تحقيق السلام غير ممكن من خلال الحوار، فعلى الدول الأخرى أن تتحد ضد من يرتكب الظلم وأن تستخدم القوة لمنعه. ولما يختار المعتدي السلام، لا ينبغي أن يُهان، أو أن تُفرض عليه العقوبات الجائرة. بل بمقتضى العدالة، ومن أجل السلام المستدام، يجب أن يُسمح لهم بالمضي قدما كمجتمع حر. إذا قيّمنا الصراع الحالي في العالم الإسلامي، نجد من الواضح أنه لم يتم اتباع هذا المبدأ من الاتحاد ضد أولئك الذين يسعون لتقويض السلام. لو سعت دول الجوار إلى التوسط بحيادية ووضعت جانبا مصالحها الخاصة، لكان من الممكن احتواء الموقف منذ فترة طويلة. ومع ذلك، فإن هذا ليس فقط خطأ العالم الإسلامي ولكن دولًا أخرى تعيش في قريتنا العالمية هذه ساهمت أيضا في هذا الاضطراب. لو تصرفت القوى الكبرى بعدلٍ وإخلاص في جميع الأوقات، لما شهدنا هذه الفتنة ولما رأينا ظهور داعش أو الجماعات المتطرفة والمتمردين في دول مثل سوريا وإيران. للأسف، لم تلعب بعض القوى الكبرى دورها في إرساء السلام وسنت بدلا من ذلك سياسات ظالمة من أجل خدمة مصالحها الخاصة. على سبيل المثال، كانت لبعض البلدان الغربية دائما مصلحة في احتياطيات النفط في العالم العربي وهذه المصالح قد حفزت سياساتها على مدى فترة طويلة من الزمن. وعلاوة على ذلك، قد باعوا أسهم هائلة من الأسلحة إلى البلدان الإسلامية دون النظر في العواقب المحتملة. ما أقوله ليس شيئا جديدًا أو مخفيًا بل هو موثق توثيقًا جيدا. على سبيل المثال، يقول تقرير منظمة العفو الدولية الذي نُشر في ديسمبر/كانون الأول عام 2015: "إن عقودًا من تجارة الأسلحة المتهورة قد ساهمت في الإرهاب الذي تسلكه داعش" وذكر أن غالبية الأسلحة التي يستخدمها داعش استُخدمت في الأصل في الولايات المتحدة وروسيا. وعلاوة على ذلك، اختتم باتريك ويلكينز وهو باحث في مجال مراقبة الأسلحة تقرير منظمة العفو قائلا: "إن الأسلحة الواسعة والمتنوعة التي تُستخدم من قبل داعش هي حالة نموذجية لكيف تقوم تجارة الأسلحة المتهورة بإشعال الفظائع على نطاق واسع". فمن المعروف بالتأكيد أن البلدان الاسلامية ليس فيها مصانع للأسلحة المتطورة التي تمكنها من إنتاج ذلك النوع من السلاح الذي يُستخدم في الشرق الأوسط وبالتالي فالغالبية العظمى من الأسلحة الثقيلة المستخدمة في العالم الإسلامي يتم استيرادها من الخارج.
إذا أوقفت القوى الكبرى تجارة الأسلحة وضمنت قطع خطوط إمداد الحكومات المتحاربة والمتمردين والإرهابيين لوصلت مثل هذه الصراعات إلى نهاية سريعة. على سبيل المثال، من المعروف أن المملكة العربية السعودية تقوم باستخدام أسلحة اشترتها من الغرب في حربها في اليمن، والتي يقتل بها آلاف المدنيين الأبرياء، بمن فيهم النساء والأطفال، وتسبب الكثير من الدمار. ماذا ستكون النتيجة النهائية لمثل هذه التجارة بالأسلحة؟ سوف لن يتحمل الشعب اليمني، الذي تُدمِّر الكراهية حياته ومستقبله كما وسيسعى للانتقام من المملكة العربية السعودية وسوف لن يتحمل أيضا الكراهية تجاه موردي السلاح للسعودية وتجاه الغرب بشكل عام. ومع عدم وجود بارقة أمل أو آفاق للمستقبل، وبعد أن شهدوا الفظائع الوحشية، سيكون شبابهم عرضة للتطرف وبهذه الطريقة ستنشأ حلقة مفرغة جديدة من الإرهاب والتطرف. فهل تستحق مثل هذه العواقب المدمرة بضعة مليارات من الدولارات؟ وهكذا لم يعد الخطر مقصورًا على البلاد الإسلامية التي هي بؤرة صراعات اليوم فالتهديد قد انتشر أبعد من ذلك بكثير كما شهدنا ذلك بالفعل مع الهجمات الإرهابية الأخيرة في باريس وبروكسل والولايات المتحدة. كما كان هنالك حوادث إرهابية أقل مستوى هنا في كندا على مدى العامين الماضيين والتي تعرفونها جميعكم جيدا. وعلاوة على ذلك وعلى الرغم من أن كندا تبعد ملايين الأميال عن العالم العربي لازلنا نجد شبابا مسلمين يسافرون من هذه البلاد للانضمام إلى الجماعات المتطرفة في سوريا والعراق. ومن دواعي القلق الكبير حقيقة أنه وبحسب إحصاءات الحكومة الكندية الخاصة فإن 20٪ من أولئك الذين ذهبوا إلى سوريا والعراق كانوا من النساء وهذا يعني أنهن لم يتطرفن وحدهن فقط ولكنهن سيرسخن هذه العقائد في أطفالهن ويغسلن أدمغتهم. من أجل التصدي للتطرف والإرهاب علينا تقييم ما هي أسبابه وأعراضه. للأسف معظم المسلمين المتطرفين الذين يعيشون في الغرب ليس لديهم معرفة أو حتى فهم بسيط لتعاليم الإسلام. وهكذا فإن تطرفهم هو نتيجة لإحباطهم الخاص وليس بسبب أي قناعات أو معتقدات أيديولوجية. وبصرف النظر عن التطرف عبر الإنترنت أو خطاب الكراهية في المساجد أو انتشار الأدب المتطرف، أعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية لتطرف الشباب المسلمين الذين يعيشون في الغرب كان الأزمة الاقتصادية، وقد نشرت تقارير تثبت صحة ذلك. هناك العديد من الشباب المسلمين من أصحاب المؤهلات ولكن وعلى الرغم من تعلّمهم لم يحصلوا على عمل مناسب، فأصبحوا بالتالي مهمشين. وبسبب الصعوبات الاقتصادية أصبحوا فريسة ضعيفة وسهلة للمشايخ المتطرفين ومجندي الإرهابيين وبالتالي إذا مُنح الشباب فرصًا أفضل لتحسين أنفسهم ودخول ميدان العمل سيكون هذا وسيلة لإبقاء البلاد آمنة ومأمونة. إذا تصرفت القوى الكبرى والمؤسسات الدولية، كالأمم المتحدة، بحسب مبادئها التأسيسية فعلًا، لما كنا قد شهدنا، تحت كافة الظروف، طاعون الإرهاب السام يصيب أجزاء عديدة من العالم. ولما كنا رأينا السلام والأمن في العالم يُقَوّضان ويُدَمران مرارا. ولما كنا بالتأكيد شهدنا أزمة اللاجئين الضخمة، التي تربك الآن وتخيف الناس في أوروبا وغيرها من الدول المتقدمة.
لقد فر مئات الآلاف من الناس الأبرياء إلى أوروبا، والآلاف قد أتوا هنا إلى كندا من أجل الحصول على اللجوء من الإرهابيين الذين سمموا دولهم. رغم أن معظم اللاجئين حقيقيين وشرفاء إلا أن حادثًا أو حادثين سلبيين كما رأينا في العام الماضي كانا كافيين للتسبب بالذعر الذي بدأنا نراه في أوروبا وإلى حد ما هنا في أمريكا الشمالية. وبالتالي نحن نشهد بأم أعيننا كيف يصبح العالم غامضًا وكيف أن الكراهية والقلق قد استهلكتا واجتاحتا الكثير من دول العالم. وأكرر، أن السبب الحقيقي وراء ذلك يبقى الظلم وعدم المساواة.
في نهاية المطاف، فإن عدم الإنصاف عجل في الانهيار المالي العام وفي التفاوت المتزايد بين الأغنياء والفقراء خلال السنوات القليلة الماضية. أقول هذا، بالنظر إلى أنه عندما تختار الدول المتقدمة والغنية الاستثمار في البلاد الفقيرة، فإنها تعطي لمصلحتها الغربية الأولوية فوق تيسير التطور المحلي في تلك البلدان. بدلا من الاستغلال والجشع، كان على الدول المتقدمة أن تدافع عن حقوق الشعوب الضعيفة وتسعى لتقدمها، كان عليها أن تسعى بصدق لمساعدة شعوب تلك الدول الفقيرة حتى تقف على أقدامها بكرامة وشرف. ومع ذلك، وللأسف الشديد، وببساطة هذا لم يحدث. تأمرنا الآية 132 من سورة طه من القرآن الكريم: " وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى". لو عمل العالم بأكمله على هذا المبدأ وحده، لكان النظام المالي في العالم منصفا وعادلا. ولتم توزيع رأس المال بصورة عادلة ولجنت الدول ثمار الثروة التي منحهم إياها الله تعالى.
ولرأينا التداول في العالم مرتكزا على الرغبة في الوفاء بحقوق الإنسان للآخرين، بدلا من الحصول بشراهة على السلطة والثروة والوفاء بمصالحها الشخصة بأي وسيلة كانت. ويتجلى مثال آخر على الظلم في العالم في السياسة العالمية. في بعض البلدان، هنالك ديكتاتوريات أو حكومات ظالمة، إلا أن القوى الكبرى تغض الطرف عن أعمالها الوحشية، وذلك لأن تلك الحكومات تدعمها وتيسر لها تحقيق مصالحها. ومع ذلك، ففي البلدان التي لا ينحني فيها القادة أو الحكومات لأهواء القوى الكبرى، فإن الأخيرة تسر جدًا بدعم العناصر المتمردة أو المطالبة بتغيير النظام. في الحقيقة، ليس هناك فرق في الطريقة التي تتعامل بها هذه الحكومات مع شعبها. الفرق المادي هو فقط أنه في بعض الحالات تتعاون الحكومات مع القوى الكبرى، بينما في حالات أخرى لا يقومون بذلك. بالنسبة للفئة الأخيرة، فالسياسات العسكرية الغربية قد وضعت لإزالة هذه الحكومات كما هو الحال في العراق وليبيا، وبالمثل بذلت مثل هذه المحاولات في سوريا على مدى السنوات القليلة الماضية. وقد أثبت الوقت أن قرار كندا في عدم المشاركة في الحرب في العراق قرارٌ صحيح. كما أنني أتفق مع قرار حكومتكم في وقف الغارات الجوية في سوريا لحين تتضح ملابسات هذا الصراع ويصبح حله أكثر وضوحا. على المستوى الأوسع يجب على الأمم المتحدة أن تلعب دورها في إرساء السلام في العالم، دون أن تعيقها السياسة أو الظلم أو المحاباة.
آمل وأدعو الله عز وجل أن يمكن الأمم المتحدة وحكومات العالم من التصرف بهذه الطريقة بحيث يمكن إقامة سلام حقيقي ودائم. فالبديل لا يحتمل التفكير، لأننا إذا استمررنا بما نحن عليه فإن العالم يتجه بجنون نحو كارثة ضخمة بصورة حرب عالمية أخرى. أدعو الله أن يمنح الحكمة لقادة العالم وصناع السياسة حتى يكون العالم الذي نتركه وراءنا لأبنائنا والأجيال القادمة عالم من السلام والازدهار وليس اقتصادا مشلولا وأطفالا معاقين. في الختام أود أن أشكركم مرة أخرى على دعوتكم لي هنا.

 


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة