loader

خطاب الجلسة السنوية في قاديان

ألقاه حضرة أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز, الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام

عبر القناة الفضائية الاسلامية الأحمدية
يوم 27-5-2009
في قاعة محمود بجانب مسجد الفضل بلندن بمناسبة الجلسة السنوية للجماعة في قاديان


أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. {بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ}. (آمين)


أولاً وقبل كل شيء، أودُّ لفتَ أنظاركم إلى الدعاء، فقد أُخبِرت أنّ هناك في قاديان آثارًا لعاصفة قادمة، فمن المعلوم أن العواصف تهب في هذه البلاد في الصيف، فادعوا الله تعالى أن تمضي الساعات الأخيرة من الجلسة بخير وعافية. إن من منن الله العظيمة وأفضاله العميمة أن الجلسة السنوية في قاديان تنتهي اليوم. لقد كانت هذه أول تجربة لعقد الجلسة في قاديان في الصيف، فكان المسئولون عن عقد الجلسة قلقين إذ قد هبت العاصفة صباحا قبل انعقاد الجلسة بيوم واختل النظام والترتيبات كلها وتبعثرت الأشياء، وفي المساء أيضا عصفت الريح كل شيء، لكن الشباب الأحمديين عملوا طوال الليل بفضل الله ونظَّموا كل شيء حيث صار كل شيء على ما يرام. نسأل الله تعالى أن ينتهي باقي البرامج أيضا بسلام ونجاح وعافية. لقد كانت أول تجربة كما قلت، غير أن معاملة الله مع الجماعة عجيبة دائمًا، فكلما طرأت ظروف غيرُ ملائمة واضطُرت الجماعة للعمل خلافا للمعتاد قام الأحمديون لإنجاز ذاك العمل مستعينين بالله (عز وجل) ومنيبين إليه ومتوكلين عليه، وكان نصر الله حليفنا كل مرة. إن هذه الجلسة السنوية التي تجري فعالياتها في هذه الأيام كانت ستُعقد في ديسمبر الفائت، ولذلك كنتُ قد سافرت إلى الهند في أواخر نوفمبر، وتوجهت أولاً إلى جولة في جنوب الهند كما تعرفون، وخلال تلك الجولة حدثت في بلاد الهند ظروف قررت بناء عليها تأجيل الجلسة في قاديان، وكان الله تعالى قد ألقى بكل قوة في رُوعي فكرةَ تأجيلها، ولم ينشرح قلبي لعقد الجلسة عندها، فكتب إلي بعض المخلصين من قاديان عندها "لا شك أن الظروف تبدو غير مواتية إلا أن سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) قد وصف قاديان بدار الأمان"، راجين أن أتراجع عن قرار تأجيل الجلسة في قاديان. هذه كانت عواطفهم ومشاعرهم. وبعد عودتي من جنوب الهند أعرب عدد كبير من الأحمديين عن مشاعرهم الرقيقة، كما أن الأحمديين الباكستانيين الذين كانوا يتوقعون حضور الجلسة أرسلوا رسائلهم الفياضة بالعواطف، بل ما زلت أستلم منهم هذه الرسائل، لكن الظروف التي ظهرت فيما بعد والتي بيّنتُها لكم في خطبة الجمعة بعد عودتي من الهند أكدت صحة القرار الذي اتخذته وإن كان صعبا للغاية، بل إن الأوضاع التي تطورت فيما بعد وما انكشف لنا من تخطيط العدو أيَّد هذا القرار.


على كل حال، كان في الهند انتخابات أيضا، وكانت هي الأخرى أحد أسباب تأجيل الجلسة، وحين انتهت الانتخابات في الشهر الماضي قررنا عقد الجلسة في شهر مايو. باختصار هذه الجلسة تنتهي الآن، وأود أن أحدثكم عن بعض الأمور بهذا الشأن.
إن كل مسلم أحمدي يدرك أهداف الجلسة السنوية، ولا سيما الأحمديين القدامى المقيمين في قاديان، الذين أغلبيتهم تشارك الآن في الجلسة. وبما أن هذه الجلسة تُعقَد على مستوى محدود فقد اشترك فيها عدد ضئيل من خارج قاديان من سكان الهند. لقد حضرها بعض المبايعين الجدد أيضا لكسب بركاتها. ورسالتي لهم وللأحمديين القدامى أيضا أن بعض الأمور تكون معروفة ومعلومة ولكنها إذا لم تُكرَّر مرارا فإن الإنسان ينساها أو لا يعيرها اهتماما كافيا كما يجب، لهذا أود لفت أنظاركم إلى أهداف الجلسة التي قد يكون بعض الخطباء أيضا قد لفتوا أنظاركم إليها في خطبهم عند الافتتاح خاصة. يجب أن نتذكر دوما الأهداف التي بيَّنها المسيح الموعود (عليه السلام) لهذه الجلسة السنوية، وأذكرها لكم الآن بإيجاز.


إن الهدف الأول منها هو أن تسنح لكل مشارك فرصة الانتفاع من الزيارة والاستماع وجها لوجه. لا نستطيع الآن الاستماع إلى حديث إمام الزمان (عليه السلام) جالسين أمامه وجها لوجه، ولكن الذين وُجدوا زمن المسيح الموعود (عليه السلام) ونالوا منه فيوضا كثيرة كانوا سعداء، غير أن إمام الزمان قد ترك لنا كنـزا هائلا لتفسير القرآن الكريم وبوسع كل واحد منا أن يستفيد منه حيثما كان. لكن بما أن الله تعالى لم يخلق الجميع بقدراتٍ متساوية كما لا تتيسر للجميع فرصة الانتفاع الحقيقي من هذا الكنز المتوفر، فثمة حاجة لمساعدتهم مِن قبل أولئك الذين يفهمون هذه الكنوز العلمية والروحانية جيدا. وإذا كان هؤلاء المساعدون علماء عاملين فمَثَلُهم -حسب حديث النبي (صلى الله عليه وسلم)- كمَثَلِ أرض تمتصّ ماء المطر وتحيي نباتها، ثم عندما يُزرع فيها شيء فتكون وسيلة لإيصال الخير للآخرين. والله وحده يعلم حقيقة القلوب، إلا أننا ننتخب علماء مؤهَّلين في الظاهر لإلقاء الخطب لبيان معارف القرآن الكريم والحديث في ضوء كلام المسيح الموعود (عليه السلام) وتفسيره له حتى يفهمه عامة الناس أيضا، وليُخلق الجوّ خصيصا لتحقيق هذا الهدف لثلاثة أيام، لكي يتولد الهياج في أوتار فطرة الإنسان السليمة، فيسعى كل من يحضر هذه الجلسات المقدسة إحداثَ تغيير طيب في نفسه بسماع الكلمات الطاهرة لمسيح الزمان (عليه السلام). إن الإنسان في العصر الراهن محاط بملاهي الدنيا وأشغالها، فلا يبذل جهده لزيادة علمه الديني والروحاني كما ينبغي. ولكن حين تُعقد مثل هذه المجالس لابتغاء مرضاة الله تعالى ولرفع اسمه تعالى خالصةً ولبيان كيف يحب أن نحبّ النبي (صلى الله عليه وسلم) وكيف نسير قدمًا في طرق الروحانية، فهي تجلب فوائد ملموسة لذوي القدرات الدماغية المتوسطة، كما تنفع ذوي القدرات الدماغية العالية؛ فينال أهل هذه المجالس نصيبا من بركات الله (سبحانه وتعالى) أيضا، حيث ورد في حديث أن الله تعالى يسأل الملائكة عن أحوال أهل هذه المجالس - وهو (سبحانه وتعالى) أعلم بهم إلا أنه أسلوب لبيان حبه للعباد - ورد في الحديث أن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يسأل المَلائِكَة وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ. قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِّي؟ قَالُوا يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا لا أَيْ رَبِّ. قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي. قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ. قَالَ فَيَقُولُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ. قَالَ فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ. هُمْ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ. (مسلم، باب فضل مجالس الذكر)


فالمجالس التي تُعقَد ابتغاء مرضاة الله خالصة تنزل فيها بركات الله تعالى ويستفيد منها حتى المارّة بها، أما الذين يحضرونها ابتغاء مرضاة الله فقط، فليس بوسع الإنسان أن يتصور أفضال الله وبركاته التي تنهمر عليهم. أما هذا المجلس الذي قال عنه إمام الزمان "لا تعتبروه مهرجانا دنيويا عاديا" ففيه بركات تفوق التصور. واليوم ينتفع المسلمون الأحمديون من هذه الجلسة السنوية في قاديان وهم جالسون في بلاد نائية، وذلك عبر الوسائل التي هيأها الله في صورة مخترعات حديثة كان ظهورها مقدرا تحقيقا لنبوءات القرآن الكريم لنشر رسالة النبي المشرّع الأخير سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في العالم كله بواسطة محبه الصادق (عليه السلام). فخطابي هذا يُبثُّ مباشرة حيث يستمع إليه ويشاهده حضور الجلسة في قاديان، وفي الوقت نفسه نتمتع برؤية فعاليات الجلسة هناك عبر الأجهزة الصوتية والمرئية، وبفضل ذلك يشارك في هذه الجلسة جميع الأحمديين في العالم بأسره. إن نظام الفضائية الإسلامية الأحمدية هذا الذي هيأه الله تعالى تأييدا للمسيح الموعود (عليه السلام) صار وسيلة لمشاركتنا في هذا المجلس المليء ببركات لا حصر لها. وكل هذه الأمور تصدِّق أن دعوى سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) مدعومة بتأييد الله على وجه أتم. لا شك أن هذه الوسيلة تملأ الفراغ الحاصل من عدم تمكُّن خليفة الوقت من إلقاء الخطاب وجها لوجه بالحضور شخصيًا في بلدة قاديان،
عندما نسعى جاهدين للقيام بكل عمل خالصًا لوجه الله تعالى فاحصين قلوبَنا فسوف يزيل الله بفضله هذه العوائق والعراقيل العارضة. وانطلاقا من هذه الجلسة وهذا الإعلان للمسيح الموعود (عليه السلام) حيث قال "فليتوافد الناس إلى قاديان لحضور الجلسة" تقع على أهالي قاديان مسئولية جسيمة جدا. صحيح أن جميع فروع الجماعة في العالم تَعقد الجلساتِ اقتداءً بجلسة قاديان، حيث يُخلَق جوٌّ ديني روحاني، لكن للجلسة التي تعقد في قاديان أهمية خاصّة، وجميع الأحمديين في العالم يحنّون شوقًا للاشتراك في هذه الجلسة المنعقدة في هذه البلدة المقدسة.


فهذه العلاقة التي تربط جميع الأحمديين في العالم بقاديان يجب أن تولِّد في قلوب سكانها ولا سيما العاملين صغارا وكبارا شعورا بأن نماذجهم وأسوتهم يجب أن تكون سامية جدا انطلاقا من مكانتهم المرموقة بسبب إقامتهم في هذه القرية المباركة. فحين يتوجه الناس من العالم إلى قاديان تكون عندهم فكرة سامية جدا عن قاديان. فتذكروا دوما أن تسعوا دائما قدر المستطاع أن لا تتسببوا في تعثُّر أحدهم أبدا. إن قاديان مدينة إمام هذا الزمان والمحبِّ الصادق للنبي (صلى الله عليه وسلم) والذي هو نبي ظلِّي. حافِظوا على قداسة هذه المدينة في محيطكم، وإن الحفاظ على قداستها واجب على كل مقيم في قاديان وكلِّ أحمدي حيثما كان. يجب أن يتذكر الجميع أنه يجب على كل من يسكنها من الأحمديين أن يحافظ على قداستها، وخاصة العاملين في الجماعة والواقفين للحياة، فإن عليهم مسئولية أكبر من الجميع، فانطلاقا من إدراك هذه الأهمية يجب على العاملين في مكاتب الجماعة والواقفين للحياة أن يستعرضوا أوضاعهم، ليس في قاديان فحسب بل في كل مكان في العالم يجب أن يتذكروا أن شرف حماية شعائر الله أعطاه الله للأحمديين المقيمين في قاديان. القرية التي كان سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) قد حثَّ على الاستفادة المباشرة وجها لوجه بالحضور في جلستها كانت ستستمر بعد وفاته (عليه السلام) وإذا كان عقد الجلسات مستمرا فكان من الطبيعي أن يستمر السعي للحصول على معايير التقوى أيضا، كما كان السعي الدؤوب لسكان قاديان لتقديم نماذج عملية سيستمر. فقاديان التي حين يتوجه إليها أي مسلم أحمدي، تتولد لديه عواطف جياشة عند رؤية الأماكن المقدسة. فحين يدخل المرء مساجد سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) ومختلف الحجرات التي ناجى فيها ربه ودعاه سبحانه وتعالى ينشأ في دعائه رقة والتياع وحرقة، ثم حين يصل إلى مرقد إمام الزمان (عليه السلام) - أي حيث دفن حضرته- ويدعو الله تعالى يصيبه سكينة واطمئنان غريب، والمتوجهون إلى هناك سواء أكانوا من أي مدينة هندية أو من أي بلد آخر من بلاد العالم يشعرون في نفوسهم بحدوث تغير طاهر بصفة عامة، وإذا كانت نماذج المقيمين هناك لا يعيرون أداء هذا الواجب سالكين في دروب التقوى، فهم يحرمون أنفسهم من بركات الله من ناحية ومن ناحية يسببون للزائرين من الخارج قلقا واضطرابا بتقديم أسوة تبعث على اليأس. فعوا هذه المسئولية فهي مسئولية هائلة جدا تقع على سكان قاديان الأحمديين. من أهداف الجلسة السنوية التي بيَّنها سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) أن تزداد المعرفة بالله، وإن الواقفين للحياة الذين تقدموا لأداء هذه المسئولية لجديرون بالاستفاضة من الكنـز العلمي والروحاني الذي تركه سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) بعده أكثر من الجميع، والتي قد بُعث حضرته لتأديتها وإقامتها في العالم. فإذا تقدم الواقفون لحياتهم في معرفة الله وخاصة أولئك الذين عكفوا على تلقي العلوم الدينية، فسيؤدي ذلك إلى تقدُّم الآخرين في هذه المعرفة. إن أتباع سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) بفضل الله حائزون على المعرفة التي قال عنها (عليه السلام) في موضع: "لا شك أن المرء لا يتمكن من الفوز بمعرفة الله ما لم تتطور معرفته لدرجة يدرك فيها أن هناك أفعال كثيرة لله فوق العقل الإنساني وأرفع منه" فهذا القدر من المعرفة أساسي، والدرجة الثانية من المعرفة هي تلك التي يُظهرها الله (سبحانه وتعالى) في صورة إبداء علاقته مع عباده ومعاملته معهم، وأكبر وأعظم مظهر لذلك أنبياؤه، وقد بيَّن الله بعض المبادئ والقواعد لمعرفته أيضا لنا نحن المسلمين الأحمديين فقد قال مثلا {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} (آل عمران 32) فما هو اتّباع النبي (صلى الله عليه وسلم)؟! ألا إنما هي محاولة للتأسي بأسوته (صلى الله عليه وسلم) والسعي للعمل بالشريعة التي جاء بها، فأسوته في الأيام الحرجة الصعبة جدا مهيّأة أمامنا، كما ترك لنا أسوة في السلطة والحكم. إن أسوته في أيام المجاعة الشديدة أيضا أمامنا، وأسوته أمامنا حيث الثراء والسَّعَة في كل مجال. إن أسوته (صلى الله عليه وسلم) أمامنا في الحياة العائلية والحياة الاجتماعية أيضا. وغاية القول أنه لا يوجد أي شعبة من الحياة لم يترك لنا (صلى الله عليه وسلم) أسوة فيها فقد قال الله (سبحانه وتعالى) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونني فَاتَّبِعُوا هذا الرسول وأحِبّوه وحاولوا التأسي بأسوته. فإذا كانت مساعينا وحماسنا لتلقي العلم لمجرّد المتعة الشخصية وإحراز التفوق العلمي على الآخرين فهذا ليس إظهارا لحب النبي (صلى الله عليه وسلم)، كما أنه لا يُشكّل وسيلة صحيحة لنيل معرفة الله (سبحانه وتعالى)، فالوسيلة الصحيحة لذلك هي إنشاء حب الله الخالص في القلب والامتثال لأوامره، ثم إذا نشأ هذا الحب في قلوبكم فاسعوا لاتباع رسوله والعمل بسنته.. ثم قال:]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[ (العنكبوت 70)

عندما تتيسر هذه الحالة للمرء، ويقوم بالجهاد بحسبها ضاربًا أمثلة سامية في الحب والوئام، يقوم الله تعالى بإرشاده وتوجيهه، إذ يسود عندها الحب والوئام وتكون المحاولة للتقدم إلى الله (عز وجل) بادية، فيحقق الله للعبد قوله:{ وهو يدرك الأبصا ر}.. وحين يدرك الله الأبصارَ بنفسه يزداد الإنسانُ معرفةً به (سبحانه وتعالى). إذن، فكلما سعى المرء بحسب نطاق قدراته وعمله للتقدم في معرفة الله وحب الرسول كان ذلك سببًا لبقائه.


إن معرفة الله أيضا نوع من الكفاح والجهاد، ولا بد لأجلها من سعي دؤوب. وهناك طرق شتى للحصول على معرفة الله، إذ هي كفاح مستمر لا يكاد ينتهي. فإن المسيح الموعود (عليه السلام) لما حثنا على التقدم في معرفة الله، بين لنا أيضًا أن هذا التقدم محال إلا إذا كانت طرق التقدم واضحة بيّنة أمام أعيننا. فحين يبذل العلماء والمثقفون جهودهم في هذا السبيل مستفيدين من معارف المسيح الموعود (عليه السلام) يكونون سببا لنشر المعرفة الإلهية إلى الآخرين، ويكون مَثَلهم كمَثَل الأرض الخصبة التي تستفيد من الماء وتفيد الآخرين أيضا. وفي هذه الحالة سينال كل واحد ممن حضر الجلسة السنوية نصيبه من معرفة الله تعالى بحسب نطاق قدرته واستطاعته نتيجة الجو المحيط به، ويزداد إدراكًا بذات الله وإيمانًا به (عز وجل) ، كما يزداد إيمانًا ويقينًا وحبًا للنبي (صلى الله عليه وسلم)، ووفاءً للمسيح الموعود (عليه السلام). لذا فكل من يشترك في الجلسة، سواء كان من العلماء أو عامة الناس، عليه أن يسعى لذلك آخذًا في الحسبان أن هدفه من الحضور هنا هو أن يزداد معرفة بالله تعالى حتى يسري حب الله تعالى ورسوله في كل جزء من كيانه ويبقى في ازدياد مستمر. عندها يمكن أن نُعَدَّ من المؤمنين الصادقين وممن ينتفعون من الجلسة السنوية حق الانتفاع. ندعو الله تعالى أن يوفِّق كل واحد منا لفهم هذا الأمر.


والهدف الآخر الذي بيّنه حضرته (عليه السلام) هو أن تتسع دائرة التعارف بين الإخوة.
ولكن ما هو المراد من اتساع التعارف بين الإخوة؟ فإذا كان التعارف سطحيا فقط فلا فائدة منه قط، لذا فلا بد قبل كل شيء أن تعرفوا معيار الأخوّة. لا شك أن تصرُّف إخوة يوسف - الذين ألقوا بابن أبيهم في البئر بما كانت تكنه صدورهم من بغض وحقد - ليس بمعيار لنا. إنما المعيار لنا هو أسوة أنصار المدينة، هؤلاء الإخوة الذين لم تكن بينهم قرابة دموية، ومع ذلك ضربوا أروع أمثلة في الحب والتضحية، بحيث يُصاب الإنسان عند قراءتها أو سماعها بحيرة ما بعدها حيرة. لذلك فإن المسيح الموعود (عليه السلام) حين ذكر ضرورة اتساع نطاق التعارف بين الإخوة قال أيضا:
"لكي تتقوّى علاقات الأُخُوّة". وإن علاقات الأُخوّة هذه إنما تتقوى حين تكون القلوب عامرة بالمشاعر المخلصة المتبادلة، وحين تكون العلاقات بين الناس كالعلاقة بين أعضاء الجسم بحيث إذا أصيب عضوٌ بأذى شعر عضو آخر بالأذى نفسه، وحين يشعر كل واحد بمعاناة أخيه كما يشعر بمعاناة نفسه. فلو حدث ذلك لنشأ المجتمع الذي جاء المسيح الموعود (عليه السلام) إلى الدنيا لإنشائه.


ثم إن هذا الجو ليس مؤقتا ومقتصرا على قاديان وعلى أيام الجلسة فقط، بل يجب أن يسود بعد الجلسة أيضا كلَّ مدينة من مدن الهند وينشأ إلى الأبد في قلب كل أحمدي يسكن في مدن الهند، بل ينشأ في قلب كل أحمدي حيثما كان.
وبما أن الله تعالى قد مَنّ علينا اليوم بالقناة الفضائية الإسلامية الأحمدية لكي نَسمع بواسطتها دعوة المسيح الموعود (عليه السلام) وننشرها في أكناف العالم كله، لذا يجب أن تنشأ مشاعر الحب والوئام والأُخُوّة في قلب جميع الأحمديين في العالم تجاه بعضهم بعضا. وإذا حصلت هذه الثورة في قلوبنا انتفعنا من هذه الجلسة التي أسسها المسيح الموعود (عليه السلام) بصورة حقيقية وباستمرار. فعلى كل واحد منا أن يفحص نفسه ويرى مدى ما استفاد من برامج هذه الجلسة. فلو كانت الأيام الثلاثة قد تركت في قلوبنا تأثيرات إيجابية لتمتعنا بالفائدة من أدعية المسيح الموعود (عليه السلام).
ولما كانت وقائع هذه الجلسة قد بُثَّت في العالم كله عبر القناة الفضائية الإسلامية الأحمدية لذا على جميع الأحمديين - الذين شاهدوا وقائعها وسمعوا الخطب الملقاة فيها أو الذين يسمعونني الآن - أن يفحصوا أنفسهم، لأن معرفة النفس هي التي تؤدي بالإنسان إلى معرفة ربه.


لقد بُثّت في أثناء برامج هذه الجلسة انطباعات وعواطف قلبية لكثير من الإخوة أرسلوها إلينا عبر الرسائل أو الفاكس أو الهاتف، ولكن يجب أن يتذكر المسلمون الأحمديون حيثما كانوا في العالم أنه إذا لم ينشأ في قلوبهم حماس حقيقي وعاطفة صادقة لفهم أهداف الجلسة وتحقيقها، أو إذا لم يحدثوا في قلوبهم تلك التغييرات الحسنة التي طالَبنا بها المسيحُ الموعود (عليه السلام)، فإن إبداء العواطف وحدها ليس أكثر من ادعاء فارغ. إن الأحمديين في باكستان أو الأحمديين الباكستانيين القاطنين في بلاد أخرى كانوا هم الأكثر تعبيرًا عن هذه العواطف، فعليهم أن يتذكروا ما قاله المسيح الموعود (عليه السلام) في سياق أهداف الجلسة وأغراضها حين قال: "من الثابت المتحقق أن المخلصين من أوروبا وأمريكا في طور الاستعداد لقبول الإسلام." في هذه الأيام يزداد عدد المشتركين في الجلسات من أوروبا وأمريكا بفضل الله تعالى زيادة مضطردة، وفي أفريقيا يبايع الملايين كل عام، حيث إن المسيحيين الأفارقة أيضا أخذوا بفضله تعالى يجتمعون بأعداد كبيرة تحت راية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) ويُهَلِّلون بوحدانية الله تعالى متبرئين من عقيدة الثالوث. لقد جعل الله تعالى رياحًا تَهُبّ لتغير القلوب.


لا شك أنهم حازوا هذه المرتبة لتقدمهم في الإيمان والمعرفة الإلهية. فهذه الأمور كلها تؤكد لنا أن الرياح التي تهب بإذن الله وتُميل الناس إلى الانضمام للأحمدية هي من قدر الله تعالى. ولكنها إلى جانب ذلك تشكل وقفة تأملية أيضا للأحمديين القدامى وخاصة أولئك الذين يخدمون الجماعة والذين قدّموا أنفسهم لخدمة الدين أن يحدثوا في أنفسهم انقلابا طاهرا وعظيما طالَبنا به سيدُنا المسيح الموعود (عليه السلام)، ويعمروا قلوبهم بالمعرفة الإلهية ويهَبوا الحياة والنضارة للآخرين أيضا بواسطة تلك النعمة التي تَهب الحياة.
تذكروا دائما أن المسيح الموعود (عليه السلام) يقول في الإعلان نفسه بأن عدد المبايعين الجدد سيظل في ازدياد مستمر، كما يقول:
" إن بركة الصدق سوف تجذب الجميع إلى هنا بإذن الله القدير، هذا ما قرر الله في السماء ولا يقدر أحد أن يردّ ذلك."


فهذا هو القدر الذي لن يزول أبدا مهما تفاقمت المعارضة ومهما نُهبت العقارات ومهما أُزهِقت الأرواح في سبيل الله. ولكن ما نخشاه هو أن نحيد عن التقوى وتصدر منا أخطاء وتقصيرات تحرمنا من شرفٍ وهبنا الله تعالى إياه. بل حين يأتي زمنٌ قال المسيح الموعود (عليه السلام) عنه:
"لقد وضع الله تعالى بيده اللبنة الأولى لهذه الجماعة وجهّز لها أقواما تنضم إليها قريبا لأنه فعل الله الذي لا مستحيلَ أمامه." - وقد بدأنا نشاهد صدق هذه الكلمات للمسيح الموعود (عليه السلام) - فحين يأتي هذا الوقت الذي يعرف الناس فيه المسيحَ الموعود (عليه السلام) ويدخلون الجماعة الإسلامية الأحمدية يجب علينا وعلى أجيالنا الذين جعلهم الله تعالى من السابقين في قبول الأحمدية أن ندعو الله كي تكون أسوة السابقين الطاهرة أمامنا وأن نتحلى بمعرفة الله تعالى حتى نتمكن من تربية المبايعين الجدد. هنا لا بد أن نتذكر أيضا.. مع أن الله تعالى قد جعل الرياح تَهُبّ لتُميل قلوب الناس إلى إمام الزمان.. أنه علينا أن نسعى جاهدين لنشر هذه الدعوة بأسوتنا العملية.


إن المظالم التي تُصَبّ على الجماعة اليوم إنما تخف وتهدأ فقط إذا سعينا لتحويل أقليتنا إلى الأغلبية. حيثما يتعرض المسلمون الأحمديون للمظالم في الهند ونتصل بالدوائر الرسمية يردّون علينا دائما قائلين إن هذه المظالم تُصَبُّ عليكم من قبل المسلمين الآخرين، لذا عليكم أن تكثروا من قوتكم وعددكم. وبما أن المسؤولين في الحكومة يجرون وراء مصالحهم لذا ينحازون إلى الأغلبية دائما. ولكن يجب على كل أحمدي أن يكون واثقا ويعلن بدون أدنى خوف بأنه فيما يتعلق بقوتنا فنحن، وإن كنا ضعفاء كبشر، ولكننا حائزون على معرفة الله ونحن في حرز وأمان ذلك الإله الذي هو أقوى من الجميع. هو مولانا ونصيرنا، عليه توكلنا وإليه أنبنا. وإن إلهنا قد طمأننا قائلا: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ والله تعالى يُرينا مشاهد تحقق قوله هذا حاليا ولسوف يريها في المستقبل أيضا. وإن لم ينتهِ هؤلاء القوم (المعارضون) فسيرون عاقبتهم الوخيمة، لذا لسنا قلقين من هذه الناحية. ولكن فيما يتعلق بتحويل الأقلية إلى الأغلبية فهذا لا نقوم به لقول هؤلاء القوم أو من أجل منافع دنيوية بل الحق أن الله تعالى قد أوجب علينا أن ننشر تعاليم الإسلام والأحمدية الجميلةَ في العالم كله. وما دامت رياح تأييد الله تعالى تهب لصالحنا وتأييدنا فعليكم أن تنشروا هذه الدعوة باهتمام خاص، واسعوا جاهدين لجمع الناس كافة تحت راية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لتزول من الدنيا الفتنةُ والشرور كلها ويحل محلها الحب والأمن والوئام والصلح، لكي تهلل الدنيا كلها بهتافات "الله أكبر".


ومن جميل الصدف أن تاريخ اليوم هو 27 أيار/مايو، وفي نفس اليوم من السنة الماضية قد ردَّد معي كل الأحمديين في جميع أنحاء العالم عهدا، وبعده جاءتني رسائل مترعة بالعواطف الجياشة من كل مكان في العالم يقول أصحابها بأننا نشعر في نفوسنا بروح جديدة بعد عهدنا. فأقول لكم مرة أخرى من هذا المنطلق بأن العهد الذي عقدتموه في هذا اليوم قبل سنة، والحماس والاندفاع، والحرقة في القلوب وعواطف الولاء والإخلاص للخلافة الإسلامية الأحمدية التي تولّدت في قلوبكم لا تدَعوها تخمد أبدا. الأمر الأول الذي جاء في ذلك العهد هو أننا سنبذل قصارى جهدنا إلى آخر لحظة من حياتنا في سبيل نشر الإسلام والأحمدية واسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى أنحاء العالم وسنكون جاهزين دائما لتقديم أكبر تضحية في هذا السبيل. والأمر الثاني الذي عهدتم به كان حماية نظام الخلافة وتقويته ووعدتم بإبقاء أولادكم أيضا متمسكين بالخلافة.


فاليوم على كل واحد منكم أن يحيي هذا العهد مرة ثانية، وليفحص نفسه ليرى هل كان عهده هذا ناتجا عن حالة عاطفية فقط أو قام بمسعى أيضا للوفاء بعهده. فإذا كنا قد سعينا حقا لتحقيق هذا الهدف فلن تسطيع الدنيا أن تمسنا بسوء مهما اشتدت في معارضتها لنا. ومن اصطدم مع الجماعة وخلافة المسيح الموعود (عليه السلام) القائمة بتأييدات الله الخاصة نال عاقبة وخيمة حتما.


ندعو الله تعالى أن يوفقنا للسير على دروب التقوى ويخلق في قلوبنا حبا خالصا له ولرسوله (صلى الله عليه وسلم)، فنرفع دائما راية الأحمدية أي الإسلام الحقيقي أعلى فأعلى متمسكين بنظام الخلافة. ندعو الله تعالى أن تكون هذه الجلسة مدعاة لبركات كثيرة لا حصر لها ثم تُعقَد الجلسة المقبلة في موعدها بكل بركاتها وشوكتها، وأن نحتفظ ببركات هذه الجلسة في قلوبنا. والآن سأقرأ عليكم بعض الكلمات المحتوية على أدعية المسيح الموعود (عليه السلام)، يقول حضرته عن المشتركين في الجلسة:
"وهبهم الله أجرا عظيما ورحمهم وسهّل عليهم حالة كربهم واضطرابهم، وأزال عنهم همومهم وغمومهم وخلِّصهم من كل كرب، وفتح عليهم سبل مراداتهم وحشرهم يوم القيامة مع عباده الذين عليهم رحمته وفضله الخاص. يا ربّ يا ذا المجد والعطاء والرحيم وكاشف الغماء استجِبْ كل هذه الأدعية وارزقنا الغلبة على أعدائنا بالآيات الباهرات، فإن لك القوة والقدرة كلها. آمين ثم آمين."


وكما قلت من قبل إن هذه الجلسة كانت مختصرة من حيث عدد المشتركين، فقد وصل عددهم 6000 تقريبا. وحوالي خمسين منهم حضروا من 11 بلدا آخر رغم الحرارة العالية جدا. وكذلك بعض المشاركين الذين جاؤوا من مدن أخرى قطع بعضهم مسافة 4000 ميل من أجل وصولهم إلى هناك، لأن الهند كما تعلمون مترامية الأطراف. كنا نفكر في البداية أن الحضور سيكون قليلا ولكنه بفضل الله تعالى كان جيدا. الآن اشتركوا معي في الدعاء.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة