loader

سورة الهمزة والإبادة النووية

من بين نبوءات القرآن التي تتعلق بأحداث عصرنا الحاضر والاختراعات التي تمت فيه.. نجد أن البعض منها على جانب كبير من الأهمية، وله وقع كبير على المستوى العالمي. وإحدى هذه النبوءات تتعلق بالأخطار المتوقعة لما هو معروف باسم الإبادة النووية (Nuclear Holocaust) . وقد جاءت هذه النبوءة في زمن ما كان للإنسان أن يتصور وقوع انفجار نووي مهما جمح به الخيال أو هامت به الأفكار. ولكن.. كما سنبينه فيما يلي.. هناك بعض الآيات المعينة في القرآن الكريم تتحدث بوضوح عن أجسام دقيقة تبدو وكأنها عديمة القيمة، ولكنها توصف بأنها مخازن لطاقة عظيمة، وكأن نيران الجحيم الموقودة قد أغلق عليها بداخلها. ومما يثير العجب والدهشة البالغة أن هذا هو بالضبط ما تذكره حرفيا الآيات التالية:

(الهمزة:2-10)


أي الويل لكل مغتاب عياب، الذي جمع ثروة من الأموال وأخذ يعدها ويكرر عدها مرة بعد أخرى، وهو يتصور أن هذه الأموال سوف تمنحه الخلود والبقاء. كلا! إنه سوف يُترك في "الحطمة"، وما يدريك ما هي " الحطمة"؟ إنها نار موقدة من لدن الله تعالى، سوف تنفذ إلى القلوب. إن هذه النيران محبوسة داخل أعمدة تتمدد فتُكَوِّن أعمدة النيران.

هذه السورة القصيرة تحمل في كلماتـها الكثير من العبارات والمعاني المذهلة، والتي كانت بعيدة تماما عن أفكار وتصورات الناس في ذلك الزمن الذي ذكرت فيه. وإنه لمن العجيب حقا أن يذكر القرآن المجيد أن أولئك الآثمين الذين يتصفون بصفات معينة.. سوف يُقذفون في "الحطمة"، وهي تعني الجزيئات الصغيرة الدقيقة التي نراها عادة تسبح في الهواء عندما يتسرب شعاع من الضوء إلى داخل حجرة مظلمة.

وتذكر القواميس المعتمدة للغة العربية أن للفظ "الحطمة" أصلين.. لكل منهما معنى خاص: الأصل الأول وهو "حَطَمة"، بمعنى "دَقَّ وسَحَقَ" أو "جعله قِطَعا وأجزاء صغيرة جدا". والأصل الثاني هو "حِطْمَة" ، بمعنى "الجزء الصغير الذي لا قيمة له". والحِطْمة هي الجزء الذي ينتج عن دق شيء وكسره وسحقه وتحويله إلى أصغر مكوناته.

ويمكن أن ينطبق هذان المعنيان على أصغر أجزاء من أية مادة يمكن أن تنقسم إلى أن تصل إلى أصغر أجزائها القابلة للانقسام.
وحيث إن فكرة انشطار النواة لم تكن قد ولدت بعد منذ أربعة عشر قرنا من الزمان، فإن أقرب تعبير يصف هذا الانشطار النووي هو لفظ "الحطمة" وهو أيضا أقرب ما يكون من اللفظة الإنكليزية"atom" من ناحية اللفظ والمعنى أيضا، فهذه اللفظة تعني:الذرّة . ولا يكاد المرء يفيق من العجب لما يعلنه القرآن الكريم من أن يوما ما سوف يأتي حين يُلقى الإنسان في أتون الحطمة، أي في جحيم الانشطار النووي، حتى يُتبع القرآن ذلك بذكر أمر آخر أكثر عجبا وأشد إثارة للدهشة..

فالقرآن المجيد يبين ويشرح ماهية الحطمة، فيقول إنها نار الله الموقدة، وإنها مؤصدة داخلها ومحبوسة في أعمدة ممتدة.
كذلك فإنه يقول إن الإنسان حين يلقى في هذه النيران فإنـها سوف تنفذ إلى قلبه مباشرة وكأنه لا يوجد ما يمنعها من قفص صدري أو أي شيء يقف في طريقها. وهذا يشير إلى أن هذه النار مختلفة تماما.. فهي تهلك القلب قبل أن تحرق الجسم الخارجي. ومن المعلوم أنه لم يكن الإنسان في ذلك الزمن يعرف نارا يمكن أن تنفذ إلى القلب مباشرة بـهذا الشكل الذي جاء وصفه في الآيات الكريمة.

"كَلاّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ"

ولكن ليست هذه وحدها جميع العوامل المثيرة للدهشة والعجب في هذا الوصف، فما يأتي بعد أشد غرابة وأكبر عجبا. فقد ذكر عن هذه النار أنـها مؤصدة في أعمدة ممتدة، وهي تنتظر أن تنفذ إلى قلب الإنسان حين يأتي الزمن الذي تنطلق فيه هذه النيران من محبسها. إنـها حقا دهشة بعد دهشة، وعجب يتلوه عجب، يتراكم جميعه في نطاق هذه العبارات القليلة والآيات البيّنة التي تحتويها هذه السورة الكريمة. فأولا يأتي الإعلان بأن زمنا ما سوف يجيء حين يُلقى الإنسان في أصغر جزء من أجزاء المادة.. أي "الحطمة"، ثم يأتي وصف هذا الجزء الأصغر من المادة وما يحتويه من نيران، وأن هذه النيران محبوسة في أوعية تظهر في شكل الأعمدة الممتدة.

ولا يعني قذف الإنسان في هذه الحطمة الصغيرة الدقيقة أن فردا واحدا سوف يُقذف فيها، فالإنسان هنا اسم عام، وقذفه في الحطمة يعني خضوع جنس البشر لآفاتها ومصائبها التي يهلك فيها. وقد صار من الممكن حدوث هذا في زماننا المعاصر فقط، حين استطاع الإنسان أن يكتشف أسرار الذرة ونواتها بما تحويه من خزائن الطاقة الجبارة. وهذا هو الزمن الذي يمكن فيه لهذه الطاقة أن تنطلق من محبسها وتكتنف مساحات شاسعة تبلغ الألوف من الأميال المربعة، بكل ما تحتويه هذه المساحات من مبان أو نبات أو إنسان. وهكذا فإن الأمر الذي كان من المستحيل حدوثه منذ أربعة عشر قرنا من الزمان قد صار اليوم أمرا حقيقيا معروفا، يستطيع أن يفهمه الجميع حتى الأطفال.

إن أكثر تعبيرات العجب إطنابا لا تعطي هذه النبوءة العظيمة حقها في الوصف والتعبير. ولا يقل عن ذلك عجبا أن الناس في الأزمنة الماضية لم يدركوا أهمية هذه السورة القصيرة.. سورة الهمزة، وإلا لكانت قد نفذت إلى عقولهم وعقائدهم. فكيف لم تلفت هذه الآيات أنظارهم ولم يثر أحد منهم اعتراضا أو تساؤلا عن كيفية دخول المرء في حطمة دقيقة، ولعلهم ظنوا أن هذه الآيات لا تتعلق بأحداث هذا العالم، وإنما تنطبق على العالم المجهول الذي يختص بالحياة الآخرة. لذا فقد تجنب العديد من المفسرين الخوض في تفسير هذه الآيات إلى يوم البعث والنشور، ولكن بغير تقديم أي دليل لإثبات أنها كذلك. وهكذا.. بغير إدراك المعاني الحقيقية التي تحويها هذه الآيات الكريمة.. كان من السهل عليهم أن يلقوا بـها إلى نطاق عالم المجهول.

وكان المستشرق سيل (Sale) أحد المستشرقين الغربيين الذين قاموا بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، قد واجه المشكلة نفسها لدى ترجمة كلمة "الحطمة" حرفيا. وببساطة.. قال سيل إن الآية تعني أن عددا كبيرا من الناس سوف يُلقون في (Al-hotamah) بغير أن يترجم كلمة "الحطمة" إطلاقا. وبذلك لم يكن أمام الناطقين بالإنجليزية أية سبيل للاعتراض على إمكان إلقاء عدد كبير من الناس في جزيء دقيق متناه في الصغر. وحيث أنهم كانوا يجهلون تماما ما تعنيه كلمة hotamah فقد أعطوا لخيالهم العنان في تصور أنها عبارة عن بـهو واسع كبير من النيران المتقدة وتسمى حُطمة. وبـهذه الاستراتيجية أنقذ "سيل" نفسه من الارتباك الذي واجهه في ترجمة الكلمة، بيد أنه فشل في نفس الوقت أن يعطي هذه النبوءة المدهشة حقها الذي تستحقه.

إن النار التي تتحدث عنها الآية، سواء كانت لهيبا مدمرا هنا على الأرض أو جحيما مستعرا في الآخرة، لا يمكن بأية حال من الأحوال ضغطها وحبسها في نطاق المكان الصغير المتناهي في الصغر الذي تشغله "الحطمة". غير أن هذه لم تكن هي المعضلة الوحيدة التي واجهت "سيل" والمفسرين الأوائل. فماذا عن النيران المحبوسة في أعمدة ممددة، وهو أمر كان من المستحيل تصوره قبل أن ينبلج فجر العصر النووي؟ أما الآن فقد أمكن أخيرا حل اللغز المستعصي واتضحت تماما جميع أركانه.

وما لم يكن المرء على معرفة بالتوصيف العلمي لكيفية حدوث الانفجار النووي والتغيرات التي تحدث نتيجة لذلك داخل النواة، فإنه يصعب على المرء أن يفهم تماما معنى التعبير القرآني{فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ}. إذ يصف الخبراء في شؤون الانشطار النووي الحالة الحرجة للكتلة التي توشك على الانشطار بأنها تتمدد وهي تخفق وتنبض تحت الضغط الهائل الذي يتنامى بداخلها. وينتج الضغط بسبب الاستطالة والتمدد الذي يحدث للأنوية قبيل انشطارها، وأثناء هذه العملية ينشطر عنصر من ذوي الأوزان الذرية العالية إلى عنصرين كل منهما له وزن ذري يقل عن العنصر الأول . والمجموع الكلي للأوزان الذرية للعناصر المتكونة تقل عن الوزن الذري للعنصر الأول، الذي عادة ما يطلق عليه اسم العنصر الثقيل. والجزء البسيط من الأوزان الذرية التي تم فقدها في هذه العملية يتحول إلى طاقة. وهذا لا يشكل بالطبع النمط الوحيد للقنبلة النووية، ولكننا اخترنا هذا النمط البسيط لوصف عملية العَمَد الممددة.

"نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ"

وحين ننتقل إلى موضوع كيفية نفاذ هذه النيران إلى القلوب مباشرة، ونقدم في ما يلي التفسير العلمي لهذه الظاهرة:
عند لحظة الانفجار.. تنطلق على الفور كميات كبيرة من النيوترونات وأشعة جاما وأشعة إكس، وترفع أشعة إكس درجة الحرارة إلى مستويات عالية جدا تشبه درجة حرارة الشهب عند اصطدامها بالغلاف الجوي، وهي بذلك تُكَون كرة كبيرة من النيران ترتفع بسرعة إلى أعلى على متن الحرارة الشديدة المنبعثة نتيجة للانفجار النووي. وهذا هو سرادق النار الذي يرتفع بما يشبه شكل نبات عش الغراب (الفُطْر)، وهو ما يمكن رؤيته في كل مكان من مسافات بعيدة.

كذلك تنطلق أشعة إكس مع النيوترونات في اتجاه جانبي، وإلى جميع الاتجاهات، فتسبب ارتفاعا شديدا في درجات الحرارة، مما ينتج عنه احتراق كل شيء في طريقها. وتفوق سرعة حركة هذه الموجة الحرارية سرعة الصوت عدة مرات، فتخلق أيضا موجات اهتزازية رهيبة. غير أن الأسرع من كل هذا والأكثر نفاذا، هي أشعة جاما التي تسبق سرعة إنتقال الجبهة الحرارية، حيث إنها تتحرك بسرعة الضوء. وهذه الأشعة تتردد بسرعة كبيرة جدا حتى إنه بمحض تأثير سرعة ترددها هذا.. تنفذ على الفور إلى القلب وتصيبه بسكتة فورية. فالموت لا ينتج بفعل الحرارة الشديدة الحارقة الناتجة عن تأثير أشعة إكس، بل إن الطاقة الجبارة لأشعة جاما هي التي تسبب الموت الفوري. وهذا هو بالضبط ما يقرره القرآن المجيد.

كذلك يذكر القرآن في سورة الدخان أن سحابة قاتلة من الدخان المحتوي على الإشعاع المهلك سوف تكتنف الناس، فيقول:

(الدخان:11-12)

وتتضح خصائص هذه السحابة الدخانية بشكل أكبر من الآيات التالية:

(المرسلات:31-34)

إن كلمة(انطَلِقُوا) تشير إلى أن الإنسان سوف يتوجه تدريجيا إلى مرحلة زمنية حيث يكون عليه مواجهة هذه السحابة الدخانية الرهيبة التي لا تمنح ظلا ولا توفر حماية. فالظلال تمنح الحماية من الحرارة الشديدة، وتقف السحب حائلا بيننا وبين الحرارة المستعرة لأشعة الشمس. ولكن لا يوجد في هذه الآيات ذكر للشمس، وإنما ذكر اللهب وشرر النيران التي لا يحجبها ظل ذلك الدخان، بل إن ظل ذلك الدخان، نفسه هو الوسيلة التي تنقل العذاب الأليم الذي تُشعه تلك النيران، فلا ينجو شيء من هذا الظل، ولا يكون أحد تحته في مأمن من الاحتراق. وهذا هو الوصف الدقيق لتأثير سحابة الإشعاع النووي. وبالإضافه.. فإن هذه السحابة الدخانية سوف تموج فيها النيران حتى إن ألسنة اللهب والشرار المتصاعد يبدو في لون الجِمال ذات اللون الأصفر الفاقع ، بينما يبلغ حجم ذلك الشرر حجم القصور والقلاع. ولعل أوجه الشبه بين ألسنة اللهب والجِمال ليس فقط في اللون، وإنما في شكل انحناءات سنامات الجمال أيضاً.

إن الناس الذين كانوا يعيشون في القرن السابع الميلادي.. حين نزلت هذه الآيات الكريمة.. لم يكن لديهم التصور اللازم لإدراك خطورة هذه السحابة الدخانية القاتلة، فإن كيفية حدوثها كان أبعد مما تعيه مداركهم.أما اليوم فإننا ندرك ماهية الانفجارات النووية ونعلم حقيقة السحب المشعة التي تنتج عنها. وإلى هذا الوصف المشؤوم والمصير المحتوم تشير الآية التي تلت الآيات السابقة حيث تقول:

(المرسلات:35)

ويمكن أن تشير لفظة (يَوْمَئذٍ ) إلى يوم القيامة، كما يمكن أيضا أن تشير إلى زمن هنا على الأرض، حين يرفض أولئك (الْمُكَذِّبِينَ) الإيـمان بآيات الله تعالى، فيغشاهم عذاب أليم من دخان يلقي بظلال الموت والهلاك على كل ما يوجد من تحته. وسوف تتحرك هذه الظلال المميتة وتنتقل من مكان إلى مكان، فلا تحمل في طياتـها أي أمن أو سلام، بل ظلال من عذاب وآلام. وذلك هو الزمن الذي حين يشهد فيه الإنسان ذلك العذاب الأليم، فحينذاك يعود ويرجع أخيرا إلى الله تعالى، ويسأله أن يرفع عنه هذا العذاب الذي لا يحتمل. غير أن غضب الله سبحانه حين ينـزل بساحة قوم.. يكون زمن العفو والمغفرة قد ولّى وانقضى. وفي هذا يقول القرآن المجيد:

(الدخان 14-15)

إن النبوءات التي تحتوي على تحذير وإنذار إنما تهدف إلى إيقاظ الإنسان وتنبيهه إلى أخطار الكوارث التي تحدث نتيجة لسوء عمله. ومن الواضح أن النبوءات التي ذكرناها فيما سبق تختص بالعصر الذي نعيش فيه، وهي تتحدث عن أمور كانت مجهولة تماما للناس في العصور الأولى. وإن المرء ليعجب إن كان الله تعالى قد كشف للرسول (صلى الله عليه وسلم) عن جميع مدلولات هذه النبوءات بكل تفاصيلها، غير أن الدقائق من الأمور التي وصفها (صلى الله عليه وسلم) والوضوح الذي وصف به الكثير من الأمور الغيبية المستقبلية، تترك لدى المرء انطباعا وكأنه (صلى الله عليه وسلم) كان يشاهد هذه الأحداث تمر أمام عينيه، كأنها كانت تقع في فيلم سينمائي على مسرح الأقدار. ومع ذلك فقد تعين على الإنسان الانتظار أكثر من ألف عام قبل أن تبدأ هذه النبوءات في التحقق. ولم يكن لهذه الأحداث أن تنتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة إلا بعد حلول عصر الذرّة.

إن فظاعة الكارثة النوويّة أمر مهول ورهيب، ومع ذلك فإن الإنسان لا يبذل الجهد الكافي أو اللازم للبحث عن جذور وأسباب هذا الشر المستطير. ونادرا ما ينفذ بصر الإنسان إلى أعماق السطح الذي يتفرس فيه، وخاصة إذا كان يتعلق بـهذه الأمور.
وقليل من الناس من يستطيع أن يختبر أفكاره ويتأمل بواطن نفسه من أجل الكشف عن الوجه الخفي لجوانب الشر التي تقبع في أعماق النفس. وهذا نوع من العماية يتعلّق بالاعوجاج الكامن في الإنسان. فكلّما كان هو نفسه المسؤول عن التسبب في حدوث المعاناة وانتشار الشرور من حوله، كلما قصرت عيناه عن رؤية يديه وهي تخلق هذه الشرور والمعاناة.

هذه هي سلسلة الكوارث التى نبحثها والتي تؤثر على العالَم بأجمعه. ويستطيع العالِم أن يشرح ظاهرة الانشطار النووي، ولكنه يفعل ذلك في نطاق الأسباب الطبيعيّة والمادية فقط. ولكن حين تستخدم هذه القوى المدمرة الجبارة في تدمير أمن الإنسان، فلا يقع اللوم حينئذ على العلماء الذين خلقوها. إن جذور المشكلة تنبت في مكان آخر، فالمسؤول الحقيقي دائما هو القوى العظمى التي تتخذ القرارات الرعناء باستخدام العنف الذي يعصف بأمن العالم كله. وبالرغم من عظمة تلك القوى.. فهي لا تعدو أن تكون مجرد دُمَى في أيدي الإرادة الجماعية الأنانية للجماهير.

ورغم أن القرآن المجيد يتحدث عن الأحداث والتطورات العلمية بدقة بالغة، إلا أنه لا يسلك مسلك مدرس العلوم كما هي، وإنما يوجه الانتباه إلى الأسباب غير الأخلاقية لاعوجاج وفساد السلوك الإنساني. وهو حين يذكر لنا أخطار الزناد وما ينتج عنه، فإنه لا يركّز الانتباه على الزناد فقط بل على الإصبع الذي يضغط عليه، وهذا هو الهدف من ذكر تلك التحذيرات في القرآن المجيد. وفي هذا الشأن يذكر القرآن المجيد تكرارا أن كل البشاعة التي تصيب الإنسان، يكون هو نفسه المسؤول عنها، ولا يقع اللوم إلا عليه. وعلى هذا فإن إجراءات الوقاية التي يبينها القرآن تتعلق بإصلاح أخلاق الإنسان وتقويم سلوكه. ويؤكد القرآن المجيد على أنه إذا غير الناس من مسلكهم، وأصلحوا من أنفسهم بما يتفق مع الهدي الإلهي، فإن هذا سوف يخلق المناخ الصحي المناسب واللازم لإقامة العدل واستمرار الحياة.

إن منار النبوءات القرآنية يبين بوضوح أماكن الصخور التى ينبغي تجنبها، والقنوات التي يتحتم الإبحار فيها لضمان السلامة. ولكن يبدو أنه من غير المحتمل لهؤلاء الذين يتولون قيادة سفينة شؤون الإنسان أن يلقوا بالا للتحذيرات ويقودوا السفينة عبر الأخطار المحدقة ليصلوا بها في سلام إلى بر الأمان. وبدون التحليل العميق والحقيقي لسلوكيات الإنسان على كل مستوى من مستويات أنشطته فليس هناك من حل معقول يمكن أن يتصوره أحد لحل المشاكل التي تجابه الإنسان اليوم. وبعبارة بسيطة نقول أن الأمر كله يتوقف على إحياء القيم الإنسانية الأساسية مثل الصدق، والأمانة، والكرامة، والعدل، والمساواة، والاهتمام بمصالح الآخرين، والإحساس بمعاناة الناس.. حتى ولو لم يكونوا من الأقارب والمعارف، والالتزام العام بفعل الخير. فإن أزلنا هذه العوامل من العلاقات الإنسانية، فلا ننتظر أو نتوقع شيئا سوى أن تحل بنا الكارثة وهذه هي النتيجة المنطقية الوحيدة.

إن سورة القمر تشرح هذا الأمر بما يتعلق بالأقوام السابقة التي لم تُلق بالا للتحذيرات التي أُبلغوا بـها على لسان رسل الله تعالى الذين جاؤوهم في زمانـهم. وترتب على ذلك أنـهم جميعا، وبغير استثناء، قد شاهدوا بأعينهم النهاية المحزنة التي أُنذروا بـها، ولم تنفعهم توبتهم بعد فوات الأوان. والغرض الوحيد من ذكر هذه التحذيرات هو أن تتعظ أجيال المستقبل، ولا تعير تلك التحذيرات أذنا صماء. وهكذا يقص علينا القرآن المجيد أنباء الكوارث التي أصابت تلك الأقوام لكي تتعلم الأقوام التالية فنون الحياة من دروس الموت الذي أصاب السابقين. يقول الله تعالى :

(القمر من 5-6)

فإن لم يتعلم الناس الدروس المستفادة، فلا يقع اللوم إلا عليهم عما يترتب على ذلك من كوارث تنتظرهم لتعصف بهم.

وتتحدث سورة طه أيضا عن موضوع الإبادة النووية الذي نبحثه، وتذكر النتائج النهائية التي تؤول إليها الأمور، وتشير بعض الآيات إلى أن كبرياء وعجرفة القوى العالمية العظمى في هذا الزمن، سوف تنكسر وتتحطم، ولكن لن ينمحيَ الجنس البشري من الوجود. وتذكر الآيات المعينة أن هذا الأمر لن يؤدي إلى فناء البشر جميعا، وإنما سوف تتفتت وتُسوَّى بالأرض قوة تلك القوى السياسية المتعجرفة فقط. ومن جنبات قبورهم سوف ينبعث ويقوم النظام العالمي الجديد. إن هذه القوى التي هي كالجبال الراسية سوف تُدق وتُسحق وتسوّى بها الأرض، حتى لكأنها قد صارت مثل الأرض المنبسطة التي تكسوها الرمال، فلا ترى فيها أعالي ولا أسافل، ولا عوجا ولا أمتا. يقول تعالى :

(طه 106 – 109)

إن الله تبارك وتعالى، هو الذي سوف يحقق بيده الكريمة هذا التحول المدهش. والجبال في هذه الآيات ليست سوى استعارة مجازية للتعبير عن القوى العظمى والأمم والشعوب. ويذكر القرآن المجيد أنه متى تم سحق عجرفتهم وزال تكبرهم واستقام أمرهم، فحينذاك فقط سوف يستمعون إلى نداء الداعي إلى الله الذي لا عوج له. وهذا الدمار الذي يذكره القرآن المجيد لا ينتج إلا عن إبادة تتم بالمئات من التفجيرات النووية، مما يعني أن الإنسان لن يتعلم الدرس بسهولة، وأنه لا بد من أن يُطأطَأ رأسُ كبره تحت ضغط وثقل فظاعة الكوارث التي تلم به. ومع رسالة الوعيد المرعبة هذه.. تأتي أيضا رسالة جليلة تحمل الأمل بأن الفناء لن يعم الجنس البشري بأكمله، بل إنه سينجو من هذه الكوارث في نهاية المطاف ويدلف إلى عهد جديد من عهود النور. وسوف يتعلم الإنسان كيف يصلح من أساليبه وسلوكياته.. إن لم يكن من قبل، فعلى الأقل من بعد أن يذوق ثمار سيئاته وعصيانه لله تعالى.

وفي سورة أخرى يحدثنا القرآن الكريم عن تغيرات ضخمة وشاملة في المناخ وفي جغرافية الأرض، وستكون لها طبيعة فظيعة مرعبة، حتى أنها ستُحَول وجه الأرض في أماكن كثيرة في البلاد والقارات إلى خراب ودمار شامل. وقد تكون هذه النبوءات عن الحالة بعد الإبادة النووية التي نتحدث عنها. وقبل حدوث هذا الدمار.. كانت نفس تلك الأراضي والأماكن تُعد من أكثر البقاع في العالم كله جمالا وسحرا في طبيعتها، وكانت فريدة في غناها الذي يبهر العيون ويخطف الأبصار. وإننا لنتمنى ألا تتحقق هذه النبوءة على الأقل من بين جميع النبوءات التي ذكرها القرآن المجيد. ويقينا ليس في هذه الأمنية أي شائبة من عدم الاحترام للنبوءات التحذيرية التي ذكرها القرآن العظيم، بل أنها تنبع من إيماننا الذي لا يتزعزع بالرحمة العامة الشاملة لله تعالى - الله الرحيم الكريم.

فإن جميع النبوءات التي تحمل الإنذار والوعيد، مهما كانت قوية، يتوقف تحققها على مدى استجابة الإنسان لها. وهناك المثل الذي ذكره القرآن المجيد عن قوم يونس (عليه السلام) الذين نجوا من عقاب الله المقدر لهم حين رجعوا إلى الله تعالى بتوبة صادقة نصوح، فهذا يضيء لنا اليوم نور الأمل. ورغم أنه لا يبدو هناك من سبب معقول يبرر التفاؤل، بالنظر إلى الانحطاط المستمر والمتواصل في القيم الأخلاقية لدى الإنسان، إلا أن نجاة قوم يونس تضل هي الأمل الوحيد الذي يمكن أن نتعلق به، وغير ذلك ليس سوى ليل أسود مظلم مرعب من اليأس الكامل. ولكن العلاج لأمراض العالم المتأصلة لم يعد في أيدي المسحاء الكذبة وأدعياء الدين، وإنما هو في يد الله تعالى وحده، إذا ارتفعت أيدينا إليه بالدعاء الصادق المخلص فقط. وربما يكون كلامنا هذا في لغة يصعب فهمها على الإنسان المعاصر لأنه على عكس ما اعتادت أذنه أن تسمعه. إن الله وحده هو العليم بحقيقة الأمور.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة