loader

النبي صلى الله عليه وسلـم والقرآن ورمضان

لعل فهم العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلـم والقرآن الكريم هو المحور الأساس الذي توزّعت حوله مدارس الفكر الإسلامي وتباينت. وبقدر ما فرّقت هذه المدارس بين النبي والقرآن بقدر ما ابتعدت عن جادة الصواب. والحقيقة أن القرآن هو مرآة قلب النبي صلى الله عليه وسلـم التي تعكس صورة أبدية له صلى الله عليه وسلـم يستطيع المؤمنون أن يحظوا بتأملها إلى قيام الساعة. وقد جاء الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام مؤكدا على التوحد بين النبي صلى الله عليه وسلـم والقرآن الكريم، وكان هذا الأمر علامة فارقة في فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية، ومفتاحا عظيما لحل كثير من المعضلات، وللحكم فيما اختلفت فيه الفرق.
فلم يكن نزول القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلـم إلى بعد أن أعده الله تعالى إعدادا كاملا، وصنعه على عينه، وجعله جبلا راسخا يستطيع أن يتحمل نزول هذا الوحي الذي لو نزل على جبل لأصبح خاشعا متصدعا من خشية الله. وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحقيقة في قوله:
{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الحشر 22)
كذلك كان الله تعالى قد صنع فطرته من زجاجة فائقة اللمعان والشفافية، وأودعها زيتا نقيا يكاد يضيء بنور الوحي حتى ولو لم ينـزل عليه، كما قال تعالى:
{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (النور 36)
وقد اختصرت السيدة عائشة رضي الله عنها هذا التوحد بين النبي صلى الله عليه وسلـم بقولها: {كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ} (مسند أحمد, كتاب باقي مسند الأنصار). والخُلُقُ هو الصورة الداخلية للخلْق، بينما يطلق الخلْق على الصورة الخارجية.
وهكذا فليس الأمر- كما يحاول بعض المفكرين المسلمين أن يصوروه- هو أن القرآن كتاب عظيم نزل على إنسان بسيط أمّيٍّ، ويحاولون إثبات صدق القرآن بالتأكيد على أن ما يحتويه القرآن ليس مما هو في قدرة النبي صلى الله عليه وسلـم واستطاعته أو مما يقع في مدارك فهمه! وهكذا يثبُت عندهم أن القرآن من عند الله دون أدنى شك. وفي الواقع، يقع هؤلاء في مغالطة عظيمة، كما أنهم يسيئون الأدب من النبي صلى الله عليه وسلـم؛ ومن أساء الأدب من النبي صلى الله عليه وسلـم تباعد من رضا الله تعالى، وقطع صلته بينبوع العلم النبوي المتدفق الذي أول متطلباته الأدب الجمّ مع المقام العظيم للنبي صلى الله عليه وسلـم. ومن الطبيعي أن ترى أمثال هؤلاء سرعان ما يتخبطون بفكرهم ثم يهوون في وادٍ من الجهالة سحيق.
وفي الواقع، فإن قولهم هذا نابع من عدم فهمهم للعلاقة بين خلْق الله وكلمته، كما أنهم لا يدركون حقيقة الوحي وطبيعة العلاقة بين الوحي ومَنْ يتنـزل عليه. فلله تعالى الخلْق والأمر؛ وخلْق الإنسان وتكوينه وتركيبه الجسدي والنفسي هو فعل الله، بينما الوحي هو كلمة الله التي هي من أمره الذي يتشكل من خلاله الخلْق ويخرج إلى حيز الوجود. ويستحيل أن يكون هنالك تناقض أو تباين بين كلمات الله وخلقه، إذ إن الخلْق لا يخرج إلى النور ولا يتشكل بصورة ما إلا بكلمة الله التي تطابقه. كذلك فإن الله تعالى قد أعدّ قلب النبي صلى الله عليه وسلـم وجعله عرشا لصفاته تعالى بكلماته، ثم استوى عليه وأنزل كلامه في صورة القرآن الكريم. فالله تعالى قد أنزل القرآن الكريم كي نتعرف على شخصية النبي صلى الله عليه وسلـم ونفهمها ونتمثلها ونقتدي بها، والتي هي في حقيقتها مرآه لصفات الله تعالى ومظهرا لعرشه. ولو لم ينـزل القرآن لبقيت هذه الشخصية العظيمة كنـزا مخفيا، ولأصبح من المتعذر على الناس السلوك في طريق الوصول إلى الله الذي لم يكن لأحد أن يشقه سوى النبي صلى الله عليه وسلـم.
ولا شك أن كثيرا من هؤلاء إنما قالوا بقولهم هذا ظنا منهم أنهم بذلك يُظهرون معجزة القرآن الكريم وأحقية أنه من الله تعالى. ولكن هذا القول إن أدى إلى الاعتراف بأن القرآن هو من عند الله، إلا أنه في الحقيقة يسد طريق الاستفاضة من فيوض القرآن الكريم، ولا يولد في نفس الإنسان حماسة وحبا واحتراما وتقديرا للنبي صلى الله عليه وسلـم، مما يحرم الإنسان من فيوضه صلى الله عليه وسلـم وقوته القدسية.
كذلك فإن هذا القول يفتح المجال للاعتراض على القرآن الكريم والتشكيك فيه. فلو أن القرآن العظيم قد نزل دون مناسبة مع خلْق النبي صلى الله عليه وسلـم وخلُقه إذن لكان من المقبول اعتراض الكافرين بقولهم:
{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } (الزخرف 32)!!
ففي زعمهم إن نزول القرآن على شخص بسيط ليس من الحكمة في شيء. إذ إن ذلك سيحرم الناس من الاستفادة من القرآن؛ لأن الشخص الذي نزل عليه بسيط قد لا يستطيع القيام بواجباته بسبب ضعفه وبساطته، أو قد لا يعرف قدْر ما نزل عليه – حاشا لله!
والحقيقة هي أن النبي صلى الله عليه وسلـم لم يكن بسيطا كما لم يكن محروما من العلم أو من أي شيء آخر. بل إن الله تعالى من أجله قد تكفل بقومه قبل بعثته وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وكان ذلك قبل بعثته بمئات السنين. و قد أراد أن يعلمه بنفسه ويتكفل أموره بربوبيته الخالصة دون أن يكون لأحد فضل في تعليمه أو تربيته لتكون تلك آية عظيمة تدل على صدقه وتُظهر صفة ربوبية الله تعالى بأكمل صورها. وهذا الأمر لا يقلل من معجزة القرآن الكريم، بل يقدم منه نسختيْن؛ نسخة مقروءة متلوة، ونسخة متجسدة في ذلك النبي العظيم صلى الله عليه وسلـم.
وفي رمضان بدأ نزول هذا القرآن، واشتعل الزيت النقي بنار الوحي السماوي، وبدأ بإنارة العالم حتى أصبح سراجا وهاجا وشمسا في كبد السماء. وقد نزل القرآن في رمضان وقتا وموضوعا؛ أي بالإضافة إلى أن بدء نزول القرآن كان في رمضان كذلك فإن موضوع القرآن ومغزاه يتمثل في شهر رمضان، وكأن القرآن قد نزل في ذكره وفي تبيان أهميته. وكان ذلك لأنه في هذا الشهر قد تصاعدت حرارة قلب النبي كالرمض توقا إلى لقاء الله، كما تولد فيه حرارة وحماس لعمل مزيد من الصالحات لنيل مزيد من القرب الإلهي؛ فكان الرمضُ رمضيْن، وسمِّي الشهر رمضان!
وهكذا فإن المطلوب من المؤمن في هذا الشهر الكريم أن يتمثل صفات النبي صلى الله عليه وسلـم وخلقه الكريم الذي يجده بأكمل صورة في القرآن الكريم، كما ينبغي أن يخلق في نفسه حرارة شوق وتوق إلى الله تعالى وحرارة رغبة لعمل الصالحات التي قدم النبي صلى الله عليه وسلـم نموذجا كاملا لها في حياته. فإن سعى المؤمن إلى ذلك نال شيئا من فيض النبي صلى الله عليه وسلـم ونال نصيبا من الوحي بقدر ما اقترب من خُلُق النبي صلى الله عليه وسلـم. فأي فضل ورحمة وبركة جعلها الله تعالى لنا ببعثة هذا النبي صلى الله عليه وسلـم! جعلنا الله ممن يقدر النبي صلى الله عليه وسلـم حق قدره، وممن يقتدون به ويتأسون بأسوته دوما، ووممن ينالون فيوضا عظيمة من بركاته ومن قوته القدسية. آمين.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة