loader

بيان صادر عن الجماعة الإسلامية الأحمدية حول محاضرة البابا بنديكت السادس عشر، بابا الفاتيكان، والتي تضمنت مغالطات بحق الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم

تعلن الجماعة الإسلامية الأحمدية في البلاد العربية والديار المقدسة إدانتها لما ورد في محاضرة البابا بنديكت السادس عشر، بابا الفاتيكان، والتي ألقاها في إحدى الجامعات الألمانية، وتضمنت مغالطات حول الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم. كما تستنكر هذا النهج الذي نهجه البابا، متجاهلا حساسية المنصب الذي يشغله، وضاربا بعرض الحائط مقتضيات العدل و الأمانة العلمية، وعاملا على نقل صورة مشوهة للإسلام ولرسول الإسلام، لطالما روج لها المتعصبون والجهلة.
لقد كانت تصريحات البابا في تلك المحاضرة وتوضيحاته التي تبعتها مخيبة للآمال، كما أنها على درجة كبيرة من الخطورة، حيث إنها تعمل على مزيد من زعزعة أسس الأمن والسلام العالمي الذي يعاني من أزمة خطيرة في هذا الزمن. إن هذه التصريحات تضع مزيدا من العقبات في طريق تحقيق الوئام والانسجام والتفاهم والتسامح في العالم، وتعمل على إيذاء المسلمين وتأجيج مشاعرهم.
ومما لا شك فيه أن هذه التصريحات تنم عن أحد أمرين؛ وهما إما جهل البابا بحقيقة الإسلام وتعاليمه، وإما محاولة تشويه متعمد نابعة من تعصب وضيق أفق، وكلا الأمرين لا يليقان برجل دين في هذه المكانة المرموقة. وإن كان البابا قد حاول التأكيد أنه لم يقدم وجهة نظره؛ بل قدم اقتباسا على لسان الإمبراطور البيزنطي إيمانويل الثاني، والذي دارت بينه وبين عالم دين فارسي مسلم محاورة في عام 1319م، إلا أن البابا قد أغفل عمدا انعدام الدقة والموضوعية في هذه المحاورة التي نشرها الإمبراطور البيزنطي بنفسه، وحاول فيها تقوية حجته وإغفال حجة خصمه.
وعلى كل حال، فقد تجاهل البابا الكم الهائل من الكتابات التي كتبها المنصفون من العلماء الغربيين بشأن الإسلام ورسول الإسلام، والتي اعترفوا من خلالها بعظمة شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وسمو تعاليمه وتسامحه وعظمة التعاليم الإسلامية وقوة تأثيرها على أتباعها. ومما لا شك فيه أن هذه الاقتباسات قد بلغت حدا يصعب حصره؛ فكيف يتجاهل كل هذا ويلجأ إلى اقتباس كلام لإمبراطور متعصب حكم دولة أذاقت البشرية الكثير من المظالم وكانت في حينه قد أوشكت على الاندثار نهائيا؟! من المؤسف حقا أن يصبح هذا الإمبراطور الذي عاش في تلك العصور المظلمة ملهما للبابا!!
لقد حاول البابا التركيز، من خلال قراءة الاقتباسات والتعليق عليها، على أن الإسلام دين لا مكان فيه للعقل وأنه قد نشر تعاليمه بالإكراه، وأنه يدعو إلى قتال الآخرين باسم الدين. وكان جديرا بالبابا ألا يلجأ إلى قذف الآخرين بالحجارة وبيته من زجاج. فقد كانت الكنيسة عدوا شرسا للعقل وقاومته بكل البطش والعنف. وتاريخ أسلافه من الباباوات حافل بالفظائع التي ارتكبت بحق العلماء في عصور الظلام بحجة أنهم يخالفون الكتاب المقدس. ومعلوم أن الكنيسة قد نظرت بعين الريبة تجاه الفكر والعلم والفلسفة وقاومتها بشدة. كذلك فإن محاكم التفتيش المرعبة ما زالت ماثلة في الذاكرة الإنسانية، وتاريخ الحروب الصليبية التي حشد لها أسلافه من الباباوات ما زالت بقعة سوداء في تاريخ المسيحية يصعب التغاضي عنها. لقد كان سلفه البابا يوحنا بولس الثاني أكثر تعقلا حين حاول الاعتذار عن بعض هذه الفظائع، ولكن يبدو أن هذا البابا مصر على هذا التاريخ الأسود، بل لعله يسعى إلى تجديده.
وكما ذكرنا سابقا، فيكفي لأي باحث أن ينظر في ما كتب غير المسلمين من العلماء المنصفين بحق الإسلام ورسول الإسلام لكي يعرف حقيقة هذا الدين العظيم وهذا النبي الأعظم. وعلى كل حال، فإن إنكار أن الإسلام يحترم العقل ويرفع من منزلته هو بمنزلة إنكار حقيقة كونية. فمعلوم أن قيام الإسلام قد واكبه نهضة علمية وحضارية عظيمة في العصور الوسطى. فقد دعا الإسلام منذ بدايته إلى العلم والتعلم والتفكر والتدبر. وقد انفتح المسلمون على كل العلوم والفلسفات دون قيود وقاموا بتطويرها وقدموا للحضارة الإنسانية كل الأسس التي تقوم عليها حاليا. كذلك فإن تهمة انتشار الإسلام بالعنف وبحد السيف كان ولا يزال تهمة سخيفة تصطدم بحقائق ووقائع في الماضي والحاضر تشهد أن هذا الدين إنما استولى على قلوب الناس فتعشقوه وأحبوه حبا جما وكانوا مستعدين معه للتضحية بأنفسهم وبكل ما يملكون في سبيله. وقد شهد تاريخ الإسلام نماذج عظيمة لهذا الإخلاص لهذا الدين العظيم يقف الباحث أمامها حائرا. أما بخصوص عدل الإسلام وتسامحه فلم يملك العلماء والمؤرخون إلا أن يعترفوا بأن المسلمين وهم في أوج قوتهم كانوا أرحم الفاتحين، وقد تعاملوا مع الأقوام بعدل وتسامح لم يشهد التاريخ له مثيلا.
وبالعودة إلى تصريحات البابا، فيجدر الانتباه إلى أنها تشكل علامة فارقة على ما يبدو لدور مختلف للكنيسة الكاثوليكية يريده لها في المستقبل القريب. فبعد أن تراجع وضع المسيحية بشكل عام في العالم، وبعد أن أصبحت الكنائس مهجورة خاوية على عروشها لا يرتادها سوى كبار السن والعجائز، وبعد أن عُرض كثير منها للبيع وأصبحت تستخدم للاحتفالات والمناسبات الاجتماعية، وبعد أن أصبحت المسيحية مجرد تراث باهت وتاريخ بائد لتلك الشعوب وتضاءل دورها بشكل كبير في شتى مناحي الحياة، وبعد أن اكتفت الكنيسة الكاثوليكية في مراحلها الأخيرة بأن تلعب دورا روحيا، ونأت بنفسها إلى حد كبير عن التدخل التورط في النزاعات أو الدعوة إليها، فقد أراد هذا البابا، الذي صرح مرارا بأن من أهدافه إعادة المسيحيين إلى المسيحية، بأن يعيدها إلى عصور الظلام ويجعلها مجددا محرضا للفتنة والكراهية ورفض الآخر وإقصائه، وهذا الدور لن يؤدي إلا إلى احتقان وتوتر قد يؤدي إلى نتائج في غاية الخطورة على مستقبل الإنسانية. نسأل الله تعالى أن يتدارك برحمته البشرية جميعا، ويقيهم شر الفتنة، وينعم عليهم بسلام ومحبة وأمن واستقرار وازدهار.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة