loader

تكذيب الأنبياء سبب نزول البلاء

لأن المعترضين على الفكر الأحمدي لا يملكون الحجة لمواجهته, فإنهم يصرفون جهودهم إلى النيل منه عن طريق إثارة الشبهات التي لا علاقة لها بالفكر نفسه! ولكن حتى هذه الشبهات لا تكون في الواقع إلا دليلا من فمهم على أنه الإسلام الصحيح!


ففضلا عن أن انشغالهم بنظرية المؤامرة ومبالغتهم في الاعتقاد بصحتها تجاه كل حدث أو فكر يأتي بما لا تهوى أنفسهم قد صرف أذهانهم عن الحلول الصحيحة لمشاكلهم, فإنهم قد كذّبوا الإمام المهدي والمسيح الموعود ظناً منهم بتآمره, فقاموا بالتنقيب عن شبهات واعتراضات من أجل النيل منه ومن دعوته, فبدلا من النظر بحكمة في أدلة صدقه وفى الدعوة نفسها- فإنهم قد زعموا وجود أجندة خفية للجماعة الإسلامية الأحمدية!


فمما يروجون له ولا يكاد يخلو كلام لهم عن الجماعة من ذكره, أن ميرزا غلام أحمد هو صنيعة الاستعمار البريطاني وأنه كان في حمايته.. وبما أن للجماعة مركزًا في حيفا, ومقرًا في بريطانيا, إذاً فإننا عُملاء متآمرون!


ولكنهم بهذه الاتهامات قد وقعوا في سقطة عقائدية خطيرة, فكأنهم بذلك قد نسبوا العجز إلى الله, فلو كان ميرزا غلام حسب زعمهم من المتقولين, فهل عجز الله والعياذ بالله أن يقطع منه الوتين لأنه حسب قولهم كان في حماية الانجليز؟! وهل صنع الانجليز من يقول لهم إن ربكم قد مات, وإن الدجال منكم, وإن أكمل البشر محمد عليه الصلاة والسلام, وإن الخير كله في القرآن, وإن الدين عند الله الإسلام..؟!


أما وجود مركز للجماعة في حيفا, فالأمر لا يزيد عن كونه أن الجماعة في حيفا كانت موجودة قبل قيام دولة إسرائيل المحتلة, وشأن أفراد الجماعة في ذلك هو شأن كل من بقى في أرضه بعد تقسيم فلسطين. بل أن موقف الجماعة الإسلامية الأحمدية من قضية تقسيم فلسطين وقيام دولة إسرائيل كان الأقوى على مستوى المعارضة وكان الصوت البارز المعارض في الأمم المتحدة, وذلك من خلال السيد ظفر الله خان الأحمدي الذي كان وزيرا لخارجية باكستان آنذاك, حتى أنه بعد تصويت أغلبية الدول على قرار التقسيم- استمر في معارضته الشديدة لهذا القرار وألقى خطابا في الأمم المتحدة منددا به ومتنبئا بما ستؤول إليه العواقب من جراء تنفيذه.. وظل السيد ظفر الله خان يصب كل جهوده لنصرة فلسطين والحفاظ على هوية العالم الإسلامي, وقد تقابل مع الملك فاروق من أجل ذلك ولا سيما بعدما ذاع صيت هفوات الملك, فقال له إن العالم يتربص بالحكام العرب والمسلمين.. فما كان من الملك فاروق إلا أن استشاط غضبا بعد زيارته, وجمع لفيف من المشايخ للإجماع على إصدار فتوى ضده, فأصدر المفتى آنذاك فتوى بتكفيره! فعلى ما يبدو بأن جهود الجماعة الممثلة من خلاله للدفاع عن فلسطين والعالم الإسلامي قد سببت صداعا للملك! ولكن لم يمض أكثر من شهر على هذه الفتوى إلا وتم عزل الملك فاروق, ولم يمض سوى عامين وتم عزل المفتى الذي أفتى بهذه الفتوى الغاشمة!


أما بالنسبة لمقر الجماعة في بريطانيا, فهذا لأنها بلد تتيح حرية الاعتقاد للجميع ولا تقهر أحدا, وهذا ما كان أجدر بالبلاد العربية إتاحته من منطلق ديننا الإسلامي الذي ينهى عن الإكراه في الدين! ولكن على ما يبدو أيضا فإن بريطانيا مغضوب عليها فقط في معرض الحديث عن الجماعة الإسلامية الأحمدية, وفيما عدا ذلك فهي من غير المغضوب عليهم!


الحق أن ما يقوم به المعارضون من تشكيك في نيِّات الجماعة ومؤسسها, ومن حياكة سيناريوهات تآمرية سمجة من إنتاج الفكر الخفاشي الذي لا يتمخض عنه إلا الأفكار الظلامية- إنما هو تآمر على أنفسهم وهم لا يشعرون, وذلك تماما كما فعل الذين كذّبوا بالأنبياء من قبلهم.


فمن المؤسف حقا أن يتشابه جل المسلمين الآن مع فرعون وبني إسرائيل في التأصيل لنظرية المؤامرة, إذ يُعتبر فرعون من أهم المنظرين لها عمليّا, فلقد اضطهد قوم موسى ظنّا منه بوجود مؤامرة على سلطانه, وفي المقابل تآمر عليهم فذّبح أبناءهم واستحيى نساءهم بحجة خوفه على آله من أن يُبدل موسى دينهم!
هذا, ولقد كان بنو إسرائيل على نفس الدرب, إذ يُعتبرون من أشهر الشعوب التي أصّلت لهذه النظرية عبر التاريخ من خلال ظنهم بتآمر الأنبياء عليهم, ومن ثم قاموا بحياكة المؤامرات للنيل منهم, فكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون!


فالتشكيك في نيِّات الأنبياء, وما يتبعه من ازدراء المؤمنين بهم, وتخوينهم, والعمل على تشويه سمعتهم- إنما هو من عادة المكذبين كما أخبرنا القرآن الكريم من خلال قصص الأنبياء مع خصومهم! فهذا في حد ذاته دليل من أدلة صدقهم. وإذا كان من عادة المكذبين التشكيك في النيِّات فإن من سنّة الله أن يكون جزاء التكذيب إنزال البلاء, ثم ينصر الله رسله وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ, وتلك باختصار قصة كل نبي مع خصومه!
ولقد ضرب الله لنا على ذلك تفصيلا في كتابه العزيز أمثالا كثيرة, أكتفي منها وفى عجالة بذكر ما يخص فرعون مع موسى, ولعل في ذلك ذكرى لقوم يؤمنون, فصدق الله العظيم إذ يقول: (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).


فها هو فرعون يزدرى جماعة المؤمنين بموسى فيقول عنهم (شرذمة قليلون), وها هو لا يبرح نظرية المؤامرة حتى بعد أن تبيّن له صدق موسى, فيستمر في التشكيك في نيِّاته ويقول لسحرته بعد أن آمنوا به (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر)! ثم يمضى في كفره فيشكك في نيِّات المؤمنين بقوله (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها), ثم يتوعدهم بالعذاب ومناصبة العداء, ولكن اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ, فينزل لعنته على فرعون, وينجيه ببدنه ليكون لمن خلفه آية! ولكن, قَلّ من يعتبر, وكثير من الناس عن آيات الله لغافلون!


ورغم تماثل شيوخ هذا الزمان مع فرعون في التكذيب بنبي وفى العمل على تشويه جماعته, إلا أنهم قد فاقوه علوّا واستكبارا, فرغم إصراره على تكذيب موسى إلا أنه قد سمع له, وأعطاه فرصة المواجهة مع سحرته لإثبات صدق دعواه!


ولكن لعل إيمان السحرة بموسى, ورفضهم لوصايا فرعون على عقولهم, داعيا لقول المشايخ لا تسمعوا لهذه الجماعة والغوا فيها! هذا فضلا عن خشيتهم المواجهة مع جماعة الإمام المهدي والمسيح الموعود, خوفا من إيمان مريديهم كما آمن سحرة فرعون بموسى!


ولا شك أن من صدقوا الأنبياء هم أصحاب الطبائع الصالحة, وليسوا أصحاب ظن السوء الذين كذّبوهم رغم تأييد الله لهم بدلائل تثبت صدقهم, إذ أنكروها بسوء ظنهم, وانصرفوا عنها إلى الخوض في أمور لا تدل إلا على زيغ قلوبهم!
وهكذا للأسف فعل المسلمون إلا من رحم الله كما فعل بنو إسرائيل, فكذّبوا الإمام المهدي والمسيح الموعود, وافتروا عليه وعلى المؤمنين به!


وحري بهم إن كانوا من أولي الألباب وإن كانوا قوماً يؤمنون, أن يعتبروا من قصص الأنبياء وأن ينظروا قبل غيرهم كيف كان عاقبة المكذبين, فصدق الله العظيم إذ يقول في محكم التنزيل: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون).


والحق أن إيمانهم بالقرآن حجة, ثم عدم الأخذ من قصص الأنبياء عبرة, لهو السبب في إنزال البلاء على الأمة, فالقرآن بين أيديهم يُنذر بأن تكذيب الأنبياء سبب نزول البلاء, ولكن مع ذلك لا يعتبرون, وكأنهم يقولون مع المُكذبين (إن هذا إلا أساطير الأولين)!


أسأل الله الهداية للجميع إلى الإيمان بجميع المرسلين.. وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة