loader

وَمِنْ شَرّ النَّفَّاثَات فِي الْعُقَد

  " وَمِنْ شَرّ النَّفَّاثَات فِي الْعُقَد " .. ما أعظم هذه الآية الكريمة من سورة الفلق في كتاب الله الفرقان، والتي أودع الله فيها من الأسرار والمعاني ما لو عقلها المسلمون لَما وقعوا فيما أوقعوا فيه أنفسهم من الذلة والهوان والضعف والإنحطاط والتخلف، فإن في هذه الآية الدواء الوافي والشفاء الكافي لكل الأمراض والعلل التي غزت جسد الأمة، وفيها العلاج لكل المصائب والنكبات التي نزلت كالصواعق على المسلمين فأردتهم وهوت بهم في أسفل سافلين.

وقبل بيان معاني هذه الآية الكريمة لا بد من الإحاطة بسياقها العام الذي وردت فيه ومضمون السورة كوحدة موضوعية متكاملة تعالج قضية من أهم قضايا البشرية.

فإذا تدبرنا في آيات سورة الفلق فإننا سنكتشف معانٍ عميقةً ونكاتٍ دقيقةً تُذهل الألباب والنهى، فهذه السورة ككل سور القرآن العظيم فيها من الخزائن الدفائن ما فيها، مما لا يمسُّه إلا المطهرون، ولكنَّ المؤسف أن المسلمين وعلماء التفسير في عصور التخلف الفكري غفلوا عن اقتناء هذه المعاني والكنوز، وصُرفتْ قلوبهم عن فقه مكنوناتها الثمينة، فما وجدوا فيها إلا كلماتٍ وطلاسمَ اتخذوا منها حِرزاً وتمائم تَقيهم شرّ الخرافة والأسطورة في أوهامهم، والشعوذة التي غزت عقولهم المسكونة بالأمراض النفسية.

لقد بدأت السورة بقول الله النور : " قل أعوذ برب الفلق " .. فنجد أن الحق عزّ وجلّ في هذه السورة قد نسب الفلق إليه ولم ينسبِ الغسق، حيث أن الفلق هو النور والسفور، والصبح والظهور، الذي يفلق الليل والظلمة والاستتار، ويبدد أستار الجهالة والغموض والإكفهرار. وفي ذلك رسالةٌ واضحةٌ وتنبيهٌ صريحٌ للناس أنه لا يصحُّ نسبة أحدٍ من الخلقِ إلى الله، ولا نسبة فعله وقوله إلى الحق، ما لم يكن من أصحاب النور والوضوح، والباطن الظاهر المفضوح، المتسم بالصدق المطلق الممدوح، في قوله وفعله. أما أبناء الليل .. خفافيش الظلام، وروَّاد الجحور والمخابئ .. المتآمرين اللئام، وأعضاء الخلايا والجماعات السرية وعصابات الإجرام؛ فليسوا من الله في شيءٍ .. بل هم أبناء حرام، ومن ذرية الشيطان المتناسلين بالآثام.

والمؤمنون المنسوبون إلى الله يستعيذون بالله رب الصبح والفلق " من شر ما خلق " .. ولا يتأتى لنا نسبة الشر إلى ما خلق الله من الهوام والبهائم والأنعام، بل المقصود بالشر مجموعاتٌ من البشر المكلف العاقل، فلا يكون الشرُّ إلا من قِبَل أولئك الذين يعيشون في الظلمات والأغساق، ولا يعملون إلا تحت الأرض في الجحور والأنفاق، لأن الضياء يزعجهم ويكشف سترَ عيوبِهم، ويفضح عوراتِ قلوبِهم، ويُخرج الخَبْءَ الخبيثَ في نفوسهم، لذا جاء بعد الاستعاذة برب الفلق من شر ما خلق ذكر " ومن شر غاسقٍ إذا وقب "، ليلقيَ الأضواء على الأجواء التي يتناسل فيها أولئك الشريرون، وفي أظلالها يعملون. وهي الظلمات والأغساق والدُّجُون.

ثم وضَّح الله الصورةَ وأكمل معالمها ببيان حقيقة الأعمال التي يقوم بها أولئك الأشرار بقوله: " ومن شر النفَّاثات في العُقَد " .. حيث جاء في هذه العبارة الموجزة الجامعة بيانٌ مُعجِزٌ؛ لخص فيه الخالق العلاَّم كل ما يمكن أن يقوله الواعظون ويكتبه الكاتبون في موسوعاتٍ ضخمةٍ بهذا الخصوص والمضمون، وتفصيل ذلك ما يلي:
النفاثات: جمع النفاثة، والنفث النفخ والبزق بالفم، والنفث رمي الشيء وإلقاؤه بخفةٍ وخفاء، بواسطة الفم من سمومٍ وإيحاءاتٍ ووساوس، أو بواسطة القلم بما يلقيه من الكتابات الكاذبة والتحريفات والشبهات، أو بواسطة أي وسيلة إعلامية وتخاطبية بين البشر بما تلقيه من الإشاعات والأباطيل.
العُقَد: جمع عقدة، والعقدة من كل شيء إحكامه وإبرامه ووجوبه، ومن معاني العقدة الولاية والبيعة المعقودة للحكام والولاة، والعقدة الميثاق والعهد والعقد المبرم بين الناس، والعقد الجمع بين الأطراف وربطها بإحكام.
فالمراد من النفاثات: أي الجماعات أوالفئات أو النفوس التي تنفث كل ما مِن شأنه أن يفسخ العقود وينقض العهود بعد ميثاقها، ويحطم الأواصر ويفرِّق شمل النفوس بعد اتفاقها.

فنفهم من قوله عز وجل : " ومن شر النفَّاثات في العُقَد " ما يلي:
1- استعيذ بالله من شر النفوس التي تفسد صداقات الناس ومعاهداتهم.
2- استعيذ بالله من شر الفئات التي تحرض على محاربة الخلفاء والولاة ونقض بيعتهم.
3- استعيذ بالله من شر الجماعات التي تشق الصف وتدمر وحدة المسلمين، وتفكك العقد والأواصر التي تربطهم وتجمعهم، وتنقض العُرى والمواثيق التي تآخي بينهم.

والمؤسف أن كثيراً من الجماعات والحركات الإسلامية لا تدرك هذا المعنى الذي أكد عليه القرآن، ونبّه المسلمين وحذرهم من الوقوع في هذا الشر كما وقع اليهود من قبلهم في ذلك، وقد جاء ذكر ذلك في مواضع عديدةٍ من القرآن فضلاً عن هذه السورة، حيث ورد الذم من الله لهذه الجماعات السرية وأعمالها، لذا نجد أن هذه الجماعات الإسلامية التي غفلت عن هذا المنهج الرباني الذي يتسم بالصدق والوضوح، قد ضلت طريقها وابتعدت عن النهج القويم والصراط المستقيم، وحذت حذو اليهود المغضوب عليهم والنصارى الضالين، بسبب أنها خلطت بين مشروعية الاستعانة على قضاء الحوائج بالكتمان، وبين محظورية العمل السري، الخارج عن علم ومعرفة المجتمع الذي تعيش في وسطه، وعن إرادة وموافقة النظام الحاكم الذي تحيا في كنفه.

فالأول عمل مشروعٌ ما دام في إطار الأعمال الذاتية التي لا تتعدى بضررٍ أو أثرٍ مُخِلٍّ بمنظومة المجتمع والدولة، ولا يتعارض مع المواثيق والقوانين التي تنظم البلاد وتسير أحوال العباد.

أما الثاني فهو عملٌ ممقوتٌ محظورٌ يخالف شرع الله وقانونه، لأن فيه خداعٌ ومكرٌ وتآمرٌ وخيانةٌ ونفاقٌ ونقضٌ للعهود والمواثيق، وهذا كله هو السحر بعينه الذي نهى الله عنه، وثبت تجريمه وتحريمه بنص القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها هذا الموضع الذي هو محلُّ بياننا هذا.
ولو رجعنا إلى القرآن فإننا سنجد أنه ورد ذكر نوعين من السحر، النوع الأول هو سحر التخييل والخداع البصري، الذي ثبت ذكره في قصة موسى مع سحرة فرعون، وليس هو موضع بحثنا، والنوع الثاني هو سحر المجموعات والعصابات السرية، التي تسعى بالحيلة والتآمر والتحريض وبث الشائعات داخل المجتمع لتقويض نظام الحكم والانقلاب عليه، وقد ثبت ذكره في سورة البقرة، في سياق ذم الله لليهود ولنواياهم وأعمالهم الخبيثة في سعيهم للقضاء على دعوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، والتآمر على الدولة الوليدة التي أقامها في المدينة، وهذا السحر هو نفسه الذي ورد ذكره في آية سورة الفلق، وهو السحر الذي تمارسه الجماعات النفاثات في العقد، سنلقي فيما يلي نظرةً سريعة على ما نوهنا إليه من أمر ذلك السحر في سورة البقرة.

الآيات في سورة البقرة تتحدث عن غدر اليهود ونقضهم العهود، بل وتعطف اتباع اليهود ما تتلو الشياطين على ملك سليمان على نبذهم العهود ونبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، أي عدم إيمانهم بالإسلام وتآمرهم على الرسول الأكرم، والآن دعنا نقرأ الآيات لنربطها في سياقها:
" أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ )100 (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) " سورة البقرة.

هذه الآيات وما قبلها وما بعدها تتحدث عن غدر اليهود ونقضهم العهود وعدم إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبخداعهم وبمؤامراتهم ضده، فكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم، ولما جاءهم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مصداقًا لما جاء في التوراة التي بشرت به، لم يعودوا يأمنون بهذه الآيات التوراتية، ونبذوها وراء ظهورهم، وكأنهم لم يسمعوا بها ولم يعلموها.

وبدل أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا به نبياً ويطيعوه، نراهم يخططون ويتآمرون للنيل من الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، من خلال محاولاتٍ لاغتياله صلى الله عليه وسلم، أو من خلال حضهم كسرى على مهاجمة المسلمين . إنهم) أي اليهود المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم (يتبعون ما تتقول الشياطين على ملك سليمان، حيث اتهمه هؤلاء رؤوس الشر والفساد بأنه كافر يمارس الفاحشة والرذائل، لكن سليمان عليه ا لسلام ما كفر، إنما أعداؤه الذين قاموا بتأسيس منظمة سرية تسعى لتقويض حكمه هم الذين كفروا، وهم الذين علّموا الناس السحر والخداع والدجل، وكانت تلك هي أول جماعة سرية ماسونية في التاريخ، وكلمة (ماسونيين (كلمة عبرية تعني (البنائين)، وهي تنسب لأولئك البنائين الذين بنوا لسليمان الهيكل وغيره من المباني، وهم الذين سماهم القرآن بالشياطين الذين تآمروا على سليمان، وقد نجحوا بعد وفاة سليمان عليه السلام بعام واحد في القضاء على مملكته، والتمرد على حكم ابنه، الذي خلفه وهو ضعيفٌ غير جديرٍ بالخلافة، ولمعرفة التفاصيل يمكن مراجعة التوراة التي فصلت ذكر تلك الأحداث.

وقد عمل يهود المدينة أيضاً على تقليد النبيين هاروت وماروت اللذين كانا قد خطّطا لتأسيس جماعةٍ سريةٍ بالتعاون مع ملك فارس كورش، لتقويض ملك البابليين الذين اضطهدوهم . ولكن يجدر بنا أن نعلم أن ما قام به هذان النبيان ليس حراماً، بل هو جهادٌ مشروع، ذلك أن البابليين قد ساموا اليهود سوء العذاب، واضطهدوهم في دينهم، وسبوهم إلى بابل، بعد أن أخرجوهم من ديارهم وأجبروهم على مغادرتها، ولم يسمحوا لهم بالهجرة من بابل والفرار بدينهم.

ومن هنا فلا يصح لليهود أن يتآمروا ضد نبي الإسلام زاعمين أنهم يتبعون النبيين هاروت وماروت في مقاومة ملك البابليين . إنما هم يتبعون في عملهم هذا أعداء سليمان عليه السلام الذين كانوا يتآمرون ضده، وكانوا يتهمونه بالكفر، رغم أنهم هم الكافرون.
عندما أرسل الله تعالى نبييه هاروت وماروت، اللذين وصفهما القرآن وشبههما بالملكين، كانا يطلبان من اليهود الانضمام إلى دعوتهما القائمة على التحرر من الظلم البابلي، وكانا يحرضان اليهود بقولهما : إن الله بعثنا اختباراً لكم، فلا تكفروا بعدم اتباعنا. وكانت حركتهما سرية، لذا كانا يفرقان بين المرأة والرجل، فلا يسمحون للنساء بالإنضمام إلى جماعتهم، لئلا يفتضح أمرهم بسبب ضعفهن وخوفهن الفطري. وكذلك تفعل أكثر الجمعيات السرية عبر التأريخ وعلى رأسها الماسونية. وقد نجح هذان النبيان بإذن الله بالتعاون مع ملك فارس في القضاء على الإمبراطورية البابلية، ثم أكرمهم كورش ملك الفرس وأعادهم إلى الأرض المقدسة، وأعاد لهم بناء الهيكل الذي دمره الملك البابلي.

لذلك نجد أن المفسرين الذين لم يفهموا حقيقة تفسير الآيات السابقة من سورة البقرة قد لجأوا إلى الخرافة والوهم والأساطير الشعبية لتفسيرها بغير حجة وبدون برهان، فاضطروا إلى اختلاق قصصٍ واهيةٍ ركيكةٍ لا أساس لها ولا سند، يستحي القارئ من مطالعتها، وكذلك فعلوا في تفسير سورة الفلق والآية (ومن شرِّ النفاثات في العقد)، واتهموا رسول الله بأنه سُحر والعياذ بالله، رغم أن الله قد نزهه من ذلك بعصمته وأكد على هذه الحقيقة في أكثر من موضعٍ في القرآن.

إذاً فالسحر الذي أمرنا الله ورسوله بالاستعاذة منه بقراءة سورة الفلق والتفقه في معانيها، هو الذي ذكرناه من أساليب الجماعات السرية، من نفاق وغدر وخيانة وتآمر وغيرها من الأساليب الشيطانية، التي تسعى لإفساد العلاقات بين الناس، وتعمل على تدمير بنية المجتمع الواحد، وتهدف إلى زعزعة النظام القائم والإطاحة به بكافة الوسائل السرية غير المشروعة.

وعليه فإن كافة الجماعات السرية التي نشأت عبر التاريخ، والتي تعمل وتتحرك داخل المجتمعات والدول بخفاءٍ وسريةٍ دون علم أو موافقة الأنظمة التي تعيش في ظلها، فإنها محل غضب الله وعدم رضاه ما لم تكن هذه الجماعة قد أُسست بأمرٍ من الله وتوجيهه، عبر وحيه النازل على أنبيائه.
والماسونية العالمية على رأس قائمة هذه الجماعات، باعتبارها الأقدم والأكثر خبثاً وشراً من سائر الجماعات الأخرى، وتليها الصهيونية العالمية في الشر والخبث، وهما جماعتان على توافق وتواصلٍ تام.

وما يعنينا ويؤسفنا أن بعض الحركات الإسلامية المعاصرة قد حذت حذو هذه الجماعات الخبيثة، واتبعت أساليبها وطرقها، في السرية والتخفي داخل مجتمعاتنا ودولنا الإسلامية، واتخذت التحايل والكذب والخيانة والتآمر والغدر والخداع وسائل شرّعتها لنفسها، وأجازتها بغير بينةٍ من الله ولا سلطانٍ مبين، كما تفعل القاعدة اليوم ومن شابهها من الحركات الجهادية المزعومة في أوطاننا، وكما تفعل جماعة الإخوان المسلمين ومن شاكلها من الجماعات السياسية الساعية إلى الحكم والسلطة لإقامة الحاكمية لله حسب زعمهم.

والمؤسف أكثر وأكثر، أن هذه الجماعات والفرق تظن كلُّ واحدةٍ منها أنها على الحق المبين المطلق، وأنها الفرقة الوحيدة الناجية، وهم لا يدركون أنهم بمنهجيتهم غير المشروعة هذه يخالفون منهج الله ورسوله، فيبرأ الله ورسوله منهم ومن أعمالهم، فيكونون ممن قال الله فيهم:
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً(104)أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} الكهف.

فإن كل صاحب حق يتخفى ويراوغ ويكذب ويتآمر، ويزوال نشاطاته في خلايا سرية، ويبيح الوسائل غير المشروعة للوصول إلى غايته المشروعة، وبالأخص عندما تكون إحدى تلك الوسائل قتل الأبرياء والاستهانة بالدماء، فاعرف أنه على الباطل حتماً، وأنه من أولئك الذين تنطبق عليهم الآيات السابقة لأنه لا يؤمن بآيات الله ولا باليوم الآخر ولو ادّعى ذلك. لأنه لو كان يؤمن بآيات الله لآمن بنصره للمؤمنين، ولما لجأ إلى وسائل غير مشروعة لاستجلاب النصر، فهو يؤمن بأسبابه ويعبد نزواته ورغباته لا غير. ولو أنه يؤمن باليوم الآخر حقيقةً، لما استعجل النصر، ولما طلب الثمر ليجنيه بيديه، فالآخرة دار الجزاء وجني الثمار. ولكنه استصعب جهاد النفس وجهاد الدعوة، لأنهما كبيران وثقيلان على النفس، وجني ثمارهما عسيرٌ بعيدُ المدى، مما قد لا يدركه المرء في حياته. فاختار الطريق الأسهل تحت ظغوط اليأس والإحباط من حال الأمة المتردي والقنوط من رحمة الله ونصره للمؤمنين. فاختاروا طريق السياسة والحكم أو حمل السلاح في غير محله، لسهولته ويسره ولسرعة تحقق مراميهم من خلاله (كما يتوهمون). ولا شيء يقبل من المرء إلا بعد أن يكون قد انتصر في جهاده على نفسه، وبعد أن يكون قد تلها للجبين وذبحها قرباناً لله (وهذا هو الجهاد الأكبر كما سماه سيد الرسل)، ثم لا يترك جهاد الدعوة والتبليغ بالقرآن أينما سار واتجه مقاتلاً أو مسالماً أو حاكماً (وهذا هو الجهاد الكبير كما وصفه القرآن) .


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة