loader

شياطين وملائكة

 كثير من الأحداث تكون حقيرة ولا قيمة لها، ومع ذلك يكون الشغل الشاغل للإعلاميين في جميع وسائل الإعلام هو إخبار الناس بحدوثها، وبعض الأحداث تكون جللا، ومع ذلك فإنهم يسكتون عنها كسكوت الشياطين الخرس عن قول الحق وبيان الأمور التي لا يجب إغفالها.
فمن منا لم تلاحقه وسائل الإعلام بأخبار عن أحداث وشخصيات تافهة، لم يكن ليعرف الناس عنها شيئاً لولا تسليط الضوء عليها بجنون، لتنتشر كالنار في الهشيم، بفضل كثير من الإعلاميين الذين على ما يبدو أصبحت وظيفتهم في هذا الزمان هي البحث عن الفضائح لنشرها أو الرذائل لترويجها، أو الفتن لإشعالها.. إلى آخر كل هذه الأمور التي جعلت الناس في غفلة عن أحداث يعد السكوت عنها كارثة!
وللدلالة على تسابق وسائل الإعلام في تسليط الضوء على أحداث وشخصيات تافهة حتى لو كان في تسليط الضوء عليها إشاعة للفاحشة، وعلى تعامي هذه الوسائل عن شخصيات وأحداث يجب أن يهتز العالم لها- يكفي طرح هذا التساؤل وهو: كم عدد الذين يعرفون علياء المهدي في الوطن العربي، مقابل من يعرفون مهدي علي؟!
ولولا اضطراري في مقالي لأن أضرب بعلياء المهدي مثلاً، لما ذكرت عنها شيئاً، وبقدر أسفي على اضطراري لذكر إسمها بقدر ما أتشرف بذكر إسم مهدي على، فعلى الرغم من أن مشتقات الإسمين متشابهة، إلا أن الواقع يضع أحدهما في صفوف شياطين الإنس بينما يجعل الآخر في صفوف الملائكة!
فمهدي علي تشودري فرزاند هو مسلم أحمدي، وطبيب شهير في الأوساط العلمية والعالمية، كان طبيباً لعلاج القلب على مستوى من النبوغ يؤهله للحصول على جائزة نوبل، كالعالم الأحمدي محمد عبد السلام الذي حصل بالفعل على جائزة نوبل في الفيزياء، لكن القدر لم يمهل الدكتور مهدي علي، حيث لقي مصرعه على أيدي الإرهابيين السلفيين في باكستان في 26- 5- 2014 حين قرر أن يذهب إلى بلده لخدمة أهلها بعد أن هاجر إلى كندا نتيجة اضطهاد الأحمديين منذ عهد الديكتاتور ضياء الحق الذي صدّق على فتوى المشايخ بتكفير الأحمديين واعتبارهم من المرتدين!
فلقد كان الدكتور مهدي علي يتطوع لعلاج المرضي دون أي مقابل ومن كافة الأديان، وذلك من منطلق إيمانه كإيمان كل أحمدي بخدمة الإنسانية ونشر الرحمة التي جاء من أجلها الإسلام، فقرر أن يذهب مؤخراً إلى باكستان للتطوع لخدمة أهل بلده، فشاء القدر أن يلقي فيه حتفه على أيدي المتربصين به من الإرهابيين، حين كان في زيارة لمقبرة الأحمديين، فأطلقت عليه إحدى عشر رصاصة بواسطة اثنين من المجرمين كانا يقودان دراجة نارية، فأراد الله له على الفور الشهادة، ولم يرد بهذه البلد الظالم أهلها الاستفادة منه والانتفاع بعلمه بسبب أعمالهم وأفكارهم الإجرامية!
وليس هذا هو الحادث الأول ولا الأخير الذي يحدث للأحمديين، بل يحدث مثل هذا وأشنع منذ عشرات السنين على أيدي شياطين الإنس من التكفيريين، والعالم الإسلامي لا يستنكر ما يحدث لهم، ومشايخ الفتنة مستمرون في غيهم، والمرتزقة من الصحفيين الذين لا يتحرون الصدق ولا يبحثون عن الحق يقومون بقص ولصق الأكاذيب المعلبة عن الجماعة الإسلامية الأحمدية، وإن كتبوا عنها فبغرض التشويه وإثارة الفتنة الطائفية..
ولكن الله يُنذر الأمة بين الحين والحين، ويذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون، كما أذاقهم من إرهاب أصحاب الفكر التكفيري والمتسترين خلف الدين، حين اعتلوا الحكم بعد تلك الفوضي التي سميت بالربيع العربي، وما هو في الواقع بالربيع، وإنما إنذار من الله لعلهم يستفيقون ويتقون فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منهم خاصة! ورغم ما يرسله الله من إشارات للأمة، يبقي الفكر التكفيري والاستعلاء بالصيت والكثرة كامناً في معتقدات أكثر المسلمين، إذ لم يخل منه حتى الأزهر الشريف الذي يلمع صيته بأنه الفكر الوسطي والأصح عن الدين الحنيف، ولكن الحق أن هذا اللمعان يشوبه كثير من التزييف، إذ قد صدّق الأزهر كما صدّقت الجماعات التكفيرية في باكستان على فتوى تكفير الأحمديين، وضرب عرض الحائط بقول رسولنا الكريم (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته)! فبتكفير هذه المؤسسة لجماعة من المسلمين، وبصمتها على ما يحدث لهم من اضطهاد من قِبل التكفيريين، ومن إشاعة الأكاذيب والافتراءات عن معتقداتهم التي لا تخرج قيد أنملة عن الإسلام الأصيل- يصبح هذا التكفير المعتمد جريمة لا تقل جرما عن الاضطهاد نفسه إن لم تكن سببا رئيساً فيه!
إنه لمن العار أن يُكفر الذين سمعوا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم، فآمنوا بالإمام المهدي والمسيح الموعود الذي أظهر جمال الدين وعظمته.. وإذا كان العقلاء الآن في العالم العربي والإسلامي ينادون بتصحيح الخطاب الديني بعدما تبين لهم عملياً كوارث الخطاب المطروح، فإنهم لن يجدوا إلا الفكر الأحمدي ليكون سفيرا للإسلام الصحيح، ومن السهل معرفة الخطاب الحق من الباطل، فالإسلام الذي جاء به خاتم النبيين لا يمكن أن تشوبه شائبة أو تؤخذ عليه المآخذ، ومن ثَم فلو وزن كل خطاب معروض من شتى الفرق والمذاهب بميزان كميزان الذهب، سيتبين أن الفكر الأحمدي هو الوحيد الذي يظهر نقاء الإسلام ورونقه، وسيعرف العاقل حتماً أن ليس كل ما يلمع ذهباً!
ولكن من المؤسف حقاً أن يلمع الخطاب الديني الذي لا يأتي من وراءه صلاح الأمة، ففي زمن الدجال يُسلط الضوء على الأخبار والأحداث التي لا طائل منها ويخفت الضوء على الأحداث الجسام.. وفي هذا الزمان يغفل العالم الإسلامي عن شخصيات ملائكية مثل الدكتور مهدي علي، ويتابع أخبار شخصيات شيطانية مثل علياء المهدي، فلقد تجردت علياء من كل معاني الإنسانية والحياء، وأرادت أن تدخل التاريخ ولو كان ذلك من أقذر الأبواب، فكان لها ما أرادت بفضل وسائل الإعلام، وسطرت في التاريخ فعلتها الشنيعة، حين قامت بالتجرد من ملابسها بدعوى الحرية، كما سطر الأعرابي منذ قرون فعلته الشهيرة، حين رأى الحجاج عند بئر زمزم، فرفع ثوبه وبال في البئر، فانهال عليه الناس بالضرب، ولما سئل لما فعلت هذا، فقال حتى يعرفني الناس!
فهكذا على هذه الخُطى، يسير كثير من الناس، كما يسير أغلب الإعلاميين الذين يبحثون عن الشهرة والاسترزاق ولو عن طريق الكذب والافتراء أو على حساب القيم والدين والأخلاق.. فكم من أحداث وأسماء يسلط عليها الضوء على خُطى الأعرابي، وكم تحجب عن الناس أحداث وأسماء يوقظ الإخبار عنها ضمير العالم الإسلامي، وينذر بوجود آفات عقائدية في أشهر الجهات الإسلامية ادعاء للمنهجية والوسطية!
فلينعم في هذا الزمان كل من يشيع الباطل بالمجد السافل في الأرض، ولينعم أهل الحق والإيمان بالمجد العالي في السماء!


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة