loader

أحسن القول وأطيب الثمر

 نظراً لتفشي آفة اختلاط المفاهيم عند كثير من الناس, فإن البعض يخلط بلا وعي بين التعصب وبين الحماس, والحق أنه شتان ما بين المعنيين! وما يعنيني في هذا الشأن هو ما يخص العقيدة, فالتعصب المذموم غالباً ما ينتج عن عدم ثقة الإنسان في عقله, ومن ثَم فإنه يستخدم الإرهاب بشتى صوره حتى لا يقبل الناس بغير عقيدته, وهذا ما نراه من الإرهابيين وكذلك التابعين بلا وعي لكتب الأولين من المفسرين, فهؤلاء قد نبذوا التدبر والتفكير, فتصوروا أن بقاء عقائدهم لن يكون إلا بالقمع والمنع أو الإرهاب والتكفير! فما يعتقده هؤلاء المتعصبون لا يمكن بحال أن يعقل من أصحاب العقول, كما يراه أصحاب الفطرة السوية أنه من غير المقبول على دين الله. وغني عن البيان أن لسان حال هؤلاء المتعصبين العميان كلسان حال فرعون الذي فعل ما فعل من ذبح وقتل وإرهاب وقال كما ورد في الكتاب مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ!
أما الحماس المحمود فإنه على العكس من هذا التعصب المذموم, إذ ينتج عن ثقة الإنسان في عقيدته, واختياره لها بعقله وفطرته, ومن ثَم فإنه يتحمس في عرضها على الناس بالحكمة والبرهان, كما لا يجد ضيرا من سماع عقائد الأغيار, ومرجعه في هذا السلوك هو سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم, الذي علمه ربه عز وجل أن يقول للآخرين هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
ولما افترقت الأمة إلى عدة فرق, وذلك مصداق لنبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام التي تحققت, اقتضى الأمر أن تُسمى كل فرقة بمسمى, وذلك ليتميّز ما عندها من أفكار عن الأخرى, ومما لا شك فيه أن كل فرقة تدعي بأنها هي التي على الحق المبين وأنها التي تدين بالإسلام الذي بلّغه خاتم النبيين, ولكن إذا كان من الطبيعي أن ترى كل فرقة بأنها على الحق وأن تدعو لمنهجها كما تشاء, فإن من غير المعقول أو المقبول أن تعمل على فرض اعتقادها على العباد, أو تقول لهم على سبيل الإجبار ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.
وهنا قد يقول قائل كيف السبيل ليهتدي الحائر والكل يدعي بأن الحق معه؟! والإجابة على هذا التساؤل هى القول لكل حائر: إستمع القول واتبع أحسنه, وانظر الثمر وخذ أطيبه..
وبشيء من التفصيل, فإن الله عز وجل قد أرشدنا إلى السبيل الذي بواسطته يهتدي صاحب القلب السليم, فهناك إرشاد رباني لمعرفة أي فرقة تستحق أن تكون تلك الواحدة التي استثناها الرسول عليه الصلاة والسلام حين قال في نبوءته (كلها في النار إلا واحدة), فكلها تحتوى شراً إلا واحدة لا تحتوي إلا على الخير الذي جاء به الإسلام العظيم, وهذا السبيل قد ورد من خلال آيات محكمات في القرآن الكريم, يتبين منها أن الطيب من القول وأحسنه هو العلامة على اهتداء أتباعه إلى الصراط المستقيم, إذ يقول الحق عز وجل: (فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ), كما يقول: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ).
هذا, وإذا كان الاستماع إلى القول من أجل اتباع أحسنه هو سبيل للهدى, فإن النظر في ثمرات هذا القول هو سبيل موصل إلى نفس الهدف, فأحسن القول لابد أن يأتي بأطيب الثمر, كما أن الخبيث لا يثمر إلا الخبث, وصدق الله العظيم إذ يقول (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء, تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ, وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ)..
ولست في هذا المقام بصدد عقد مقارنة بين الفِرق والمذاهب لبيان الفَرق, ولكني أستطيع القول من منطلق حماسي لمذهبي الذي أدين بأنه الإسلام الحق, أنه إذا عُرضت على الناس أقوال الفِرق الإسلامية وكذلك الأثمار الناتجة عن هذه الأقوال, فسيعرف أولو الألباب أن الفرقة الناجية هى الجماعة الإسلامية الأحمدية بلا جدال.
وقبل أن أستطرد للتوضيح- أود هنا أن أتوقف قليلاً لأشير في عجالة, إلى وقوع بعض العامة وكذلك بعض الباحثين والمفكرين في خطأ يقع فيه أصحاب الأقوال الهدامة, تلك الأقوال الظلامية المناهضة للدين والعقل والتفكير, وهذا الخطأ هو السطحية في تناول بعض الأحاديث ولا سيما المتعلقة بأحداث الزمن الأخير, فهم ينظرون مثلهم إلى هذه الأحاديث على ظاهرها رغم أن فيها رموز تحتاج إلى تأويل, فإن كان الظلاميون قد أفرطوا في الأخذ بهذه النصوص وقبولها على حَرفيتها- فإن هؤلاء قد فرطوا فيها ورفضوها برمتها, فتساوى هنا الرفض مع القبول في عدم الفهم لمضمونها, فمَن رفضوها قد نظروا مثل مَن قبلوها إلى حروفها دون التدبر في مقصودها فلم يؤمنوا بها لعجزهم عن تأويلها وإسقاط ما فيها من رموز على الواقع.
وأعود وأقول بأنه فضلاً عن كل ما تظهره الأحمدية من قول حسن على جميع الأقوال ومن استطاع فليأتي بقول أحسن منها في أي مجال, سواء في نظرتها للدين وتفسير القرآن الكريم والأحاديث المتعلقة بأحداث آخر الزمان- فإن الواقع يشهد بأنه لا يوجد من المسلمين من يسمع للآخرين ويتحمس لعرض معتقده بالأدب والدليل سوى الأحمديين, ومع ثقتهم بأن الحق معهم فإنهم يترفقون بغيرهم ويشجعونهم على عرض معتقداتهم عملاً بقوله تعالى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). هذا ورغم تكفيرهم من قِبل الفرق الأخرى فإنهم يحرصون على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والقول إننا من المسلمين.. فالحق أنه لا يوجد بالفعل غير الأحمديين وكفى بالواقع عند العاقل شاهداً وإن كثر المدعون, فأشهر الفرق والمذاهب التي افترقت عليها الأمة تتقاتل مع بعضها, وكل فرقة تحرص على ألا يعلو غير صوتها, كما تبغض المخالفين لعدم إيمانهم بمعتقدها, إلا واحدة وهي الأحمدية التي تستحق لاستقامة منهجها على صراط الحميد أن تكون هى الأجدر بالتعبير بلسان حال الإسلام الأصيل!
وهناك ملاحظة هامة لا يجب أن تخفى على العامة أو الباحثين في الفرق والمذاهب, وهى أن الأحمدية ليست مجرد فرقة إسلامية أو مذهبٍ من المذاهب, فهى الوحيدة التي أسسها مبعوث إلهي, ولذلك فإن كفتها لابد أن تكون الأرجح من ناحية اعتبارها الإسلام الحقيقي. أما غيرها من الفرق فقد قامت على أهواء واجتهادات, فكان من الطبيعي أن تحتوى على مصائب وأخطاء. فلأن الأحمدية إذن فرقة ربانية, فلا عجب أن يُمكّن الله للأحمديين دينهم ويحقق من خلالهم وعده بالاستخلاف في الأرض, فهم دون كل المسلمين قد آمنوا بمبعوث السماء وأوفوا بالميثاق والعهد, هذا الميثاق الذي قطعه الله على أتباع النبيين, وذلك في قوله تعالى في محكم التنزيل: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ), فلقد آمنوا بالإمام المهدي والمسيح الموعود حضرة ميرزا غلام أحمد عليه السلام, وهو مَن جاء مُّصَدِّقٌ لما مع الرسول الأكرم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام, الذي أخذ الله من أتباعه الميثاق أيضاً وذلك فى قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً)!
هذا, والمسلم الأحمدي هو الوحيد الذي لا يمكن أن يؤتى الإسلام من قِبله, فهو القادر على دفع أى شبهة يمكن أن تثار حوله, أما غيره فمن المؤسف أنه بدلاً من دفع كثير من الشبهات عنه, فإنه يجلبها عليه بالقول فيه بما يحط من قدره!
وفضلاً عن أن كل الفرق إلا الأحمدية يقولون بأقوال تنتقص من كمال الدين ولا مجال هنا لحصرها ومن أراد معرفتها فليرجع إلى مفاهيم تلك الفرق لكثير من القضايا وعلى رأسها المهدي والدجال ونزول المسيح- فإنهم إلى جانب ذلك يقولون بما يتنافى مع الشرع وما يتعارض مع القرآن الكريم, فبينما يحث الإسلام على الصدق والقول السديد فإنهم يقولون بجواز الكذب والتورية والمعاريض, كما أن القرآن يقول بأن الله لا يحب المعتدين, ولا إكراه في الدين, ولكنهم يتعبدون بالبغض واللعن ويؤمنون بحد الردة والقتل باسم الدين, هذا ويُشدد على خلق الأمانة ويجرّم الخائنين, ولكنهم يقولون بجواز الخداع والتقية والحيل الشرعية, وبئس ما تخلفه هذه الأقوال من أخلاق لا يأمن الإنسان لمن يتخلق بها ويعتبرها تعاليم إلهية!
فعلى كل باحث عن الحق أن يتفحص ثمار أقوال تلك الفرق فمنها يُعرفون, رغم أن الأمر لا يحتاج إلى التفحص لأن أقوالهم الخبيثة تفوح رائحتها الكريهة من خلال ما ينتج عنها من شرور, أما ثمار الطيب من القول فتتجلى من خلال ما ينتج عنه من الخير ومن محاسن الأمور..
ومن هذا المنطلق أستطيع أن أقول للآخرين: من أحسن قولاً ومن أطيب ثمراً من الأحمديين, وإن استطعتم فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.. فأحسن القول بالفعل هو الذي عند الأحمدية, وذلك لتوافقه مع العقل والنقل والفطرة النقية, وأطيب الثمر هو ما ينتج عن قولهم من ظهور لجمال الإسلام ومن سلام على الإنسانية.. ولينظر كل منصف عاقل إلى ما تخلفه الأفكار النورانية الأحمدية من تقدم وسلام ورخاء, وفي المقابل ما تخلفه الأفكار الظلامية التي تتبناها الفرق الأخرى من تخلف وحروب ودماء, ليعرف مَن يعمل بهدي المصطفى الذي ما أرسله الله إلا رحمة للبشرية جمعاء!
وفي الختام لا يسعني إلا القول عن ثقة واستحقاق, إن الجماعة الإسلامية الأحمدية هى الوحيدة التي تحمل رسالة الإسلام الحقيقية إلى العالمين, لأنها تُظهر جمال وعطر الإسلام الأصيل بما تحمله من فكر نافع مستنير, وإذا كان الناس يُعرفون من ثمارهم- فإن الأحمدي هو حامل المِسك, أما غيره فيبدو جلياً بأنه نافخ الكير!


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة