loader

لا ملاذ لأهل السنة إلا بالجماعة الإسلامية الأحمدية

 منذ صدر الإسلام، وعندما نشأ مذهب الشيعة، كان الخلاف بين السنة والشيعة على حقيِّة الخلافة أو الإمامة، فتمسَّك أهل السنة بأن الخلافة هي القيادة الحقة التي ارتضاها الله تعالى وأقامها، وتمسَّك الشيعة بإمامة أهل البيت.

ومعلوم أن الصراع محتدم بالحجج والبراهين بين الفريقين ولا يزال، وكلٌّ يعتدُّ بحججه ويراها هي الحق، فلا مجال لحسم الأمر بينهما إلا بتطبيق معيار الشهادة الفعلية؛ والتي تعني مَنْ الذي ثبُت أنه على الحق فعليا بتأييد الله تعالى وبإظهار أن نظريته هي الحق على أرض الواقع، ولكن، وقبل ظهور الجماعة الإسلامية الأحمدية، فإن هذا المعيار ما زال ملتبسا، ولم يكن صالحا للحسم، لأن كل فريق يمكن أن يقول إنه في صالحه بالنظر إلى بعض النقاط، ويمكن أن ينتقد الفريق الآخر لما في هذه الشهادة من نقص.

فأهل السنة يقولون إن الخلافة هي الحق، ولذلك أقام الله أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، وقامت هذه الخلافة بواجبها من تمكين الدين بجمع القرآن الكريم وإقامة أسس الشريعة وتبديل الخوف أمنا والدفاع عن المسلمين. وانتصرت الخلافة على أقوى امبرطورتين في ذلك الوقت معا، وشهد الإسلام عصرا ذهبيا تحت قيادتهم.

أما الشيعة فيقولون بأن خلافة هؤلاء، عدا عن علي رضي الله عنه، لم تكن أكثر من مُلكٍ ديكتاتوري، تآمرت فيه فئة للإمساك بزمام السلطة، وتواطأ معهم الغالبية العظمى من الصحابة، وتناسوا وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه وآل البيت من بعده. فلو كانت الخلافة على الحق لاستمرت، ولكنها لم تبق سوى ثلاثين عاما. فكيف يمكن أن تكون الخلافة هي القيادة الروحية للمسلمين وهي لم تبقَ سوى هذه الفترة القصيرة من الزمن، وانقطعت من بعدها ولم تعد مرة أخرى؟ فما قيمة هذه المعايير والأمارات التي يذكرها أهل السنة حول الخلافة من تمكين الدين وتبديل الخوف أمنا إذا كانت حياة هذه القيادة قصيرة إلى هذه الدرجة؟ فلو كانت هذه هي القيادة التي ارتضاها الله للمسلمين لاستمرت. لذلك نحن نرى أن الإمامة استمرت إلى الإمام الثاني عشر لما يقارب 150 عاما، ثم غاب هذا الإمام وما زال الزمان زمانه إلى اليوم، وسيأتي مرة أخرى.

فيرد عليهم أهل السنة أن الخلافة قد قُدِّر لها أن تكون خلافة راشدة إلى ثلاثين عاما، ثم تتحول إلى ملك عاض ثم ملك جبري، وفقا لحديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر الحديث أنها ستعود خلافة راشدة على منهاج النبوة أخيرا، وتستمر إلى الأبد. وورد في الحديث الشريف أيضا أن الخلافة الراشدة ستبقى لمدة ثلاثين عاما، وهذا ما حدث بالضبط. أما نظريتكم عن الإمام الغائب، فهي لا تعدو كونها خرافة وأوهام، ولماذا لم يظهر هذا الإمام رغم هذه الظروف القاسية التي يمر بها المسلمون، ومتى سيظهر إن لم يظهر الآن؟

وهكذا فإن نظرية أهل السنة تحتاج تحقق الشهادة الفعلية بقيام الخلافة الراشدة مجددا على منهاج النبوة أخيرا ليثبُت أنها على الحق، أما الشيعة فتحتاج نظريتهم إلى ظهور هذا الإمام الغائب، الذي سيكون ظهوره إعلانا على أن نظريتهم هي الحق. وبما أن الخلافة لم تقم عند أهل السنة بعد، كما يعتقدون، ولم يظهر الإمام الغائب عند الشيعة بعد، فما زال هذا الأمر غير قابل للحسم.
والواقع أن الله تعالى قد نصر أهل السنة بأنْ أثبت أن نظريتهم هي النظرية الحقة بالشهادة الفعلية، وذلك بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة مجددا في الجماعة الإسلامية الأحمدية؛ تلك الخلافة التي جاءت مباشرة بعد نهاية الملك الجبري تماما عام 1908، واستمر بها وجود خليفة على وجه الأرض منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم. فرغم أن خلافة الملك العاض والملك الجبري لم تكن خلافة روحية حقيقة، إلا أنها كانت مظهرا لصدق وعد الاستخلاف من ناحية ما، لأنها احتفظت بلقب الخليفة وهيبته ولو على نطاق دنيوي، وورثت المقعد الملكي من الخلافة الذي ورَّثه النبي صلى الله عليه وسلم للخلفاء الراشدين من بعده، دون المقعد الروحي، الذي بيَّنت الجماعة الإسلامية الأحمدية وحدها أنه كان مستمرا بصورة ما أيضا؛ إذ حمله الصلحاء والأولياء من الأمة إلى أن سلَّموا الراية للمسيح الموعود والمهدي الذي جاء ممثلا للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى منهاج نبوته وفقا للأنباء، ثم نشأت من بعده الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. وبذلك فقد قدَّمت الجماعة الإسلامية الأحمدية تعليلا لاستمرار وعد الاستخلاف من ناحية، وقدمت شهادة فعلية على أن الخلافة هي الحق بقيامها فيها واستمرارها.

والواقع أن أهل السنة، بغير قبولهم للجماعة الإسلامية الأحمدية، هم في مأزق حقيقي، لأن الخلافة قد انهدمت وانقطعت عندهم، ولم تظهر بعد الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، بل عندما حاول بعضهم إقامتها ثبت أن فكرتها لديهم هي الشرُّ المستطير بعينه، وأن هذه الخلافة المزعومة ليست سوى كابوس يريد العالم أن يتخلص منه ومن فكرته. فالانحرافات العقدية عند أهل السنة، وخاصة ما يتعلق بعقيدة الجهاد العدواني وما يرتبط به من السبي والاسترقاق والأعمال غير الإنسانية، بل وتطلِّعهم إلى قيام خلافة تقوم بهذه الأعمال وحُلمهم بهذه الخلافة، قد جعل هذا الفكر يولِّد الإرهاب الذي أساء لصورة الإسلام السمحة، وضرر المسلمين داخليا وخارجيا أيما ضرر، وسبَّب سفك دمائهم بصورة لم يسبق لها مثيل. والأخطر من ذلك هو أن ما يسمى بالفكر الإسلامي المعتدل ليس مبرّأً من هذه الأفكار، بل تسكن هذه الأفكار المدارس والجامعات والمؤسسات الدينية في العالم الإسلامي السُّنّي، وتُشكِّل فكر وضمير قادة المجتمعات عموما، بل وتعشش في عقول المتدينين من السياسيين وضباط الجيش ورجال الأمن في البلاد الإسلامية. لذلك ليس عجيبا أنه عندما نشأت عصابة داعش وادَّعت أنها تلك الخلافة الموعودة، فقد توجه إليها كثير من هؤلاء وتركوا وظائفهم ومراكزهم ليلتحقوا بها. لذلك فإن أهمَّ إصلاح يحتاجه الفكر السُّني حاليا هو إصلاح عقيدة الجهاد وما يرتبط بها، لأنها أُسُّ فساد عقيدة أهل السنة وسلوكهم، وسبب دمارهم وهزائمهم المتلاحقة. والعظيم في الجماعة الإسلامية الأحمدية، ومما يثبت أنها هي الجماعة الحقة التي أنشأها الله تعالى، وأن مؤسسها هو بالفعل ذلك الإمام المهدي والمسيح الموعود، فإنه قد ركَّز كثيرا على إصلاح هذه العقيدة إلى جانب دفاعه عن الإسلام مقابل هجوم أعدائه عليه. فمن ناحية دافع عن الإسلام خارجيا، وأصلح العقيدة التي كان الخلل فيها هو السبب الأهم في فساد حال أهل السنة عموما وفساد معتقداتهم الأخرى.

وفي حقيقة الأمر فإن خدمة الجماعة الإسلامية الأحمدية لأهل السنة عموما وعقيدتهم تتفرع في جوانب عديدة رائعة أيضا. فمن حِكَم الله تعالى الخفية هو أنه قد قدَّم بقيام الخلافة الراشدة الثانية مجددا فيها شهادة فعلية أيضا على صلاح الخلفاء الراشدين عموما وصدقهم – مقابل اتهام الشيعة لهم بأنهم فاسدون متآمرون أقرب إلى الكفر منهم للإيمان- ليس فقط بمجرد قيام الخلافة، بل جعل الله تعالى الخليفة الأول في الجماعة من ذرية سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي يعدُّه الشيعة أصل الفساد ومحركه، ولذلك يهاجمونه بشدة. ومن العجيب أيضا أن يتطابق هذا مع نبوءات وبشارات أخبر بها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنفسه حول ابن له سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا. فلو كان عمر رضي الله عنه فاسدا وفقا لادعاء الشيعة، لما جعل الله له لسان صدق في الآخرين، وأثبت بأنه صالح وذريته صالحة، وبذلك ثبت صلاح الصحابة جميعا وعدم تآمرهم خلافا للنظرية الشيعية. هذا إضافة إلى كثير من الجوانب التي تحققت وأيدت معتقد أهل السنة ونصرتهم، والتي لا مجال لتفصيلها هنا، والتي من أهمها إظهار المقام الحقيقي للخلافة التي استهان بها أهل السنة ولم يقدروها حق قدرها، ورأوا أن الخلافة ليست أكثر من قيادة سياسية لرجل صالح أو مجرد نموذج للحكم الرشيد، بينما هي قيادة روحية بالأساس ووراثة لمقعد النبي صلى الله عليه وسلم الروحي، والأمينة على مهامه من بعده.

ورغم أن قيام الجماعة الإسلامية الأحمدية قد قدَّم شهادة فعلية على صدق نظرية أهل السنة وحقية الخلافة الراشدة- وكان هذا ضروريا، لأن نظرية الشيعة فيها عدوان وتجريم للخلفاء والصحابة، بينما تخلو عقيدة أهل السنة من ذلك فيما يتعلق بأئمة أهل البيت، بل هم موقرون ومحترمون عندهم- إلا أن قيام الجماعة الإسلامية الأحمدية ينصف الشيعة أيضا ويفتح المجال للتصالح بينهم وبين أهل السنة، ويصدِّق الحق الذي لدى الشيعة مما أغفله أهل السنة. فبعثة الإمام المهدي أكدت أن تركيز الشيعة على هذا المقام وهذا المنصب كان صحيحا، وإن خالفت بعثته تصورهم. بل أكد المسيح الموعود والإمام المهدي بنفسه أن بعض عقائدهم كغياب الإمام في السرداب وغيبته ليست خطأ محضا، بل المقصود بهذه الغيبة هي الموت، والمقصود برجعته هو ظهور الإمام الحق الذي يمثله في المستقبل. كذلك فإن تصور الجماعة الإسلامية الأحمدية للإمامة الروحانية في الصلحاء والأولياء وعلى رأسهم أئمة أهل البيت عندما غابت الخلافة الراشدة يؤكد أن هذا الجانب في النظرية الشيعية كان صحيحا أيضا.

وأخيرا يتضح أنه لا ملاذ لأهل السنة إلا بالجماعة الإسلامية الأحمدية، بل لا ملاذ للمسلمين جميعا بما فيهم الشيعة إلا بها، لأنها هي التي تنصر الجوانب الصحيحة من النظرية الشيعية أيضا، وتفتح المجال للتصالح بين المسلمين. ورغم أنه من المفترض لأهل السنة خاصة أن يفرحوا بقيام الجماعة الإسلامية الأحمدية والخلافة فيها، إلا أنهم للأسف كانوا أشد الناس معارضة وعداوة وبغضا لها، وقامت فئات وجهات وأحزاب ليس لها عمل سوى معارضة الجماعة وملاحقتها في عملها في خدمة الإسلام وإظهار صورته الحقيقية. وقد بلغ بهؤلاء الحقد والضغينة تجاه الجماعة أنهم يعدُّون الشر كله في الانتماء لهذه الجماعة، ولا بأس لو اختار المسلم أي فرقة أو مذهب من مذاهب أهل السنة مهما كان منحرفا ما دام بعيدا عن هذه الجماعة! والواقع أن هذا إنما يعني أن المعارضين يدعون المسلمين عامة وأهل السنة خاصة للهلاك، وإبعاد الناس عن الجماعة إنما يعني تعميق الفكر الإرهابي الذي أهلك أهل السنة ودمَّرهم تدميرا، والذي أصلحه فكر الجماعة إصلاحا شاملا، هذا إضافة إلى أن قيام خلافة تحمل هذا الفكر الإصلاحي وتؤسس جماعة يشهد القاصي والداني أنها سبب لتوطيد الأمن والسلام، وتدعي هذه الجماعة أنها تحمل الفكر الإسلامي الحقيقي، ولم تكن سببا في الإخلال بأمن العالم رغم سنوات قيامها التي تتجاوز المئة وثماني سنوات، في ظروف عالمية صعبة للغاية، فهذه أيضا شهادة فعلية تلطم وجه كل من يريد أن يصم الإسلام بالإرهاب وتبطل أيضا دعوى من يدعون أنهم يحملون الإسلام الحقيقي سواء من الإرهابيين أو مَن يسمون أنفسهم بالمسلمين المعتدلين الذين لا يختلف فكرهم عن فكر الإرهابيين في حقيقته.

والواقع أن المعارضين لا يأبهون إلا بأنفسهم ومناصبهم ومكاسبهم، وليسوا مواسين حقيقة لأهل السنة ولا للمسلمين. هؤلاء، سواء كانوا أفرادًا أو جماعات أو أحزابا، لو تفحصنا أحوالهم فسنجد خلف هذه المعارضة أغراضا خاصة أو شخصية، وإلا فإن المؤمن الحق عندما سيعرف عن الجماعة سيتهلل ويفرح، بينما المنافق والفاسق الذي يكون وليا للشيطان سيهيج ويغضب. لذلك فإن الدعوات لمعارضة الجماعة إنما هي هجوم على الإسلام نفسه، وليست سوى مظهرا لصوت الشيطان، ولا يريد المعارضون في الحقيقة إلا هلاك الإسلام، ولا يبالون بذلك بسبب حقدهم وفساد طويتهم. فنسأل الله تعالى أن ينقذ المسلمين منهم، وأن يفتح عيونهم لقبول هذه الجماعة التي تعيد للإسلام مجده وصورته النقية، التي قُدِّر لها أن تقود الإسلام نحو الظهور على الدين كله، تحقيقا لأنباء القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم، آمين.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة